حين يتحول الانتظار إلى إدانة قراءة نقدية في مسرحية ” وقت مستقطع”

رؤية وإعداد : نوار الشاطر

( وقت مستقطع : محكمة مفتوحة على خشبة المسرح )

حين يتحول الانتظار إلى إدانة قراءة نقدية في مسرحية ” وقت مستقطع

رؤية وإعداد : نوار الشاطر

العرض: وقت مستقطع
المكان: مسرح القباني
تأليف : جوان جان
إخراج: سهيل عقلة
تمثيل: تاج الدين ضيف الله، سهيل عقلة، مادونا حنا

مقدمة :
يقدّم نص “وقت مستقطع” نموذجاً لدراما اجتماعية تُبنى على مفارقات حادة، وتشتغل على تفكيك منظومة القيم في مجتمع مأزوم ، يعتمد العرض على فضاء محدود يتحول تدريجياً إلى مساحة للمساءلة الأخلاقية، حيث تتقاطع مصائر شخصيات تبدو متنافرة في ظاهرها، لكنها تكشف في عمقها عن بنية فساد واحدة.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل البنية الدرامية والرمزية في النص، ورصد اشتغال المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية، وصولاً إلى قراءة دلالات النهاية التي تعيد تشكيل المعنى العام للعرض.

أولاً. الفضاء المسرحي ودلالاته الرمزية :
ينطلق العرض من فعل بسيط باب يُغلق في وجه أحد الشخصيات ، غير أن هذا الفعل يتجاوز وظيفته الواقعية ليصبح مدخلاً إلى “وقت مستقطع” من الحياة اليومية، حيث يجد الأبطال أنفسهم في فضاء معزول أشبه بغرفة اعتراف.
الحديقة التي يُفترض أن تكون مكاناً للراحة، تتحول إلى فضاء محاصر، فيما يغدو الكرسي رمزاً مزدوجاً :
– منصة اعتراف تُستدرج إليها الشخصيات عبر الحوار.
– مقعد محاكمة تُعرّي عليه تناقضاتها الأخلاقية.

بهذا التوظيف، يصبح المكان عنصراً درامياً فاعلاً، لا مجرد خلفية للأحداث، ويؤسس منذ البداية لجو من التوتر والانتظار.

ثانياً .مفهوم الشرف بين الخطاب والممارسة :
يقدّم النص مقاربة نقدية لمفهوم “الشرف” بوصفه قيمة اجتماعية ملتبسة تتأرجح بين التنظير الأخلاقي والممارسة اليومية ،
يتجلى ذلك عبر مستويين:

1. الشرف الخاص :
يتجسد في شخصية الأب الذي يتعامل مع بناته بوصفهن “مشروعاً استثمارياً”، حيث تُختزل الأنوثة إلى وسيلة لجلب المال ، هنا يضع النص المتلقي أمام سؤال قاسٍ.. هل الفقر مبرّر للانحدار الأخلاقي، أم أن المشكلة أعمق من الحاجة؟

2. الشرف العام :
يتجلى في شخصية المرشح البرلماني الذي يرى في السلطة حصانة تتيح له توسيع شبكة فساده.
تتقاطع الشخصيتان في نقطة واحدة كلاهما يمارس انتهاكاً للقيم التي يدّعي الدفاع عنها.
بهذا يفضح النص ازدواجية المجتمع الذي يدين “الصغير” ويصفّق لـ”الكبير”.

ثالثاً .بورصة القيم وتحوّلاتها
يشتغل النص على تفكيك ثلاث منظومات قيمية أساسية:

1. المرأة كأداة تبادل : يقدّم العرض نقداً لثقافة المتاجرة بالجسد الأنثوي، وتحوّله إلى عملة للمقايضة.
لا يكتفي النص بالإدانة، بل يكشف آليات هذا التشويه داخل العلاقات اليومية.

2. الدين كغطاء : يظهر ذلك في شخصية الرجل الذي يسرق ميراث أخواته البنات ثم يبحث عن “توبة” تُطهّر ماله.
هنا يعرّي النص ظاهرة الاتجار بالخطاب الديني لتبرير السلوكيات غير الأخلاقية.
3. الخيانة : بوصفها استراتيجية بقاء قصة الأخ الذي يشي بأخيه مقابل ثمن بخس تكشف انهيار الروابط الأسرية، وتحول العلاقات إلى صفقات.

رابعاً . المفارقة الدرامية وصراع الطبقات يُبنى الحوار بين الشخصيتين الرئيسيتين على مفارقة لافتة:
– أحدهما يلعن فساد السياسيين.
– والآخر يرى في “العامة” مجرد حطام بشري.

لكن النص يكشف تدريجياً أن كليهما يمارس الفساد ذاته، وإن اختلفت الأدوات.
بهذا يقدّم العرض قراءة طبقية لا تقوم على ثنائية “فاسد/ضحية”، بل على تشابك معقّد يجعل الجميع شركاء في إنتاج الانهيار الأخلاقي.

خامساً: الذروة الدرامية وانكشاف الجريمة المشتركة تبلغ الدراما ذروتها حين يتضح أن الشخصيتين ليستا غريبتين كما ادّعتا، بل يجمعهما ماض ٍ قذر قائم على استدراج فتاة والاعتداء عليها.
هذا الكشف لا يغيّر مسار الأحداث فحسب، بل يعيد تأويل كل الحوارات السابقة.
فكل ما قيل عن الشرف والدين والسياسة لم يكن سوى محاولة للهروب من جريمة لم تُمحَ من الذاكرة.

خاتمة :
يقدّم نص “وقت مستقطع” رؤية نقدية حادة لمجتمع يعيش ازدواجية قيمية، حيث تتجاور الشعارات الأخلاقية مع الممارسات المنحرفة.
النهاية ليست مجرد صدمة درامية، بل إعلان بأن الماضي، مهما دُفن، يظل قادراً على الظهور في اللحظة التي يظن فيها الإنسان أنه تجاوز خطاياه.
بهذا ينجح العرض في تحويل لحظة الانتظار في حديقة مهملة إلى محكمة وجودية تُحاكم الإنسان قبل أن تُحاكم المجتمع.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!