هبت الطفلة راقصة من شدة الفرح ..
تضحك وتغني وهي تدور حول أمها في مطبخ منزلهم الشعبي البسيط المتهالك إثر القذائف والشظايا محتضنة حذائها الأبيض الجديد بين ثنايا فستانها الوردي.
كان عمها قد أعطاها الحذاء صباح هذا العيد والذي سبق أن استلمه لها من الجمعية الخيرية.
حيث حضر العم مع زوجته في هذا الصباح للمعايدة عليهم وجلسوا في غرفة المجلس مع أخويها الأكبر منها يتجاذبون أطراف الحديث.
تعتلي مجلسهم صورة والدها الذي توفي قبل أكثر من عام نتيجة شظايا قذيفة وقعت في محيط منزلهم المطل على خط المواجهة مع من يحاصر مدينتهم.
تدخل الأم حاملة أكواب العصير وقليل من كعك وحلويات العيد ..
تخطف الطفلة حبة كعك من الصحن وتكمل رقصتها وابتهاجها في صالة المنزل ..
فيما يستكملون حديثهم عن مدى حنان وعطف الوالد الراحل خاصة مع الطفلة الصغيرة، وتذكروا لحظات غضبه النادرة عليهم حينما كان يمنعهم من الخروج إلى الفناء الخلفي للمنزل، خاصة بعد ما أصيب جارهم الطاعن في السن بطلقة قناص في كتفه ونجا بعدها من الموت بأعجوبة.
وبين الفينة والأخرى يقطع صفو حديثهم أصوات طلقات وقذائف تتردد من بعيد..
يبدو أن المواجهات تجددت في مناطق المواجهة في الأحياء القريبة منهم.
قالت الأم في حسرة وألم : حتى يوم العيد .. لا يراعون له حرمة ولا فرحة.
فجأة .. يقطع صفو لقائهم صوت طلقة عيار ناري قريب جداً..
توتر الجميع وانتابهم الخوف ..
لم يعتادوا أن تكون الطلقات النارية قريبة جداً إلى هذا الحد.
صمت ثقيل خيّم على المكان ونظراتهم تتلاقى في تساؤل وقلق.
دوى في المكان صوت عيار ناري ثاني أفزع الجميع، بعدها سرت في أجسادهم قشعريرة باردة.
جالت الأم بعينيها باحثة عن طفتها في هلع..
تناديها وهي ترتجف.
فزّ الجميع من أماكنهم والرعب يفتك بهم ، وهم ينادون عليها دون تلقي أي جواب.
اندفعوا إلى حوش المنزل الأمامي الصغير وهم على تلك الحال علّهم يجدونها أو حتى يسمعون صوتها.
لكن دونما أي أثر.
فجأة خطر في بال الجميع مكان واحد.
الفناء الخلفي الذي كان إلى وقت قريب حديقة منزل جميلة ومرتعا للأطفال يلعبون فيه قبل أن يحرمهم قناص الحصار متعة اللعب فيه.
يهرع الكل في اتجاه الطريق المؤدي إلى باب الفناء الخلفي متوجسين.
ليجدوا إحدى دفتي الباب المعدني المتهالك مفتوحاً يتراقص مع الهواء.
يقترب الجمع في ترقب حذر من الباب ، وأقدامهم ترتجف من شدة التوتر ، محاولين إلقاء نظرة إلى داخل الفناء.
ومخيلاتهم تعصف بعقولهم من شدة رعب ما تفكر به ومستذكرين ما فعله القناص بجارهم.
فجأة..
تجمّد العم وأبناء أخيه في مكانهم ، وانعقدت ألسنتهم مصدومين من شدة هول المنظر أمامهم.
وانهارت الأم على الأرض باكية تصرخ من الألم والحرقة، تحتضنها زوجة العم ودموعها تسيل من القهر.
وفي الجو تتعالى أصوات هبات ريح خفيفة تتلاعب بأوراق الشجر وبقايا أكياس وأوراق تتطاير في سماء المكان ، كأنها لحن حزين في حفلة وداع أخير.
وعلى الناحية الأخرى من خط المواجهة ..
يقبع خلف منظار بندقيته المحشوة برصاص القنص.
منتظراً ضحية جديدة.
وعلى شفتيه تتراقص ابتسامة مقيتة.
وبينهم ..
على مقربة من تحبهم ..
استلقى جسد طفلة بريئة في فستان وردي تلطخ بالدم ..
يحيط بها بركة حمراء اللون تشكّلت في وسط الفناء.
وعلى الأرض – بالقرب من يدها اليُمنى بقايا كعكة عيد.
وفي الجهة الأخرى فردتي حذاء أبيض كان هدية من الجمعية الخيرية
وحتى الآن – لا يزال جديداً.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية