الأعمال الكاملة لشعراء العرب المعاصرين(الحلقة العشرون)

 

كتب: الشاعر أمين المَيْسَري
الشاعر الفلسطيني الكبير توفيق زيّاد(1929م – 1994م) كان أحد أبرز الأصوات الشعرية في الأرض المحتلة..شاعرٌ كبيرٌ،ومناضل جسور.عاش في الأرض المحتلة طوال حياته. صدح بشعره على طول وعرض الأرض الفلسطينية. مزج شعره بتراث الموروث الشعبي الفلسطيني.
تحوّل شعره إلى أناشيد ثورية فلسطينية مؤثرة في الشارع الفلسطيني. ومَنْ منّا ينسى قصيدته(أناديكم أشدّ على أدياديكم) التي زلزل بها الأرض من تحت أقدام العدو الصهيوني.. القصيدة لحنها وغناها الفنان الكبير أحمد قعبور.

نص(أناديكم أشدّ على أدياديكم)

أناديكم .. أشد على أياديكم
أناديكم
أشد على أياديكم..
أبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول: أفديكم
وأهديكم ضيا عيني
ودفء القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا
نصيبي من مآسيكم.
أناديكم
أشد على أياديكم..
أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي
وقفت بوجه ظلامي
يتيما، عاريا، حافي
حملت دمي على كفي
وما نكست أعلامي
وصنت العشب فوق قبور أسلافي
أناديكم… أشد على أياديكم!!

النص جاء على تفعيلة مجزوء الوافر(مفاعلتن مفاعلتن)

(ولد توفيق زيّاد في مدينة الناصرة؛ والده: أمين زيّاد؛ والدته: نزهة الخواجا؛ أخوته: صبيح، ومصباح، وعبد الفتاح، وأحمد؛ أخَواته: إنعام، ونعيمة، وعمة، ورهيجة؛ زوجته: نائلة يوسف صباغ؛ ابناه: أمين، وفارس؛ بناته: هيبة وعبور.
تلقى توفيق زيّاد تعليمه في مدارس مدينة الناصرة الحكومية، ونال الشهادة الثانوية في سنة 1946. وخلال فترة دراسته كان يساعد أباه في دكان البقالة الذي امتلكه.
بدأ زيّاد الاهتمام بالسياسة وهو في المرحلة الثانوية من دراسته، وتأثر توجهه السياسي التقدمي بأفكار ثلاثة من أساتذته، هم رشدي شاهين وجمال سكران وفؤاد خوري، الذين كانوا يطلعون تلامذتهم على ما تنشره صحيفة “الاتحاد” ومجلة “المهماز”. وشارك زيّاد في سنة 1946 في قيادة مظاهرة طلابية ضد السياسة البريطانية المؤيدة للصهيونية.
انتسب زيّاد قبل وقوع نكبة فلسطين إلى فرع الناصرة لـ”عصبة التحرر الوطني في فلسطين”، التي تشكّلت في سنة 1944 وضمت الشيوعيين العرب الذين انفصلوا عن رفاقهم اليهود في الحزب الشيوعي الفلسطيني. وبرز في تلك المرحلة المبكرة حبه للأدب والثقافة العامة. وبدأ ينشر أولى قصائده منذ أواخر الأربعينيات.
انضمّ زيّاد، مع رفاقه في “عصبة التحرر الوطني” الذين بقوا في المناطق العربية التي احتلتها إسرائيل، إلى “الحزب الشيوعي الإسرائيلي” الذي أُعلن عن قيامه في تشرين الأول/ أكتوبر 1948.
نشط زيّاد، طوال سنوات الخمسينيات وحتى مطلع الستينيات، في العمل النقابي في مدينة الناصرة، في إطار “مؤتمر العمال العرب” أولاً، قبل أن يحل هذا المؤتمر نفسه في تموز/ يوليو 1953 ، ثم في إطار الكتلة الشيوعية داخل منظمة “الهستدروت”. وكتب العديد من المقالات في صحيفة “الاتحاد” الحيفاوية عن أوضاع العمال في إسرائيل، وخصوصاً العرب منهم.
اعتقلته الشرطة الإسرائيلية في آذار/ مارس 1954، عقب المظاهرة الاحتجاجية التي انطلقت من مدرسة “عرابة ” الابتدائية وانتهت باجتماع شعبي حافل احتجاجاً على قانون “ضريبة الرأس” التي فُرضت على المواطنين العرب الذين لا يخضعون للتجنيد الإلزامي، واقتيد إلى “معتقل طبريا” حيث حاول سجانوه إخضاعه بالضرب والإهانات، ثم قُدِّم إلى محكمة عكا العسكرية التي حكمت عليه بالسجن 40 يوماً بتهمة “الشغب” والاعتداء على رجال الشرطة.
انتخب زيّاد، عضواً في مجلس بلدية الناصرة في مطلع تموز/ 1954، في الموقع الثاني على “قائمة الشيوعيين وغير الحزبيين” التي فازت بستة مقاعد من أصل 15 مقعداً. ومنذ الجلسة الأولى للمجلس البلدي، اقترح السماح للجمهور بحضور جلساته، وهو ما رفضته غالبية أعضاء المجلس.
اعتُقل زيّاد في سنة 1958، عقب المظاهرة التي نظّمها الحزب الشيوعي بصورة سرية رداً على رفض السلطات الإسرائيلية منحه تصريحاً لتنظيم مظاهرة الأول من أيار/ مايو في الناصرة وفي أم الفحم، فأمضى فترة ستة أشهر بين سجني “الجلمة” و”الدامون”، تميّزت بكونها فترة إنتاج شعري خصبة.
تابع زيّاد بين سنتي 1962 و1964 دراسته الأكاديمية في “معهد العلوم الاجتماعية” في موسكو، حيث درس الفلسفة والاقتصاد السياسي. بعد عودته من موسكو، انتخب زيّاد في سنة 1964 سكرتيراً لفرع الناصرة للحزب الشيوعي.
في سنة 1965، عند وقوع الانقسام داخل الحزب الشيوعي الإسرائيلي، كان زيّاد من ضمن أعضاء الحزب العرب الذي أسسوا مع عدد من رفاقهم اليهود “القائمة الشيوعية الجديدة” (راكاح) في إسرائيل، التي عادت وتبنت اسم “الحزب الشيوعي الاسرائيلي” في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين.
تسلّم زيّاد في سنة 1966 رئاسة تحرير مجلة “الجديد” الأدبية التي كان يصدرها الحزب الشيوعي، وهو ما أتاح له فرصة أكبر للتفرغ لنشاطه الأدبي.
أوفدته قيادة حزبه في مطلع السبعينيات إلى مدينة براغ ممثلاً لها في هيئة تحرير مجلة “قضايا السلم والاشتراكية” (Problems of Peace and Socialism) التي كانت تصدرها الأحزاب الشيوعية. وكلفته بمتابعة شؤون موفدي الحزب من الطلبة إلى جامعات الدول الاشتراكية.
انتخب زيّاد في أواخر سنة 1973 نائباً للكنيست في دورته الثامنة عن “القائمة الشيوعية الجديدة” (راكاح). وعقب قيامه بنشر قصيدته “العبور الكبير” في صحيفة “الاتحاد”، في الذكرى الأولى لحرب تشرين الأول 1973، طالب نواب اليمين الإسرائيلي بمنعه من دخول الكنيست وبنزع حصانته البرلمانية ومحاكمته.
حققت قائمة “جبهة الناصرة الديمقراطية” التي ترأسها زيّاد فوزاً كبيراً في انتخابات المجلس البلدي لمدينة الناصرة التي جرت في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1975، إذ إنها فازت بنسبة 67 في المئة من أصوات المقترعين وبأحد عشر عضواً من أصل سبعة عشر. واختير زيّاد رئيساً للبلدية، فبذل جهوداً حثيثة كي يجعل من مدينة الناصرة عاصمة سياسية وثقافية، وقام بفتح جلسات المجلس البلدي أمام الجمهور، وناضل من أجل مساواة الناصرة في الميزانية مع المدن والبلدات المساوية لها في عدد السكان، وبادر إلى تنظيم مخيمات العمل التطوعي التي شهدتها مدينة الناصرة سنوياً منذ سنة 1976 وحتى سنة 1992.
وبعد النجاح الباهر الذي حققته “جبهة الناصرة الديمقراطية”، ساهم زيّاد، مساهمة فعالة، في تأسيس “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة”.
لعب زيّاد، من موقعه في الكنيست وفي رئاسة بلدية الناصرة، دوراً بارزاً في إنجاح إضراب “يوم الأرض”، في الثلاثين من آذار 1976، إذ إنه تصدّى بحزم لعدد من رؤساء المجالس المحلية العربية الذين حاولوا، بضغط من السلطات الإسرائيلية، إفشال الإضراب. ونتيجة موقفه الحازم هذا تعرض للاعتداء الجسدي وجرت محاولة لإحراق منزله.
كرس زيّاد، منذ سنة 1975، معظم وقته لعمله في رئاسة المجلس البلدي لمدينة الناصرة، الذي بقي يشغله حتى وفاته. وأعدّ، قبل رحيله بسنوات قليلة، مشروعاً طموحاً لتطوير المدينة باسم “مشروع الناصرة 2000”.
استقال زيّاد من عضوية الكنيست الاسرائيلي في سنة 1990 لكنه عاد، تحت الضغط الجماهيري والحزبي، إلى عضوية الكنيست رئيساً لقائمة “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” في الانتخابات التي جرت في حزيران 1992.
تعرض زيّاد خلال فترة رئاسته بلدية مدينة الناصرة وعضويته في الكنيست الإسرائيلي لمحاولات اغتيال عديدة باءت كلها بالفشل.
توفي توفيق زياد في الخامس من تموز 1994 في حادث سير مروع وهو في طريق عودته من مدينة أريحا بعد مشاركته في استقبال الرئيس ياسر عرفات.)(1)
إن شعر توفيق زياد شعر موجه وتحريضي ضد أشكال القهر والعنف.بل هو مواجه وشجاع ضد كل ماهو مغتصب للأرض الفلسطينية.

نص(هنا باقون)

كأننا عشرون مستحيل
في اللد , والرملة , والجليل
هنا .. غلى صدوركم , باقون كالجدار
وفي حلوقكم
كقطعة الزجاج , كالصبار
وفي عيونكم
زوبعة من نار
هنا .. على صدوركم , باقون كالجدار
ننظف الصحون في الحانات
ونملأ الكؤوس للسادات
ونمسح البلاط في المطابخ السوداء
حتى نسل لقمة الصغار
من بين أنيابكم الزرقاء
هنا غلى صدوركم باقون , كالجدار
نجوع .. نعرى .. نتحدى
ننشد الأشعار
ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات
ونملأ السجون كبرياء
ونصنع الأطفال .. جيلا ثائرا .. وراء جيل
كأننا عشرون مستحيل
في اللد , والرملة , والجليل
إنا هنا باقون
فلتشربوا البحرا
نحرس ظل التين والزيتون
ونزرع الأفكار , كالخمير في العجين
برودة الجليد في أعصابنا
وفي قلوبنا جهنم حمرا
إذا عطشنا نعصر الصخرا
ونأكل التراب إن جعنا .. ولا نرحل
وبالدم الزكي لا نبخل .. لا نبخل .. لا نبخل
هنا .. لنا ماض .. وحاضر .. ومستقبل
كأننا عشرون مستحيل
في اللد , والرملة , والجليل
يا جذرنا الحي تشبث
واضربي في القاع يا أصول
أفضل أن يراجع المضطهد الحساب
من قبل أن ينفتل الدولاب
لكل فعل : … إقرأوا
ما جاء في الكتاب

النص جاء على تفعيلة الرجز(مستفعلن)
يقول الشاعر والناقد الكبير عزالدّين المناصرة:(عندما تقرأشعر توفيق زيّاد الغاضب تشعر أنّك قد قرأت مثل قصائده هذه عند أبي سلمى- شوقي بغدادي- كمال عبدالحليم – وصفي قرنفلي ولاتشعر أنّك تقرأ شعراً مشابهاً للوركا ونيرودا وحكمت وأراغون وأيلوار…. وهنا نرى أن شعر هذه المرحلة لدى توفيق زياد ينتمي إلى المرحلة الأولى من شعر الواقعية الاشتراكية في أواخر الأربعينيات حيث نجد أن هذا الشعر يريد أن يعلن هويته قبل أن يقدّم لنا شعراً ماركسياً حقيقياً. وهذا هو التيار التقليدي في شعر الواقعية الاشتراكية. أما التيار الثاني فهو تيار أكثر تقدّماً حيث التحم بطينة الواقع ولحمه ودمه لابهيكله العظمي كالبياتي وبسيسو والفيتوري وسعدي يوسف،وهو أكثر اقترابا من شعر المقاومة العالمي. بل هم متأثرون بوضوح بهم.)(2)

نص(فلتسمع كل الدنيا)

فلتسمع كل الدنيا … فلتسمع
سنجوع .. ونعرى
قطعا .. نتقطع
ونسفّ ترابك
يا أرضا تتوجع
ونموت .. ولكن
لن يسقط من أيدينا
علم الأحرار المشرع
لكن .. لن نركع
للقوة .. للفانتوم … للمدفع
لن نخضع
لن يخضع منا
حتى طفل يرضع

صدرت الأعمال الكاملة للشاعر توفيق زيّاد عن دار العودة 1970م وضمّت الدواوين التالية:
ديوان شيوعيون
ديوان أشد على أياديكم
ديوان أدفنوا أمواتكم وانهضوا
ديوان أغنيات الثورة والغضب
ديوان تهليلة الموت والشهادة.
أمين الميسري
20رمضان1447ه
9مارس2026م
هوامش:
(1)موقع الموسوعة التفاعلية الفلسطينية
(2) مقدمة الديوان للشاعر والناقد الكبير عزالدين المناصرة ص م /ن

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!