تبارك الياسين
يأتي كتاب «التوراة وأرض كنعان: مساهمة في قراءة التاريخ القديم» للباحث عبد الله الخطيب بوصفه واحداً من أهم الدراسات النقدية العربية التي تناولت إشكالية العلاقة بين النص التوراتي والتاريخ القديم لفلسطين. فالكتاب لا يكتفي بمراجعة السرديات الشائعة، بل يذهب إلى تفكيكها، واضعاً النص الديني في سياقه السياسي والأيديولوجي، لا بوصفه وثيقة تاريخية محايدة.
ينطلق الخطيب من تشكيك منهجي في «تاريخية» الرواية التوراتية، معتبراً أن التوراة، بصيغتها المعروفة، كُتبت أو دُوّنت في فترات متأخرة، يرجّح أنها تعود إلى العصر الفارسي، وأنها حملت أهدافاً سياسية واضحة، سعت إلى إعادة صياغة الماضي بما يخدم بناء هوية وشرعية لاحقة. ومن هذا المنطلق، يحاول المؤلف فك الارتباط القسري الذي أُقيم بين المكتشفات الأثرية في فلسطين وبين النصوص التوراتية، مؤكداً أن هذا الربط لم يكن علمياً بقدر ما كان أيديولوجياً.
يعتمد الكتاب على المقارنة الدقيقة بين نتائج علم الآثار وبين ما يرد في النص الديني، ليكشف عن فجوات كبيرة بين الرواية التوراتية والمعطيات الأركيولوجية. ففي الوقت الذي تصوّر فيه التوراة أرض كنعان وكأنها مساحة بانتظار «شعب مختار»، تُظهر الأدلة الأثرية أن هذه الأرض كانت موطناً لحضارة كنعانية متقدمة، ذات لغة وثقافة ونظم اجتماعية راسخة، وأن كثيراً من العناصر التي نُسبت لاحقاً إلى العبرانيين تعود في جذورها إلى هذا الإرث الكنعاني.
ويفرد الخطيب حيزاً مهماً لنقد سردية «الخروج» و«الفتح العسكري» لأرض كنعان كما وردت في سفر يشوع. فبحسب ما يعرضه من شواهد أثرية، لا توجد دلائل على حدوث تدمير شامل للمدن الكنعانية في الحقبة الزمنية المفترضة لهذا الفتح، بل تشير الوقائع إلى استمرارية سكانية وثقافية، ما يضع هذه الرواية موضع تساؤل جدي.
وفي ما يتعلق بأصول العبرانيين، يطرح الكتاب فرضية ترى أنهم لم يكونوا جماعة غازية جاءت من خارج فلسطين، بل كانوا في الغالب جزءاً من النسيج الاجتماعي الكنعاني نفسه. ويرجّح أنهم مجموعات من الفلاحين أو البدو، المعروفين في النصوص القديمة باسم «الخابيرو»، تمردوا على نظام المدن في مرحلة من مراحل التفكك الاجتماعي، ولجأوا إلى المناطق الجبلية، قبل أن يطوّروا لاحقاً هوية دينية وسياسية خاصة بهم. وهي أطروحة تتقاطع مع أعمال عدد من الباحثين المعاصرين الذين أعادوا النظر في تاريخ المنطقة بعيداً عن الروايات التوراتية التقليدية.
كما يوجّه الخطيب نقداً حاداً لما يُعرف بـ«الأركيولوجيا التوراتية»، تلك المدرسة التي دخلت الحفريات الأثرية وفي ذهنها النص الديني بوصفه حقيقة مسبقة، فكانت تبحث في الأرض عمّا يؤكد الرواية، لا عمّا تكشفه الأدلة. ويرى أن هذا النهج أدى إلى تشويه التاريخ وتحويل علم الآثار من أداة معرفة إلى وسيلة تبرير أيديولوجي.
ويخلص الكتاب إلى أن فلسطين القديمة كانت فضاءً لتعددية ثقافية ودينية واسعة، وأن الرواية التوراتية تمثل إعادة كتابة متأخرة للتاريخ، هدفت إلى شرعنة وجود سياسي معين. في المقابل، تؤكد الشواهد التاريخية والأثرية أن الكنعانيين يشكلون الجذر الأقدم والأكثر استمرارية في هذه الأرض. وبهذا المعنى، لا يمكن قراءة كتاب عبد الله الخطيب بوصفه بحثاً تاريخياً فحسب، بل باعتباره محاولة واعية لاستعادة التاريخ الفلسطيني من قبضة السرديات الصهيونية التي اتخذت من النص التوراتي مرجعاً لتبرير اغتصاب المكان والذاكرة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية