إضاءة على رواية سام والمقبرة المهجورة للكاتبة المغربية رجاء البقالي الطاهري

بقلم الروائية عنان محروس

ارتفع صوتي مبتهجًا بتمام قراءتها بعد لأي ، وبعيدًا عن المجاملة أو المبالغة ، فمنذ فترة طويلة لم أقرأ رواية فانتازيا حقيقية كمثلها، رواية يتقاطع فيها عالمي الإنس والجان، تعويذات سحرية، ممارسة طقوس غريبة بسيريالية جمعت الواقعية والخيالية، ربمّا بطريقة غير منطقية، وهذا عين هدف السيريالية، تحدي العقل واستكشاف عالم الأحلام والأفكار المكبوتة، كائنات خارقة أسطورية، قرابين يقدمها السحرة، وغيرها ممّا نُسِجَ من خيالٍ شعبي، أو قصص قديمة تُروى، وكثيرًا منها مرتبط بالعقيدة الإسلامية والمنظور الديني الذي يستند إلى القرآن والسنة والكتب السماوية، وفي سياق ذكر بعض الآيات الكريمة
” وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدونِ”، سورة الذاريات آية ٥٦
” وخلق الجان من مارجٍ من نار”، سورة الرحمن آية ١٥
“ولايفلح الساحر حيث أتى” سورة طه آية ٦٩
صدق الله العظيم

سام وهو اسم مذكر ويعني الرفيع العالي، من يملك من صفات القوة والطموح وتقديم المساعدة وتحمل المسؤولية الكبيرة ، صاحب نبوءة التغيير.
سام والمقبرة المهجورة ، رواية حُبكت من ترابط عميق لقصص مثيرة ومتنوعة، سحرية كأنها من قصص ألف ليلة وليلة، التي روتها شهرزاد لشهريار، مابين مغامرات شيّقة وحروب طاحنة بين قبائل الجن والمردة والإنسان والسحر ومملكة الحكمة ، وكما كتبت رجاء، خبرة السنين تفوق خبرة التجارب…
مملكة الحكمة، سيف الحكمة، سوار الحكمة، والحكمة طريق معرفة الله عزّ وجل، وسمة الأنبياء الصالحين ، هي مسار اتخاذ القرارات الصائبة
أمّا عن خمر الحكمة الحلال، فياليته موجود على كوكبنا البشري ، لنبقي أنفسنا ، أنا وأنتم، تحت تأثيره في هذا الزمن الصعب…

شخصيات عديدة وقبائل وأماكن وجبال ووديان مُتخيلة اكثر
أرمال/ كاسر / سام/ نوا/ طامو/ أكوا/ أريا/ سلول/ هجار
حتى اسم عامر الإنسي ، يُعتقد أنه اسم لجنيّ ويدل على البيت المسكون بالناس والأرواح، وصيغة الجمع العمّار
أمّا أكثر شخصية أعجبت بعدها بعد جميلة وكاسر وسام ، رشيقة المُضحيّة المتعاونة في كل الرواية البالغ عدد صفحاتها تقريبا ٣٥٠ صفحة
حتى في مملكة الجان ، يُقتل صاحب الحق والحقيقة حتى لايفشي الأسرار، والمكائد لاتنتهي ويظهر الجاني بمظهر البريء، يظلم الأخوة بعضهم، يتجرع صاحب النيّة الطيبة سمّ القريب، الشك ، الزواج القسري، التحرش ، الخيانة، الطمع ، الغدر للحصول على الجاه والذهب
/كما يبدو عالم الإنس والجان ، مشاكلهم وصراعاتهم واحدة/،
وكأن زمن الحدث قبل ولادة رسول آخر الزمان ، محمد صلى الله عليه وسلم، فهناك رفّ فارغ في مكتبة مملكة الحكمة ، ينتظر شرف حمله لآخر الكتب السماوية.

صراعات لا حدّ لها بين الجن المسلم والجن الكافر ، والحرب بينهما قائمة إلى يوم يبعثون، والله يُمهل ولايهمل،
ولا أنكر وجود مراحل متداخلة في الرواية، تحايلت على الفكرة في مواضع كثيرة ، فقطعت التسلسل المنطقي، حتى أنني أحيانًا أضعت المسار السليم وتسلسل الأزمنة، قد يكون السبب أنها خُطت بقلم سحري، قلم روائية تعاهدت مع جنية خير تدعو إلى تحطيم هيكل الشر
مابين السحرة والسحر والجان والعفاريت والكائنات الأسطورية والتقاء العالمين في الرواية، انزياحات وربط بالواقع الإنسي ، ناهيك عن الاهتمام بأدق تفاصيل الشخصيات، فلم تترك أحدًا منهم تائها بين جبال الجهل، وبالمناسبة أثبتت الروائية رجاء، أن العفاريت لايعرفون كل شي ولا يستطعنه حتى
الحرب الطاحنة التي عاصرتها بكل حواسي في الرواية، مشاهد من فيلم رائع الإخراج، سخي الإنتاج، أخذني بقوة، ليشدّ انتباهي عمّا حولي، ويدخلني مجال الجذب في الأسطورة، وبين سطور التهمها بصري بشغف، ” والأساطير لاتموت “،
في الرواية توجهات محمودة للخير بالمطلق، ونصائح تصلح للجان والإنسان، منها
تحذير الكبار ، حكمة لابدّ أن ننصت لها
في التعاون قوة جبارة لا تُكسر
للظلم نهاية محتومة
سفك الدماء عار ، إن لم يكن للدفاع عن أوطاننا ومانملك
والحق هو المنتصر دائمًا مهما تبدلت الأحوال

بعض الحروف لها صوت مسموع، وأعتقد أن الروائية رجاء، كتبت سام والمقبرة المهجورة ، في كهف مُقفرٍ بعيدًا عن الإنس ، معتزلة البشر ، والعزلة الفكرية الروحية، أجدى بكثير من العزلة الجسدية ، فليس من السهل أن تتوسد بعقولنا، شخصيات خُلقت من غير طيننا البشري، ليس من السهل استراق النظر إلى عوالم غريبة، وبقع في الكون غير مسبوقة الوطىء لإتمام فكرة
ويبدو أن الكاتبة ، ليست فقط من هواة القراءة ، وإنمّا من متابعيّ أفلام الأكشن والفانتازيا، فالمد والجزر في الأحداث والشخوص، جعلت من أفكار القارىء سهامًا مسرعة تلقف بلهفة ما بينهم من تشابك الحبكة الممتعة وإن كانت معقدة بلغة سهلة وبسيطة.

راقّ لي جرأة الرومانسية بالرواية ، لكنها جرأة محمودة تخدم المشهد ، دون خدش لحياءٍ بكلمة أوتصرف ، وللعلم أنا أيضًا كأنسية، أجلس على ضفاف البحر ممتطية موجة، لأراقب قرص الشمس وهو يتدارى بعيدًا ، وفضولي ورغبتي في التعرف على أسرار العالم تجتاح كياني
في النهاية
حوّت الرواية الكثير من الخير والشجاعة والإيثار، يقابلهم الكم الأكبر من الشر والخسّة والخيانة، لكنني أنصحكم بقراءة الرواية في وضح النهار، وإن اضطرتم لتصفحها بالليل، فأبقوا الأنوار مضاءة
أما أنتِ أيتها الروائية المتفردة رجاء، فسأخاطبك بلغة الجآن
يا إنسيّة ، سأمهلكِ ٣٦٥ شمسًا ، لتتحفي مخيلتنا بإصدار مبدع جديد

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!