لحظات التعب/ بقلم:رستم عبدالله

أصلح من فراشه وسواه، ثم طرح جسده المنهك على الفراش ورد اللحاف عليه، وغطى نفسه تماماً. بدأ الكرى يداعب جفنيه، وعندما هم النوم أن يداهمه، تناهى إلى مسمعه صوت أزيز بعوض. لم يلقِ له بالاً وأستغرق في النوم.

أخذ البعوض يدور حول رأسه، وصوته يئز أزيزاً حاداً، وأخذ يقوم ببعض الحركات الجنونية كأنه يحتج على هذا النائم. لسعه في يده التي بدأت تظهر من تحت اللحاف، ولسعه في وجنته، وأخرى في رقبته. بدأ النائم يهرش موضع اللسع وهو نائم أول الأمر، وبدأ يستيقظ رويداً رويداً وصحي تماماً. عاد هرش جسده ولكن هذه المرة بعنف، ثم عاود النوم وقد غطى هذه المرة جسده تماما.

وما أن بدأ الكرى يتسلل إلى جفونه حتى بدأ أزيز البعوض يرتفع فوق رأسه. لم يعرها أي اهتمام وأسلم نفسه للنوم. ولكن أخذ الأزيز يشتد، خيل إليه أو هكذا سمع أن صوت البعوض هذه المرة يختلف وأنه تحول إلى هدير قوي. أدرك تماماً أنه أقبح صوت على وجه البسيطة، أقبح من نهيق الحمار وشحيح البغل. صوت الباعوض من جهة لم يحدد مكانها. لوح بوسادته في الهواء وأعادها إلى تحت رأسه سريعاً وشد اللحاف على جسده وغاص في فراشه.

مرت دقيقة ودقيقتان خالهما دهراً ولم يسمع صوتاً. بدأ يمن نفسه بالنوم وتسلل قلق خفي إلى نفسه راجياً ومتوسلاً للكرى المجيء، وألا يكون ما حدث قد أثر فيه. وبينما هو في حيرته، تناهى إلى مسامعه أزيز البعوض. وبحدسه الذي لا يخيب، وبأذن خبير، أيقن أن البعوض لا يروم يدور فوق رأسه تماماً، ولكن هذه المرة لم يكن بمفرده، بل جاء وقد جلب العشرات بل مئات الهمج الذين أخذوا يحومون حول رأسه وكأنهم قبائل بدائية تؤدي طقوس رقصة الموت قبل تقديم أضحية لمعبودهم الخرافي.

نفض اللحاف عن جسده بقوة وتلمس طريقه في الظلام بحثاً عن زر النور وأضاء الغرفة. ولدهشته لم ير أدنى أثر للبعوض. بحث تحت الستائر والزرابي، نفض لحافه وملابسه المعلقة على الجدران، لكن دون جدوى، وكأنه فص ملح وذاب في الماء. جلس حيراناً لحظات، استأنف عملية البحث مرة أخرى. كان مصمماً أن يحسم معركته مع البعوض (لن يمروا).

طفق يتجول بأرجاء الغرفة ويذرعها ذهاباً وإياباً، وعاود النوم ولكن الكرى كان قد فارق عينيه، وتعب من المبيت معه. واستدعى أخاه الأرق. أخذ يساوم الأرق ويتوسل إليه منتحباً أن يدعه وشأنه، وأخذ يقسم له بأغلظ الأيمان أن لديه عملاً الصباح باكراً، ولكن الأرق أبى وأصر على ملازمته.

وفي الساعة السادسة صباحاً، قبل ساعة من ميعاد عمله، رق الأرق لحاله وتركه بعد أن استدعى أخاه الكرى، وكأنهم أبطال فرق مصارعة يتبادلون دخول حلبة المصارعة، وصرعه الكرى سريعاً وراح في سبات عميق.

أيقظه أشعة الشمس اللاهبة التي تسللت من النافذة وأخذت تنشر خيوطها الذهبية في أرجاء الغرفة. انتفض مذعوراً كعصفور ينفش ريشه الذي بلله المطر، وهو يشعر بحرارتها بجسده، وفي مخيلته أنها ذلك الكابوس المزعج الذي حلم به ببعوض ضخم يطارده ويريد أن يلتهمه. رنا بنظره نحو ساعة الحائط، كانت تشير إلى الساعة الحادي عشر صباحاً. صرخ بغيض مكتوم كشخص موتور: “أنا أكره البعوض، أكرهه، أكرهه”.

(الهمج: صغار البعوض)

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!