حسن لمين
يمرّ قرنٌ كامل على صدور كتاب «في الشعر الجاهلي» (1926) لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وما يزال هذا الكتاب، بعد مئة سنة، علامةً فارقة في تاريخ الفكر العربي الحديث، لا من حيث منهجه النقدي فحسب، بل من حيث الزلزال الثقافي والمعرفي الذي أحدثه في بيئة كانت ما تزال تتعامل مع التراث بوصفه مجالًا للمقدّس أكثر منه موضوعًا للدرس والتمحيص. لم يكن طه حسين، وهو يقدم على تأليف هذا الكتاب، يسعى إلى استفزازٍ مجاني أو هدمٍ أعمى للتراث، كما صوّره خصومه، بل كان منخرطًا في مشروعٍ فكري أوسع، هدفه إخضاع الأدب العربي، القديم منه خاصة، لمناهج البحث العلمي الحديثة، مستفيدًا من أدوات النقد التاريخي والفيلولوجي التي اطّلع عليها خلال دراسته في فرنسا. ومن هنا جاءت جرأة الكتاب، لا في نتائجه فقط، بل في الأسئلة التي طرحها، وفي الطريقة التي طرح بها تلك الأسئلة. ينطلق طه حسين في «في الشعر الجاهلي» من فرضية مركزية مفادها أن قسمًا كبيرًا مما نعدّه شعرًا جاهليًا لا يعود في الحقيقة إلى العصر الجاهلي، بل نُحل إلى ذلك العصر بعد الإسلام، لأسباب سياسية وقبلية ودينية ولغوية. ويذهب إلى أن الشعر الجاهلي، كما وصلنا عبر كتب الرواة والنحاة، لا يمكن التسليم بصحته التاريخية دون فحصٍ دقيق في ظروف تدوينه ونقله. ومن هنا اعتمد منهج الشك، لا بوصفه غاية، بل بوصفه أداةً معرفية، وهو ما صرّح به بوضوح حين دعا إلى أن نضع التراث موضع سؤال، وأن نقرأه بعين الباحث لا بعين المؤمن. وقد أثار هذا المنهج حفيظة المؤسسات الدينية والثقافية المحافظة، لأن الكتاب لم يتوقف عند حدود الشعر، بل مسّ قضايا أعمق تتصل بتاريخ العرب قبل الإسلام، وباللغة، وبالسرديات المؤسسة للهوية الثقافية. إذ شكّك طه حسين في الصورة المثالية المتداولة عن وحدة الحياة الجاهلية، ورأى أن ما نعرفه عنها مزيج من الأسطورة والتخييل اللاحق. كما ذهب إلى القول بتأثر القصص القرآني وبعض الأخبار الجاهلية بالموروثين اليهودي والمسيحي، وهو ما اعتُبر آنذاك مساسًا بالمقدّس، رغم أن طه حسين كان حريصًا على التمييز بين النص الديني بوصفه عقيدة، والنصوص التاريخية والأدبية بوصفها موضوعًا للبحث. الزوبعة التي أحدثها الكتاب لم تكن مجرد خلافٍ علمي، بل تحوّلت إلى معركة فكرية وإعلامية وقضائية. فقد وُجّهت إلى طه حسين تهم الطعن في الدين، وطُلبت محاكمته، واضطر لاحقًا إلى إعادة نشر الكتاب بعنوان «في الأدب الجاهلي» بعد حذف وتعديل بعض المقاطع المثيرة للجدل. غير أن هذه التعديلات لم تمحُ الأثر العميق للكتاب، بل أكدت حجم التحول الذي كان طه حسين يدفع الثقافة العربية نحوه، أي الانتقال من ثقافة التلقّي إلى ثقافة النقد، ومن سلطة الرواية إلى سلطة العقل. وبعد مرور مئة عام، يتبيّن أن القيمة الحقيقية لكتاب «في الشعر الجاهلي» لا تكمن فقط في نتائجه، التي يمكن اليوم مناقشتها أو مراجعتها في ضوء مناهج أحدث، بل في شجاعته المعرفية وفي إصراره على حق السؤال. لقد فتح الكتاب أفقًا جديدًا للدراسات الأدبية والتاريخية، ومهّد الطريق لظهور أجيال من الباحثين الذين تعاملوا مع التراث بوصفه مادةً حية قابلة للفهم والتحليل، لا مجرد نصوص مغلقة. إن استحضار هذا الكتاب بعد قرن من صدوره هو استحضار لمعركة العقل العربي مع ذاته، ومع خوفه من النقد، ومع تردده الدائم بين الوفاء للتراث والقدرة على مساءلته. وما أحوج الثقافة العربية اليوم، وهي تواجه أسئلة الهوية والحداثة من جديد، إلى استعادة روح طه حسين النقدية، لا من أجل تكرار أطروحاته، بل من أجل الدفاع عن حق التفكير الحر، وعن الجامعة بوصفها فضاءً للبحث لا للمحاكمة، وللجدل لا للإقصاء. وهكذا، يظل «في الشعر الجاهلي» كتابًا حيًا، لا لأنه قال الكلمة الأخيرة، بل لأنه علّمنا أن لا كلمة أخيرة في الفكر، وأن السؤال، مهما كان مكلفًا، هو بداية كل نهضة حقيقية. كاتب مغربي
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية