جدلية الثابت والمتغيّر بين العصبية والرسالة في ضوء منهج الفَكْمَزَة (الفكّ والتمييز)

 

بقلم: حميد بركي

مقطع من موسوعة ” الشعر فلسفة العرب “

….
الشعر بوصفه سجلّ الوعي العربي:
لم يكن الشعر في المجتمع العربي القديم ترفًا فنيًا، ولا نشاطًا هامشيًا في الحياة العامة، وإنه في نظري كان فلسفة حاصة بالإنسان العربي قبل أن يكون ديوان العرب ولسانهم الناطق ومرآة وجدانهم الجمعي. ففيه تحفظ الأنساب، وتخلّد البطولات، وتُشهر الحروب، وتُعقد المصالحات، ومن هنا فإن أي تحوّل عميق في بنية المجتمع العربي لا بد أن ينعكس مباشرة في بنية الشعر ووظيفته.
ويُعدّ عهد الرسول ﷺ منعطفًا تاريخيًا حاسمًا، إذ أحدث انقلابًا في الرؤية إلى الإنسان والعالم، الأمر الذي انعكس بدوره على مفهوم الوطن والانتماء، ومن ثمّ على طبيعة القول الشعري ذاته.

أولًا: الشعر قبل الإسلام ضمن الوطن بوصفه قبيلة:
قبل البعثة، كان مفهوم الوطن مرتبطًا بالقبيلة، والقبيلة كانت تمثّل الإطار الأعلى للانتماء. فالوطن هو ديارها، ومراعيها، ومضارب خيامها. والانتماء إليها انتماءٌ وجوديّ لا يُناقش. ولذلك نجد في الشعر قبلُ:
البكاء على الأطلال بوصفه حنينًا إلى موطنٍ مفقود.
الفخر بالقبيلة وذكر أمجادها.
الهجاء دفاعًا عن الشرف.
تغذية روح العصبية والثأر.
كان الشاعر في هذا السياق لسان قومه، يحميهم بالكلمة كما يحميهم المحارب بالسيف. ومن أمثلة ذلك شعراء كبار مثل زهير بن أبي سلمى وعنترة بن شداد وامرئ القيس، الذين عبّروا عن قيم الفروسية والشجاعة والكرم، وهي قيم مرتبطة بالانتماء القبلي.
فالوطن هنا جغرافيا محدودة، وهوية مغلقة، ونظام قيمي يقوم على العصبية.

ثانيًا: البعثة النبوية وتحطيم البنية القبلية
عندما جاء الإسلام، لم يلغِ القبيلة بوصفها كيانًا اجتماعيًا، لكنه أعاد ترتيب سلم القيم. فلم يعد التفاضل بالدم والنسب، وإنما بالتقوى والعمل. وأصبح الانتماء الأعلى هو الانتماء إلى العقيدة، لا إلى العشيرة.
وهنا حدث التحوّل الجذري في مفهوم الوط، إذ تجاوز الوطن حدودًا قبلية، إلى أن أصبح رابطة إيمانية جامعة، وتحول من مجال جغرافي ضيق إلى أفق إنساني أوسع، وهو تحول أحدث اهتزازًا عميقًا في بنية الوعي العربي، وبالتالي في بنية الشعر.

ثالثًا: موقف الإسلام من الشعر تقويم لا إلغاء
لم يكن موقف الإسلام من الشعر موقف رفض مطلق، بالعكس كان موقف تقويم وتوجيه، فالقرآن الكريم أشار إلى الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، لكنه استثنى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وهذا الاستثناء يفتح المجال لفهمٍ دقيق: إذ إن المشكلة ليست في الشعر ذاته، كما نجد في النص توجيهه القيمي.
وهنا بدأ الشعر يدخل مرحلة جديدة: مرحلة المسؤولية الأخلاقية.

رابعًا: شعراء الرسول ﷺ وتحول الوظيفة الشعرية
برز في هذه المرحلة عدد من الشعراء الذين جسّدوا التحوّل القيمي الجديد، وأهمهم:
1 – حسّان بن ثابت
يُعدّ حسّان بن ثابت أبرز شعراء الإسلام في عهد النبي ﷺ. كان شعره سلاحًا معنويًا في مواجهة هجاء قريش. وقد أذن له النبي ﷺ بالردّ على خصوم الدعوة، مما يؤكد أن الشعر أصبح أداة دفاع عن القيم الجديدة.
تحوّل شعره من فخر قبلي إلى دفاع عن الرسالة، ومن تمجيد الذات إلى نصرة العقيدة.

2 – عبد الله بن رواحة
جسّد شعره روح التضحية والجهاد، وكانت قصائده تعبّر عن التزام صادق بالقيم الإسلامية. لم يعد الشعر عنده مجالًا للمباهاة، فقد أصبح امتدادًا للفعل الإيماني.

3- كعب بن مالك
مثّل نموذج الشاعر المسؤول الذي يربط بين الكلمة والموقف، بين القول والسلوك، وهو ما يعكس الوعي الجديد بوظيفة الأدب.

4 – كعب بن زهير – نموذج التحوّل الرمزي
تمثّل قصيدته “بانت سعاد” لحظة انتقال لافتة؛ فقد كان في صفّ المعارضين، ثم جاء معتذرًا مادحًا. وهو إعلان انتقال من منظومة قيم إلى أخرى. إنها تجسيد شعري لتحوّل الوعي.

5 – أثر القرآن في الذائقة الشعرية:
لا يمكن فهم التحول الشعري في عهد الرسول ﷺ دون الوقوف عند الأثر العميق للقرآن الكريم.
جاء القرآن بلغة يعرفها العرب، لكنه تجاوز أنماطهم التعبيرية. لم يكن شعرًا، ولم يكن نثرًا مألوفًا، إنه نسق بيانيّ فريد هذا النسق:
أعاد تعريف البلاغة.
وسّع أفق الدلالة.
أضفى على الكلمة بُعدًا أخلاقيًا وروحيًا.
أمام هذا الإشراق البياني، لم يعد الشعر قادرًا على البقاء في حدوده القديمة. لقد ارتفعت معايير الجمال، وأصبح اللفظ مسؤولًا عن معنى يتجاوز ذاته.

6 – الثابت والمتغيّر في التجربة الشعرية:
على الرغم من هذا التحول العميق، لم تتغيّر البنية العروضية للشعر العربي في تلك المرحلة. بقي الوزن والقافية، وبقيت الأطر الشكلية التقليدية.
وهنا تتجلّى الجدلية:
الثابت:
اللغة العربية.
الأوزان الشعرية.
البنية الفنية العامة للقصيدة.
المتغيّر:
مفهوم الوطن والانتماء.
وظيفة الشاعر.
المنظومة القيمية التي يستند إليها الشعر.
فالتغيير لم يكن في الشكل بقدر ما كان في الرؤية.

7 – من العصبية إلى الإنسانية:
لقد نقل الإسلام الشعر من فضاء العصبية إلى فضاء الإنسانية. فلم يعد الانتصار للقبيلة غاية عليا، إنه أصبح الانتصار للحق والعدل. وهنا تحوّل الوطن من أرضٍ تُدافع عنها لأنها أرض الآباء، إلى رسالة تُدافع عنها لأنها حقّ، وهو تحوّل يعكس انتقال العرب من وعيٍ جزئي إلى وعيٍ كلي، ومن هوية مغلقة إلى هوية مفتوحة، وهنا الشعر يمكن القول انه شريك التحوّل التاريخي، حيث عهد الرسول ﷺ يمثل لحظة إعادة تشكيل شاملة للوعي العربي. وقد كان جزءًا من هذه العملية؛ إذ أُعيد توجيهه ليصبح حاملًا لقيم جديدة ، وهكذا يتجلّى مبدأ الثابت والمتغيّر بوضوح – الثابت – الأداة اللغوية والتراث الفني
المتغيّر: الرؤية، والغاية، ومفهوم الوطن.
ومن هنا يمكن القول إن الشعر في عهد الرسول ﷺ مع الحفاظ على هويته، اكتسب أفقًا أوسع، وانتقل من خدمة القبيلة إلى خدمة الرسالة، ومن تمجيد الأرض إلى تمجيد المعنى.
فكان ذلك التحوّل شاهدًا على أن الكلمة، حين تتصل بالعقيدة والوعي، تصبح قوة تاريخية قادرة على إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع، حيث نجد بعض ما اضافه العصر النبوي من حداثة بيانية نذكر بعضها مثل
الحرف والتعرية – الردف الصوري – والسكر – السرد البنوي وبنيوية السرد:
الحروف بين التعرية والتحليل الصوتي:
الحرف وحدة صوتية تحمل طاقة كامنة تؤثر في الإيقاع والدلالة. فالكلمة بناء ظاهر، أما الحروف فهي مادته الأولى. ومن هنا تنشأ فكرة التعرية، أي تجريد الكلمة من صورتها الكاملة وإرجاعها إلى أصلها الحرفي، ثم قراءة هذه الحروف قراءة صوتية تكشف خصائصها وأثرها.
عند تعرية كلمة مثل “دخل” تصبح من حيث البناء الصرفي “فعل”، غير أن التحليل الصوتي يتجاوز البنية النحوية إلى دراسة طبيعة الأصوات نفسها، من حيث شدتها وهمسها وجهرها ورخاوتها واستعلائها. في هذا المستوى لا تُقرأ الكلمة باعتبار معناها المباشر، وإنما باعتبارها تآلفًا صوتيًا، وكل صوت فيها يشارك في تشكيل أثرها الكلي.
التعرية إجراء يقوم على فصل الكلمة عن زخرفها الظاهري، ثم النظر في حروفها من حيث مخارجها وصفاتها. فالحرف صوت قبل أن يكون رسمًا، وهو حركة هوائية تتحول إلى طاقة سمعية ثم إلى أثر نفسي. ومن خلال هذا التحليل يمكن إدراك العلاقة بين البناء الصوتي والإيحاء الدلالي.
من أهم التقسيمات الصوتية تقسيم الحروف إلى همس وجهر. الهمس في اللغة هو الخفاء أو الصوت الخفي، واصطلاحًا هو جريان النفس عند النطق بالحرف لضعف الاعتماد عليه في المخرج. وحروف الهمس هي: ت، ث، ح، خ، س، ش، ص، ف، ك، هـ، وقد جُمعت في العبارة المشهورة “فحثّه شخص سكت”. تمتاز هذه الحروف بجريان الهواء معها، ويمكن اختبار نطقها بقرب لهب شمعة، فإن تحرك اللهب دلّ ذلك على جريان النفس. يغلب على هذه الحروف طابع الخفوت واللين النسبي، وإذا اجتمعت في كلمة أو سياق شعري تولّد إحساس بالهدوء أو الهمود أو الانسياب.
أما حروف الجهر فهي بقية الحروف التي ينحبس معها النفس نسبيًا ويقوى الاعتماد على المخرج عند النطق بها. تمتاز بنبرة أوضح وحضور سمعي أقوى، وغلبتها في كلمة ما تمنحها صلابة وثقلًا وإيقاعًا أشد وضوحًا.
ومن جهة أخرى تُقسم الحروف إلى شديدة ورخوة ومتوسطة. الحروف الشديدة ينحبس معها الصوت انحباسًا تامًا ثم ينطلق، مما يعطيها طابعًا حادًا أو قاطعًا. الحروف الرخوة يجري معها الصوت جريانًا مستمرًا، فينشأ عنها امتداد صوتي وانسياب موسيقي. أما الحروف المتوسطة فتقع بين هذين الطرفين، فتحقق نوعًا من التوازن بين الانحباس والانسياب.
ويظهر تقسيم آخر يتمثل في الاستعلاء والاستفال. حروف الاستعلاء يرتفع فيها أقصى اللسان نحو الحنك الأعلى، فينشأ عنها تفخيم وامتلاء صوتي. أما حروف الاستفال فهي التي لا يرتفع فيها اللسان ذلك الارتفاع، فتكون أخف وقعًا في السمع وأقل امتلاء.
عند العودة إلى الكلمة بعد تعريتها يمكن استقراء أثرها من خلال عدد الحروف المهموسة والجهرية فيها، ومن خلال نسبة الشدة إلى الرخاوة، ومن خلال طبيعة مخارجها. فالكلمة التي تكثر فيها الأصوات المفخمة تختلف في أثرها عن كلمة يغلب عليها الهمس والرخاوة. هذا الاختلاف لا يعود إلى المعنى المعجمي وحده، وإنما إلى البنية الصوتية التي تشكّل نبرتها الخاصة.
الحرف في هذا التصور هو بداية المعنى، إذ يتحول إلى إحساس، ويتحول الإحساس إلى دلالة. فالهمس يوحي بالخفاء، والجهر يوحي بالظهور، والشدة توحي بالحسم، والرخاوة توحي بالامتداد. وعندما تتآلف هذه الصفات في كلمة أو نص، تتشكل نغمة كلية تُسهم في توجيه الفهم والشعور.
تحليل أنواع الحروف يكشف أن اللغة نظام صوتي دقيق، وأن المعنى لا ينفصل عن بنيته الصوتية. ومن خلال التعرية يمكن العودة إلى الجذر الصوتي للكلمة، ثم قراءة حروفها قراءة واعية تكشف طاقتها الإيحائية، فيصبح الصوت مفتاحًا لفهم أعمق للنص، وتتحول القراءة إلى استكشاف طبقات خفية تتولد من طبيعة الحروف نفسها.

الردف الصوري:
يظهر الردف الصوري في السياق القرآني بوصفه تقنية بيانية تقوم على تعاقب الصور والمشاهد في نسق متتابع يخدم محورًا دلاليًّا واحدًا، بحيث تأتي كل صورة لاحقة مكمِّلة لما قبلها، مؤكِّدة له، أو ناقلة له من مستوى إلى مستوى أعمق. والردف في أصله اللغوي يدل على التتابع والتوالي، أما حين يوصف بأنه صوري فإن المقصود به تتابع المشاهد التصويرية التي تُجسِّد المعنى الواحد في لقطات متعددة، تتكامل في الدلالة وتتنوع في العرض.
ومن أوضح أمثلة ذلك ما جاء في القرآن الكريم في سياق متصل من سورة البقرة، حيث تتتابع ثلاث صور كبرى تدور كلها حول محور واحد هو بيان قدرة الله على الإحياء والإماتة، وإثبات سلطان القدرة الإلهية في الكون.
تبدأ الصورة الأولى بقوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ…﴾ إلى قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
في هذه الصورة مشهد حِجاجيّ عقلي بين نبيٍّ وملكٍ متجبر. يطرح إبراهيم عليه السلام قضية الإحياء والإماتة بوصفها دليل الربوبية، فيحاول الخصم تحريف المفهوم بادعاء القدرة على القتل والعفو. فينتقل إبراهيم إلى حجة كونية قاطعة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾. هنا تتجلى الصورة في بعدها الكوني؛ فالمشهد ينتقل من جدل لفظي إلى نظام شمسي لا سلطان للبشر عليه، فينتهي الأمر بالبهتان. هذه صورة تعتمد على إفحام العقل وإسقاط دعوى البشر أمام انتظام الكون.
ثم تأتي الصورة الثانية مباشرة:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا…﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
هنا ينتقل السياق من مشهد الحِجاج الخارجي إلى تجربة وجودية حسية. لم يعد الأمر جدلًا مع منكر متعنت، وإنما تساؤل إنساني أمام مشهد الخراب: كيف تعود الحياة بعد الفناء؟ فيأتي الجواب لا بالكلام، بل بالفعل الإلهي المباشر: إماتة مائة عام ثم بعث، وحفظ للطعام، وإعادة تركيب العظام وكسوتها لحمًا. إنها صورة مركبة تجمع بين الزمن الطويل والآية الحسية الماثلة أمام العين. فإذا كانت الصورة الأولى أثبتت العجز البشري أمام حركة الشمس، فإن الثانية تُري العين البشرية دورة الموت والحياة في تجربة شخصية حية.
ثم يُردف السياق بصورة ثالثة:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى…﴾ إلى قوله: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
هنا يرتقي الردف الصوري إلى مستوى آخر؛ فالسؤال لم يعد سؤال شك، وإنما طلب طمأنينة قلب. والتجربة لا تتعلق بقرية خربة، بل بطيور تُقطَّع أجزاؤها وتوزع على الجبال، ثم تعود سعيًا بدعوة واحدة. المشهد هنا أكثر تركيبًا، وأشد تأثيرًا في الحس، لأنه يجمع بين التقطيع والتفريق ثم الجمع والتركيب والحركة. إننا أمام عرض عملي متكامل لآلية الإحياء بعد التفكك.
بهذا التتابع تتكون ثلاث لوحات متعاقبة:
لوحة جدلية عقلية تُفحم المنكر
ولوحة حسية زمنية تُري الإحياء بعد طول موت
ولوحة تجريبية مباشرة تمنح القلب طمأنينة المشاهدة
هنا تتجلى قيمة الردف الصوري؛ فالمعنى الواحد – وهو قدرة الله على الإحياء – لم يُذكر تقريرًا مجردًا، وإنما بُني عبر مشاهد متتابعة، كل واحدة منها تؤكد الأخرى وتزيدها وضوحًا وعمقًا. فالحجاج يؤسس البرهان، والتجربة الواقعية تثبته، والمشاهدة المباشرة تطمئن إليه النفس. إن الصورة الثانية لا تكرر الأولى، وهي تنقل المعنى من مستوى الجدل إلى مستوى المعاينة، والصورة الثالثة لا تعيد الثانية، بل تنقل المعنى إلى مرتبة الطمأنينة القلبية.
كما أن ترتيب هذه الصور ليس عشوائيًّا؛ فقد بدأ السياق بذكر التحدي الكوني المرتبط بالشمس، وهو أعظم مظاهر النظام، ثم انتقل إلى إحياء إنسان بعد قرن، ثم إلى إحياء أجزاء متفرقة من طير، وكأن المعنى يقترب تدريجيًّا من الحس ويزداد خصوصية من نظام كوني شامل، إلى جسد إنسان، إلى أجزاء متفرقة تُعاد أمام العين. وهذا التدرج يمنح المعنى قوة تصاعدية متنامية.
إن الردف الصوري في هذا السياق يؤدي وظيفة تثبيت العقيدة في الوجدان عبر تنويع طرق العرض. فبدل أن يقال: إن الله قادر على إحياء الموتى، يُعرض ذلك في مشاهد متعددة الأبعاد: عقلية، حسية، وجدانية، وكل صورة تفتح أفقًا جديدًا للتأمل، حتى تتراكم الدلالة وتتجذر في النفس.
وهكذا يتبين أن الردف الصوري ليس مجرد تتابع قصصي، وإنما هو بناء محكم تتآزر فيه الصور لإحاطة المعنى من جوانبه المختلفة. إنه أسلوب يُحكِم ترسيخ الفكرة عبر تنويع زوايا النظر إليها، فيتحول المعنى من قضية ذهنية إلى تجربة مشاهدة، ومن تقرير إيماني إلى يقين مطمئن. وفي هذا تتجلى روعة النسق القرآني، حيث تتساند الصور وتتلاحق في نظام يخدم محورًا عقديًّا واحدًا هو بيان القدرة الإلهية المطلقة.

السكر:
يُقصد بالسَّكْر – بتسكين الكاف – إحكام بناء النص بإغلاقه على ما افتُتح به، أو ربط خاتمته بأوّله ربطًا يُشعر بالاكتمال والانسجام، حتى يبدو الكلام كالدائرة التي يعود آخرها إلى بدايتها، فهو لون من ألوان السبك البياني، تتحقق به وحدة النص، ويتأكد به المعنى، ويترسّخ المقصد في ذهن المتلقي، والسَّكْر بهذا الاعتبار ليس مجرد تكرار، إنما هو إحكام ختامٍ يتصل بالابتداء اتصالًا دلاليًّا أو لفظيًّا، فينشأ من ذلك تناسق خاص يبعث على الإحساس بالكمال، ويمكن النظر إليه من جهتين: جهة الصياغة، وجهة المعنى. فإذا كان الارتباط بين أول الكلام وآخره ارتباطًا في العبارة نفسها أو في اللفظ عينه، أمكن تسميته سكرًا لفظيًّا من حيث الصورة التعبيرية، وإذا كان الارتباط قائمًا على تقارب المعنى أو تماثله دون اتحاد العبارة، كان سكرًا معنويًّا من حيث الدلالة والمضمون.
أما السَّكْر اللفظي فيظهر حين يبدأ النص بكلمة أو تركيب ثم يختم بما يعيد اللفظة نفسها أو يقابلها مقابلة مباشرة، فيتحقق نوع من الإحاطة اللفظية التي تُشعر بأن المعنى قد استُوفي من طرفيه. ومن أظهر الأمثلة على ذلك ما جاء في القرآن الكريم في سورة الإخلاص:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
فالسورة افتُتحت بكلمة «أحد» وخُتمت بالكلمة نفسها، غير أن الأولى إثبات للأحدية في ذاتها، والثانية نفيٌ للمماثل في الأحدية، فكان البدء تقريرًا، وكان الختام تأكيدًا وتنزيهًا، فكأن البناء أُحكم من طرفيه بكلمة جامعة تختصر المقصد كله، وهذا الضرب من الإحكام يمنح النص قوة إيقاعية ومعنوية، ويجعل المعنى محاطًا بسياج من التوكيد.
غير أن التعبير عن ذلك في كلام الله ينبغي أن يكون بعبارات تليق بجلال النص، إذ إن القرآن ليس «لفظًا» بالمعنى الاصطلاحي الذي يُستعمل في كلام البشر، وإنما هو كلام الله المنزل، الكامل في نظمه ومعناه، ومن ثم فإن المقصود بالسكر اللفظي هنا وصف الظاهرة البيانية من جهة الصورة التعبيرية، لا تنزيل الكلام الإلهي منزلة الكلام البشري، فالحديث عن خاصية بنائية تظهر في النص، لا عن مجرد ألفاظ منفصلة.
أما السَّكْر المعنوي فيتحقق حين يبدأ النص بمعنى ويختم بمعنى يوازيه أو يعود إليه، دون أن تتكرر العبارة نفسها، فقد يفتتح الكلام بفعل يدل على الدخول، ويختم بفعل آخر يدل على المعنى ذاته، فيكون المعنى قد أُغلق على نفسه وإن اختلفت الألفاظ. ومثال ذلك أن يقال: دخل فلان المكان ثم خرج كما ولج، فالفعل «ولج» يحمل معنى الدخول، فكان الختام عودة معنوية إلى الابتداء، هنا يتحقق الإحكام من جهة الدلالة، إذ إن الخاتمة تعيد القارئ إلى نقطة البدء في المعنى.
والسكر المعنوي أثر في كثير من المواضع؛ لأنه يقتضي وعيًا بالعلاقات الدلالية بين الكلمات، وبالحقول المعنوية التي تنتظمها. فقد يبدأ النص بفكرة كلية، ثم تتفرع عنها تفصيلات، ثم يعود في الختام إلى الفكرة الأولى بصيغة جامعة، فيشعر المتلقي بأن البناء قد اكتمل وأن الدائرة قد أُغلقت. وهذا اللون من الإحكام يشيع في النصوص البليغة، لأنه يحقق وحدة الموضوع ويمنع التشتت.
وإذا تأملنا البنية القرآنية وجدنا أن هذا الإحكام، بنوعيه، يتجلى في مواضع كثيرة، حيث تتساند البداية والنهاية في ترسيخ المقصد. فقد يبدأ السياق بذكر صفة من صفات الله، ويختم بما يدل عليها أو يؤكدها، أو يفتتح بذكر قضية عقدية ويختم ببيان نتيجتها، وهو بناء دائري تتقابل فيه الأطراف، فيغدو النص وحدة متماسكة لا انفصام فيها.
إن السَّكْر بتسكين الكاف هو إغلاق النص على بدايته إغلاقًا محكمًا، قد يكون باتحاد العبارة في أوله وآخره، وقد يكون بتماثل المعنى بين الطرفين. وهو تقنية بيانية تُظهر تمام البناء وجمال النسق، وتدل على أن الكلام قد نُظم على قصد وإحكام، بحيث لا يُترك أوله بلا صدى في آخره، ولا آخره منقطعًا عن مبتدئه، فيتعانق الطرفان في صورة من صور الكمال البياني

السرد البنيوي وبنيوية السرد:
جدلية الشكل والمضمون :
تُعدّ العلاقة بين الشكل والمضمون من الإشكاليات المركزية في الدراسات الأدبية، وقد أدت تعدد المقاربات إلى اضطراب منهجي في آليات القراءة، بسبب عدم تحديد جهة الأصل وجهة التبعية بين العنصرين قبل الشروع في التحليل، ينطلق هذا البحث من منهج نقدي مبتكر هو منهج الفَكْمَزَة (الفكّ والتمييز)، وهو إطار نظري وإجرائي أسسناه بعد أن لاحظنا عدم آليات الاستنباط الفكر لدى النصوص، ويقوم على مبدأين متكاملين
الفكّ: عزل الشكل عن المضمون عزلًا إجرائيًا.
التمييز: تحديد الأصل والتابع في العلاقة بينهما.
ويرى هذا المنهج أن أي قراءة نقدية لا تستقيم ما لم يُحسم أولًا سؤال التأسيس، هل بُني النص على المضمون ليكون الشكل تابعًا له؟ أم بُني الشكل ليكون المضمون تابعًا له؟
إشكالية البحث:
كيف يؤسس منهج الفكمزة قراءة منضبطة تحدد جهة الأصل في النص الأدبي؟ وهل يمكن من خلاله إعادة تصنيف البنية النصية وفق معيار البناء التام والبناء غير التام؟
فرضيات البحث:
تحديد الأصل والتابع شرط سابق لأي استقراء نقدي.
النصوص تنقسم إلى نمطين من حيث جهة التأسيس،
نص يقوم على أولوية المضمون – نص يقوم على أولوية الشكل – جودة النص تقاس بمدى تحقق التكامل البنائي بين الشكل والمضمون :
أولًا – الأساس النظري لمنهج الفكمزة:
1 – مفهوم الفكّ :
الفكّ إجراء تحليلي يُفصل فيه بين الشكل والمضمون فصلًا منهجيًا مؤقتًا بقصد الدراسة، ويتم ذلك عبر
تحليل المضمون بوصفه رؤية فكرية أو شعورية أو رمزية
تحليل الشكل بوصفه نظامًا لغويًا وإيقاعيًا وبلاغيًا، وهو وسيلة علمية لضبط العلاقة بينهما
2 – مفهوم التمييز:
التمييز هو المرحلة الحاسمة في المنهج، ويقصد به تحديد جهة التأسيس، إذا كان الشكل يخدم فكرة سابقة عليه، فالأصل هو المضمون، إذا كان المعنى يتولد من العلاقات الشكلية ذاتها، فالأصل هو الشكل
وبناء عليه يتغير مسار القراءة بالكامل
ثانيًا – التصنيف الناتج عن الفكمزة:
(أ) النص ذو أولوية المضمون، حيث تُسخّر الصور البلاغية لخدمة فكرة مركزية.
يكون الإيقاع تابعًا للحالة الشعورية
تتجه البنية إلى تكثيف المعنى
وينقسم إلى عميق وأفقي .
عميق – تكون العلاقة بالمضمون الرمزي أو الفلسفي :
أفقي – تكون العلاقة بالمعنى الظاهر أو التسلسل المباشر:
في هذا النوع يبدأ التحليل بالمضمون ثم يُظهر كيف خدمه الشكل
(ب) النص ذو أولوية الشكل
في هذا النمط:
تكون البنية الشكلية هي الأساس المؤسس
يتولد المعنى من الترتيب اللغوي أو الإيقاعي أو التركيبي
لا يُفهم المضمون إلا من خلال البنية
وهنا يبدأ التحليل بالشكل ثم يُستنبط المعنى منه
ثالثًا – تقويم البناء:
بعد تحديد جهة الأصل، ينتقل المنهج إلى تقويم البناء، وينقسم إلى
1 – لبناء التام:
يتحقق عندما تكون العلاقة بين الشكل والمضمون عضوية، إذ لا يمكن حذف عنصر دون أن يختل الكيان النصي، يتحقق توازن متبادل بين العنصرين، وهذا النوع يسمح بتعدد القراءات نتيجة ثراء العلاقة الداخلية
2 – البناء غير التام :
يظهر عندما يطغى أحد العنصرين دون انسجام، فتكون العلاقة شكلية سطحية أو اعتباطية، كما يمكن فصل أحدهما دون انهيار النص

رابعًا – القيمة المعرفية للمنهج:
يمتاز منهج الفكمزة بأنه يضع معيارًا واضحًا قبل الحكم النقدي، ويمنع الخلط بين الانطباع والتحليل المنهجي، ويقدم أداة قياس لبنية النص، كما يفسر اختلاف القراءات بوصفه اختلافًا في إدراك جهة التأسيس، وبهذا يكون منهج الفَكْمَزَة، بوصفه ابتكارًا نقديًا، كرؤية تحليلية تقوم على ضبط العلاقة بين الشكل والمضمون قبل أي استقراء، ومن خلال مرحلتي الفكّ والتمييز، يتم تحديد جهة الأصل، ثم تقويم البناء وفق معيار التمام أو عدمه، وبذلك يتحول النقد من ممارسة وصفية عامة إلى إجراء منهجي منضبط قائم على تحديد البنية التأسيسية للنص، مما يمنح القراءة وضوحًا علميًا ومعيارية دقيقة.
إسقاط منهج الفكمزة على الشعر والقصيدة:
يُعدّ الشعر المجال الأخصب لتطبيق منهج الفكمزة، نظرًا لتعقّد العلاقة فيه بين الشكل والمضمون؛ إذ يتداخل الإيقاع، والصورة، والتركيب، والدلالة تداخلًا كثيفًا، ومن هنا تصبح الحاجة إلى الفكّ والتمييز ضرورة منهجية لا خيارًا نقديًا، يقوم إسقاط المنهج على الشعر عبر ثلاث مراحل مترابطة
أولًا – مرحلة الفكّ في القصيدة:
يتم في هذه المرحلة عزل المستويين عزلًا إجرائيًا
1 – كّ المضمون الشعري، ويشمل تحديد الرؤية المركزية (وجدانية، فلسفية، وجودية، اجتماعية)
استخراج الحقل الدلالي الغالب – ضبط البؤرة الشعورية المسيطرة :
في هذه المرحلة نقرأ القصيدة كما لو كانت خطابًا دلاليًا خالصًا، مع تعليق مؤقت للحكم على البنية الشكلية
2 – كّ الشكل الشعري، ويشمل تحليل الإيقاع (وزن، تفعيلة، نثر) – التكرار الصوتي – الصور البلاغية – التوازي التركيبي – التقطيع السطري :
ويُدرس الشكل بوصفه نظامًا قائمًا بذاته، دون إرجاعه فورًا إلى الدلالة.
ثانيًا – مرحلة التمييز في القصيدة:
بعد الفكّ، ننتقل إلى السؤال الحاسم :
هل الإيقاع والصورة والتكرار جاءت لخدمة رؤية سابقة؟
أم أن الرؤية تولدت من انتظام الإيقاع والصور؟
وهنا تتحدد إحدى الحالتين:
1 – لقصيدة ذات أولوية المضمون :
علاماتها – وضوح الفكرة المركزية قبل التأمل في البنية – انسجام الصور في خدمة رؤية محددة – خضوع الإيقاع للحالة الشعورية:
في هذه الحالة يبدأ التحليل من الرؤية الشعرية، ثم يُبيَّن كيف تكوّن الشكل لخدمتها.
2 – لقصيدة ذات أولوية الشكل :
علاماتها – حضور لافت للإيقاع أو البناء التركيبي – تولد الدلالة من التكرار أو الانزياح – صعوبة تلخيص المضمون دون فقدان الأثر:
في هذه الحالة يبدأ التحليل بالبنية الإيقاعية أو الصورية، ثم يُستنبط المعنى منها
ثالثًا – تقويم البناء الشعري:
بعد تحديد جهة الأصل، يُقوَّم البناء وفق معيارين:
: 1 – البناء التام في القصيدة
يتحقق عندما تتداخل الصورة مع الفكرة تداخلًا عضويًا – يصبح الإيقاع ضرورة دلالية لا زخرفًا – لا يمكن استبدال شكل القصيدة دون انهيار أثرها :
هذا النوع يمنح القصيدة قابلية لتعدد القراءات دون فقدان مركزها:
2 – البناء غير التام في القصيدة :
يظهر عندما يكون الوزن أو التكرار مجرد حشو صوتي، تكون الصور مفصولة عن الفكرة – يمكن تغيير الشكل دون تغير جوهري في المضمون :
مثال إجرائي مختصر (صيغة عامة)
لو افترضنا قصيدة يغلب عليها تكرار لفظة معينة، في مرحلة الفكّ نحدد دلالتها المركزية، ثم نحلل وظيفة التكرار صوتيًا وإيقاعيًا، في مرحلة التمييز نسأل:
هل التكرار نتيجة حاجة شعورية؟
أم أن الإيقاع هو الذي فرض حضور المعنى؟
ومن هنا نحدد جهة الأصل، أهمية إسقاط المنهج على الشعر، يمنع الانطباعية في قراءة القصيدة – يحدد سبب التأثير الجمالي لا مجرد وصفه، يكشف الفرق بين القصيدة العميقة والقصيدة المصنوعة شكليًا.
يضع معيارًا موضوعيًا للحكم على جودة البناء الشعري.
خلاصة تطبيقية:
إسقاط منهج الفكمزة على الشعر لا يعني تفكيك القصيدة تفكيكًا تجزيئيًا، وإنما يعني
عزل مؤقت لأجل الضبط:
تمييز جهة التأسيس
تقويم العلاقة بين الإيقاع والدلالة
وبذلك يتحول تحليل القصيدة من قراءة ذوقية إلى إجراء منهجي قائم على تحديد الأصل والتابع ثم الحكم على تمام البناء
جدلية الشكل والمضمون بين السرد البنيوي وبنيوية السرد:
تُعدّ العلاقة بين الشكل والمضمون من أكثر القضايا إلحاحًا في التفكير النقدي؛ إذ تتأسس عليها طبيعة القراءة، ومن خلالها يتحدد مسار التحليل، فالنص الأدبي ليس مادة لغوية فحسب، ولا فكرة مجردة، فهو تركيب تتداخل فيه الدلالة بالبنية، والصورة بالإيقاع، والحدث بطريقة تقديمه، غير أن الخلاف لا يكمن في وجود العلاقة بين الشكل والمضمون، وإنما في جهة التأسيس
هل المضمون هو الأصل الذي يُنشئ الشكل ويستدعيه؟
أم أن الشكل هو البنية التي تولّد المضمون وتُنتجه؟
ومن هنا يظهر تمييز منهجي بين مفهومين
السرد البنيوي:
حيث يكون المضمون هو المركز، وتتشكل البنية لخدمته
بنيوية السرد:
حيث تكون البنية هي الأصل، ويتولد المعنى من انتظامها الداخلي
يسعى هذا البحث إلى توضيح هذين المفهومين توضيحًا فلسفيًا وإجرائيًا، وبيان الفرق بينهما، ثم تطبيقهما كمثال على قصيدة بانت سعاد للشاعر كعب بن زهير
أولًا: تحديد المفاهيم
1 – لسرد البنيوي (أولوية المضمون)
السرد البنيوي نمط من التشكيل النصي تكون فيه الفكرة أو الرؤية أو التجربة الشعورية سابقة في الوعي، ثم يُستدعى الشكل ليجسّدها، في هذا التصور تكون:

الصورة أداة توضيح
الإيقاع وسيلة تكثيف
التكرار وظيفة دلالية
الترتيب السردي خادمًا للرسالة
فالبنية هنا ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة تحقيق، ويمكن التمييز داخله بين مستويين

أ – المستوى العميق:
حين تخدم البنية فكرة رمزية أو فلسفية كبرى
ب – المستوى الأفقي:
حين تخدم البنية تسلسلًا واضحًا أو معنى مباشرًا
في هذا النمط تبدأ القراءة من السؤال: ما الفكرة المركزية؟
ثم يُبحث عن الوسائل التي جسدتها
2 – بنيوية السرد (أولوية الشكل)
في هذا الاتجاه ينعكس المسار؛ إذ لا يُفترض وجود مضمون سابق مستقل، ويُنظر إلى النص بوصفه شبكة علاقات داخلية
المعنى لا يُستخرج من خارج البنية، وإنما يُولد من نظام التكرار:

التوازي الصوتي
الانزياح التركيبي
البناء الزمني
هنا لا يكون الشكل أداة، فهو مولّد للدلالة، وكل تغيير في البنية يغيّر المعنى جذريًا، و في هذا النمط تبدأ القراءة من السؤال: كيف بُني النص؟
ثم يُستنبط من البناء أثره الدلالي:
الفرق الجوهري بين المفهومين
وجه المقارنة:
السرد البنيوي
بنيوية السرد
نقطة البداية
الفكرة
البنية
وظيفة الشكل
خادم للمضمون
مولّد للمعنى
اتجاه التحليل
من المعنى إلى الوسيلة
من الوسيلة إلى المعنى
معيار الجودة
انسجام الشكل مع الفكرة
تماسك النظام الداخلي
الفارق في تحديد أيهما الأصل وأيهما التابع:
ثانيًا – التطبيق على قصيدة “بانت سعاد:
تُعدّ قصيدة بانت سعاد نموذجًا غنيًا لتحليل العلاقة بين الشكل والمضمون، لما تحمله من انتقال بين الغزل والاعتذار والمدح
1 – قراءة وفق السرد البنيوي :
أ – تحديد المضمون:
القصيدة تقوم على بنية شعورية واضحة – بدء بالغزل (الفقد والحنين) – انتقال إلى وصف الناقة (الرحلة والمعاناة) – انتهاء بالاعتذار والمدح .
المضمون المركزي هو التحول من خوف إلى أمان، ومن تهديد إلى رجاء:
ب – تحليل الشكل بوصفه خادمًا:
الغزل في المطلع يهيئ الجو العاطفي
وصف الناقة يرمز إلى مشقة الطريق نحو الصفح
الإيقاع العمودي المنتظم يمنح القصيدة وقارًا يتناسب مع مقام الاعتذار
يتضح هنا أن الشكل يتبع مسار الفكرة؛ فالانتقال الموضوعي هو الذي فرض ترتيب الأبيات
النتيجة: القصيدة، في هذه القراءة، مثال على السرد البنيوي؛ لأن البنية جاءت لتخدم تطور المضمون
2 – قراءة وفق بنيوية السرد :
إذا عكسنا زاوية النظر وبدأنا من البنية،
القصيدة قائمة على نظام تقليدي صارم في الوزن والقافية
تكرار الصور الصحراوية يخلق نسقًا ثابتًا
الانتقال من غرض إلى آخر يتم عبر انتظام شكلي لا عبر قفزات فكرية
يمكن القول إن الالتزام بالبناء التقليدي هو الذي أنتج هذا التدرج الدلالي، فلو تغيّر الوزن أو تكسّر النسق، لتغيّر الإحساس بالوقار، وبالتالي تغيّر المعنى الاعتذاري
في هذه القراءة يصبح المعنى وليدًا للبنية

ثالثًا – البناء التام وتعدد القراءة:
في حالة قصيدة “بانت سعاد”، يمكن القول إن العلاقة بين الشكل والمضمون علاقة عضوية؛ إذ لا يمكن تصور الاعتذار في قالب مضطرب أو مكسور، ولا يمكن فصل الانتقال الموضوعي عن انتظام الوزن
وهذا ما يمكن تسميته بالبناء التام، حيث يخدم الشكل الفكرة، وتُنتج الفكرة ضرورة شكلها، في هذه الحالة يسمح النص بتعدد القراءات، لأن العلاقة ليست خطية، فهي علاقة تفاعلية
قراءة فلسفية ختامية:
إن الشكل والمضمون مستويان لظهور واحد، غير أن النقد يحتاج إلى التفريق بينهما إجرائيًا من أجل الفهم.

فإذا قيل إن المضمون أصل، فذلك من حيث القصد
وإذا قيل إن الشكل أصل، فذلك من حيث التحقق
المضمون إمكانية،
والشكل تحقق
والمعنى لا يولد إلا حين تتحول الإمكانية إلى بنية
يمكن القول إن الإبداع الحقيقي يتحقق في لحظة التوازن التي يصبح فيها الشكل ضرورة داخلية للفكرة، وتصبح الفكرة روحًا تسري في الشكل
النتائج العامة:
السرد البنيوي ينطلق من مركز دلالي سابق
بنيوية السرد تنطلق من انتظام داخلي مولّد
الفرق بينهما فرق في زاوية النظر لا في ماهية النص
يتحقق الإبداع الكامل حين تتحد الضرورة الدلالية بالضرورة الشكلية
ليست جدلية الشكل والمضمون صراعًا بين عنصرين، وإنما هي توتر خلاق ينتج عنه النص الأدبي
وحين نفهم جهة التأسيس، نفهم طبيعة القراءة
وحين نضبط العلاقة بين البنية والدلالة، نقترب من جوهر العمل الفني
فالنص لا يكون شكلًا بلا معنى، ولا معنى بلا شكل، وإنما يكون حدثًا لغويًا تتجسد فيه الفكرة في هيئة، وتتجلى الهيئة بوصفها فكرًا متحققًا

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!