بقلم: إبراهيم رسول
روايةُ يمامة بغداد هي الرواية الثانية التي أصدرها الأديب العراقي شلال عنوز, بعد روايته الأولى ( وكر السلمان), ثَمَّةَ ثيمة تشترك بهما الروايتين, وهي ثيمة الجريمة, ففي الرواية الأولى كانت الجريمة هي الثيمة المركزية ومسرحها هو مكان نقرة السلمان, الذي وضع مفردة الوكر لدلالة سيميائية تتعلق بطريقة الجريمة التي نُفِذّت هناك, وفي هذه الرواية, تجلّت الجريمة بصورة مضمرة, فهي جاءت كثيمة مخفية لكنها مركزية, والثيمة المركزية أو الشخصية المركزية , تعرف بمركزيتها من حيث أهميتها, إذ لوْ تخلخل المركزية لاحترقت الرواية, وهنا تعتبر هذه ميزة تُضاف إلى مهارة السرد عند الكاتب, فأنت إنْ أسقطت شخصية حنان, أو ثائر, أو سامر, لاختل التوازن في الرواية وربما احترقت, وحين تحذف الجريمة الفردية التي حصلت, لتغيرت أحداث الرواية كلّها, فهذه المركزية هي سمة الرواية التي نقرأها.
يُقدمُ الروائي شلال عنوز في هذه الرواية المرأة على أعلى قيمة من قيم الإنسانية, ففي روايته الأولى أعطها النقاء والإيثار, وفي هذه الرواية أعطاها الوفاء والإدانة, إذ جعل المرأة تُدين الحرب والجريمة, وفي الوقت ذاته, تُقدمُ صورةً عيمة من صور الوفاء الإنساني الذي قدّمته المرأة العراقيّة على وجه التحديد.
ثيمة الوفاء, تجلت في وفاء الزوجة لزوجها, وفي التبني الإنساني الذي قامت به, حتَّى أوصلت الطفل الذي أخذته من مرآب السيارات ليكون طبيبًا, هذه المرأة الأصيلة, تجلّت عظمتها في طبيعة نفسها منذ أيام الجامعة حين كانت تعيش قصة حبٍّ عذريٍ بريءٍ, هذا الحبُّ الذي تحوّل إلى رباطٍ مقدسٍ, كان يتنازع حبّها شخصان, ثائر وسامر, كانت تحبّ ثائر, وعاشت معه قصة حبّها التي تسمى حبّ العمر, والشريك المناسب للقلب والروح, ولكنّ نار الغيرة التهمت شخصية سامر, والغيرة سببُ الجريمة النكراء التي حصلت, الطريقة الرائعة التي سردَ لنا من خلالها الكاتب الجريمة, تُشيرُ إلى قُدرتهِ في صناعةِ الحكاية وسردها بالطريقة التي لا تفقد الإثارة والتشويق, لأنَّ أهم ما ينبغي في الحكي, أنْ يحافظَ على ميزة التشويق لأنَّ المتلقي سيملّ وينفر من القراءة أو السماع, فينبغي أنْ تكون هنالك عوامل تجعله على تواصل إيجابيّ مع النصّ, وهذا ما حصل في طريقة سرد الرواية, فهذه الرواية, قام البناء الفني فيها على تقنية السرد الدائري, الذي يكون أشبّه بالحلقة التي لها نهاية وبداية لتنغلق, وأجدُ أنَّها تقنية صعبة, لأنَّك حتَّى تُحافظ على مسار الحلقة ينبغي إلَّا تخرج عن مسار السلسلة الذي يؤدي إلى الربط مع الحلقة الأخيرة تنغلق بالنهاية وتكتمل الصورة, وهذا ما كان في رواية يمامة بغداد, إذ بدأها في المقبرة وانتهت في المقبرة, بدأت في النتيجة وانتهت في السبب الذي قاد إلى النتيجة, وهنا تقنية بديعة, لأنَّ المقبرة هي المكان الذي بدأ منه مسرح الأحداث, وأخذ بعدها عبر تقنية الاسترجاع يمارسُ السرد, هذا كسرٌ لنمطية البناء الذي نقرأهُ في الروايات, فالمغايرةُ والتجديد يجعل من الأعمالِ مشوّقة ونقبل عليها ونحن نطمح بأنْ نقيمَ علاقة إيجابيّة معها, هذا يعودُ إلى الإبداع والصنعة, فالإبداعُ لا يكتفي من دون صنعة ترسمه بالطريقة الأجمل, الإبداعُ جوهرٌ والصنعة شكلٌ, أو الإبداع طبقٌ والصنعة الإناء الذي يُقدمُ به الطبق, فكلاهما ضروريان لتكتمل جمالية الصورة التي يخرج بها العمل الأدبي كاملًا.
السردُ الدائريُ, بدأ من رجوعِ حنان المرأة العراقية الوفيّة, وهي تزورُ قبر زوجها في مقبرة وادي السلام في مدينة النجف العراقية, وحينَ قفلت راجعة إلى بغداد, ( تعلق بجلبابها المثقل بالسواد طفل تجاوز الثانية من عمره..الرواية: 12), أخذت هذا الطفل معها إلى بيتها في بغداد, وبدأت الحكاية, الرواية ترمزُ وتشيرُ إلى تاريخ أحداثها عبر استداعها للحرب التي حصلت والدمار الكبير الذي أصاب الشعب العراقي في فترة 1990 وما بعدها, لتكون الأحداث تتراوح بين هذا التاريخ, وتحكي الرواية عن ثيمة الحرب التي دمرّت الإنسان وجعلته آلة لاستمرارها وديمومتها, ولكن ثيمة الرواية الأبرز, هي الوفاءُ والإدانة عند المرأة العراقيّة, وهي صورةٌ عظيمة من صور الإنسانيّة المثاليّة, التي أبدع في إبرازها وتقديمها بهذه الرواية, فهذه المرأة ( حنان) هي زوجة وفيّة, وامرأة نقيّة, أدانت الحرب وبشاعتها ونتائجها الكارثية على الإنسان والأرض, هي مدمرةٌ مضرة لكل شيء, والروائي وظف الإدانة على لسانها وسلوكها, مما جعل الشخصية الرئيسة, تتفاعل مع الأحداث بوصفها فاقدة لحبيبها وزوجها, مما أعطى قيمة روحيّة للفقد الإنسانيّ المؤلم.
هذه المرأة التي قدمها لنا الروائي, هي صورة المرأة المثالية, التي تؤثر الآخرين على نفسها, فأنت تقرأ حينما جاءَ أحمد سلمان ليعترف لزوجته فوزية بزواجه الثاني من وداد, وحين قبلت بعد أربع أسابيع من الزعلِ, وجعلت من العلاقة تستمر بالصورة المثالية, وكأنَّها قبلت عن قناعة تامة, بأنَّ ما فعله زوجها, يصبُ في صالح العائلة كلها, فهي لا تستطيع أنْ تَنجب الأطفال وهو يحبّها, ولا يريد فقدانها, وفي الوقت ذاته, يريد الذرية مما اضطرّه للزواج من وداد, فهنا صورة إيجابيّة لهذه المرأة التي تحلّت بالعقلانية والحبّ وقبلت التعدد, فالكاتب لمْ يغفل الجانب النسوي فيها, فهي انصدمت وغضبت لأربعة أسابيع لكنها رضخت في النهاية, هذه الصورة التي تشتغل عليها الرواية, وهي المرأة أو الصفات الإنسانية المثالية في المرأة التي أدانت الحرب ووفت لزوجها المقتول ظلمًا وجريمةً.
ثمّة ثيمة أخرى, تجلّت بعناية فائقة في عين الروائي ومخيلته, وهي ثيمة الجريمة, التي تقوم على أساس مرضٍ نفسيٍ يستفحلُ فيؤدي إلى الفعل المشين, حين يقوم سامر الذي كان يحبّ حنان بقتل زوجها في ظروفٍ غامضةٍ إلَّا أنّ الكاتب فصّلها وبيّن دوافعها في صفحة( 174), مما أسبغ على الجريمة طابع التحقيق القضائيّ, الذي كشفَ خيوط الجريمة تباعًا, وهذا التسلسل كأنما جاءَ على لسان محققٍ قضائيٍ, هو صورة مقنعة في الحكي, لأنَّ الجريمة بقيت مستترة ومضمرة حتَّى بدأت تنحل خيطها خيطًا بعدَ آخر, وعندها قدم لنا الروائي, ردة فعل المرأة حين عرفت أنَّ قاتلَ زوجها الأوّل هو زوجها الثاني, وأنَّ سبب القتل, كان بسبب الغيرة التي تحوّلت إلى مرضٍ كانت نتيجته قتل إنسان بريء.
بغضِ النظر عن الدافع الذي جعل من الروائي يضمن روايته هذه الجريمة, إلَّا أننا نجده قد أعطى للرواية شكلها النهائي, لأنَّ الرواية ستبقى ناقصة وبحاجة إلى ما يمنحها شكلها الكامل, وهنا الوظيفة السردية قد تحققت بفعل البناء المتقن لحكاية الجريمة, فهي تحيلنا إلى تاريخ قديم, وإلى مبررٍ قد يكون مقنعًا, لأنَّ الغيرة حين تستفحل تتحوّل إلى عداءٍ مزمنٍ, فالتقنياتُ الأسلوبيةُ كانت منسجمة مع القالب الروائي الذي صيغت به الرواية, وهنا يقفُ النقد الأدبي, ليتجاوز النقد التقني إلى رؤى المبدع في الرواية, فنجدُ أنَّ همّهُ هو تقديم هذه الصورة الرائعة عن المرأة العراقيّة في ظرفٍ وتاريخ معلومين, يؤرخهما في فترة التسعينات من القرن الماضي.
المرأةُ التي وقعت بين نارين, نارُ الفقد العظيم, حين فقدت حبيبها زوجها الأوّل في ظروفٍ غامضة كانت تظنّها جريمة الحرب, لتكتشف لاحقًا أنَّها جريمةٌ فرديةٌ قامَ بها زوجها الثاني! هنا تُرجّحُ المرأة كفّة الوفاء العظيم, وتتحولُ إلى كائنٍ يريد القصاص وبشدّة من الجاني, وهنا نحنُ نقرأُ قصّة من القصص العراقية المليئة بالشجنِ والغرائبيّة. بدأت الرواية بالمقبرة وانتهت بها, بدأت بزيارة حنان لزوجها وانتهت بموت حنان, هذا السرد الدائري كان رائعًا من حيثُ أنَّ بدأ السلسلة وانتهى إليها بالكمال والتمام, فانتهت الرواية بالصورة التي ينبغي أنْ تقفل بها, هذه القفلة النهائية هي الأقرب إلى منطق التقنيات البنائية, لأنَّ السرد الدائري يرسم لك الطريق , إذ يضع نقطة البداية ويجبرك على العودة إلى النقطة الأولى, وهذا ما حصل في الرواية, فالمكانُ واحدٌ وهو بؤرةُ الأحداث.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية
