اشارات قائم على أعتاب مؤسسة أبجديات/بقلم : سليم المسجد/ اليمن


كلما لاح أمام ناظري وجه أفقٍ، تعلو تقاسيمهُ الخيبات، المسافرة في عتمة الصباح، المنهوك بفعل الحروب..؛ التمع في أعماقي هذا الهُتاف:
“حان موعد الاقلاع إلى ذات البهاء..” فأرحلُ إليها على أجنحةٍ من وميض نبضاتي، المحلقة في أجواء همسٍ أبجدي السحر والدهشة، يأخذ روحي في أقاصيه البعيدة، حد أن ذهولي لم يلتفت نحو صديقٍ بالقرب مني وهو يسألني عنها، وماذا أحدثهُ -بعد أن زرتٌ ألف مدينة ومدينة- عن مملكة تتربع عرش الجمال، وتفترش الحب حدائق ذات بهجة وضوء، بزغ من أفلاك سكانها، أوبالأصح من أفلاك ملوك تتمشقرهم مجرات ذات إبداع.
إلا أنه عندما سئم صديقي رتابة الروائح في زمن المتاهات، أشرت إليه نحوها، ثم أخذت بيده حيث تطيب له الإقامة، وتعانقنا متعة التنزه في أرجاءها الواسعة. في كل ناحية منها تظلك أشجارها الوارفة، ومع كل نسمة فيها تشذو في مقدمك وردة عابقة، وكأنك تسير بأوساط حدائقٍ يلفّها الربيع على مدار العام، وأكثر من (٢٠٠) كائنٍ عطري يعبقون في أروقتها مع كل صباحٍ يتنفس، وفي كل مساءٍ تنثال أبجدياتهم هنا، فتهدي النسيم إلى النسيم، وتزفهُ للكون عطرا. حينها تربت على روحك السكينة والإطمئنان بعيداً عن رتابة الحياة في مواطنٍ أجاد معظم أبناءها تقنية الضغط على الزناد، علاوةً وأنت-هنا-ترى رسل المحبة والسلام فوق مرتفعات الدهشة يشيدون للحب كرنفالاً في كل حين، وفي كل آنٍ يتقاطرون أنغاماً تموسقت بألحانها مدارات الفضاء المنشود، وبأناملٍ لاتجيد سوى العزف على الآلات الموسيقية يعزفون على قيثارة الروح أغنية من رؤى، في مطلع فجرٍ ستشدو أنواره من هنا. حيث هنا ترتفع مشاعل التنوير فوق ركامات الظلام..وهنا زرّاع الضوء يعملون بشكلٍ منقطع النظير..وهنا سنابل الفكر تطال العنان، ولك أن تقتات ماشئت..وهنا تتفجر ينابيع المعرفة، وتتدفق أنهار الإبداع، ولك أن ترد ذلك المعين العذب..وهنا تحتشد الأخيلة والألوية في سماوات الشعر والأدب، ولك أن تمضي معها حين مسير.
لذا استهوتني الكتابة عنها، منذ أول لحظة وقفت على أعتابها مدهوشاً، إلا أنه كلما أخذت قلمي سقط في مقاماتها رهبةً وخضوعا، وكلما أمسكتُ بمفردة تطايرت في فضائها شعاعاً يصعب السيطرة عليه. لكني من بعد ألف محاولة ومحاولة تسلل في مهابط وحيها، وأنا أكتب وأكشط، وجدتني أكتب عنها…وماذا أكتب عن مملكةٍ بحجم الضوء، والماء، وانثيالات السماء، والأغاني البكر في وجه الطلوع..
اسمها: ” مؤسسة أبجديات الأدبية الثقافية” ولاأصعب من الكتابة عنها إلا عدم الكتابة عنها.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .
error: Content is protected !!