بقلم:نضال الخليل
هذه القراءة لا تُقدم بوصفها مفتاحًا للنص لكنها كمنعطف داخلي فيه محاولة للإصغاء إلى رجة المعنى وهو يتكور في الظل إنها اقتراب ملتف من قصة لا تحتفي بالطفولة بقدر ما تضعها في مواجهة مصيرها ولا تستدعي الخرافة للزينة لكن لتعرية الواقع حين يتخشب
قراءةٌ تتتبع الضوء وهو يغادر الأشياء ليستقر في الوعي وتراقب كيف تتبدل الحقيقة إلى هيئة عابرة فيما الخرافة وحدها تجرؤ على الاعتراف بآدميتها
بين خرافةٍ تتحرّك وواقعٍ يتحجّر: سؤال الحقيقة في ــــ بابا نويل ـــــ
في هذه القصة لا يدخل بابا نويل من نافذة العيد لكن من شق في الوعي لا يأتي محملًا بالهدايا لكن محملًا بسؤالٍ مكسور:
- من الحقيقي؟
- ومن الذي انقلب إلى استعارة ثقيلة تمشي على قدمين؟
النص يفتتح بمشهد الضوء لا بوصفه زينة بل بوصفه قرينًا للداخل
الأضواء لا تلمع على الشجرة فحسب لكنها ترتد من قلب الصبي كأن الطفولة هنا ليست مرحلة زمنية بل مخزنًا بدائيًا للحقيقة قبل أن تُدجن قبل أن تُربط بعقد المجتمع والعقل واللغة
الصبي لا “ينظر” هو يُستلب يُسحب من جسده إلى طقس أقرب للعبادة حيث الوقوف بلا حراك يصبح صلاة للدهشة
ظهور بابا نويل لا يُقدم كخرق عجائبي بقدر ما يُقدم كـ انقلاب أنطولوجي: الخرافة هي التي تتحرك بينما الواقع يتصلب
المفارقة هنا ليست سردية بل فلسفية إذ يعلن الكائن المتخيل آدميته لا بوصفها صفة بيولوجية لكن بوصفها شجاعة الاعتراف بالحقيقة بينما يُتهم البشر – الأم تحديدًا – بالخرافة لأنهم حطموا آدميتهم حين استبدلوا الدهشة بالعادة والحياة بالوظيفة
الأم في هذا النص ليست شخصية بقدر ما هي حالة تحجرتتحول إلى دمية لا لأنها نائمة لكن لأنها فقدت القدرة على التحول
هنا تبلغ القصة ذروتها القاسية: الحيوية تنتقل من الكائن المتخيل إلى الفراغ فيما الواقع – الممثل بالأم – يتخشب يصير مادة بلا نبض
الطفل بعقله الغض يلتقط هذه الخيانة الوجودية دون أن يفهمها فيبكي بكاؤه ليس حزنًا عاطفيًا فحسب لكنه حدسًا أوليًا بفقدان العالم لمعناه
الاستيقاظ في النهاية لا يلغي التجربة لكنه يعمقها
الحلم لا يُسحب من التداول بل يُخبأ “بين ثنايا الفكر” الهدية ليست ما بجوار الوسادة لكنها الأثر ذلك النور الذي أُشعل ثم انسحب تاركًا في الطفل قدرة مبكرة على الشك وعلى الحنين إلى حقيقة ستُهدد كلما اقترب من عمر الأم
قصة «بابا نويل» لا تشتغل على ثنائية حلم/واقع لكن على ثنائية أشد فتكًا:
- حقيقة حية مقابل واقع متحجّر
وهي في التفافها اللغوي الهادئ تطرح سؤالًا:
- هل نكبر لنصير حكماء أم نكبر لنصير خرافة تمشي بثقة؟
القصة
بابا نويل
د ميسون حنا
نظر الصبي إلى الشجرة المزينة أمامه، كان مسحورا بالأضواء التي تضيء وتخفت وتتناوب مع أضواء أخرى متعددة الألوان. كان الصبي مسحورا بلألاء غامض يضيء قلبه، وما هذا النور الذي يراه إلا انعكاس لنوره الداخلي. لمحته أمه يقف بلا حراك كمن يؤدي فروض طاعة وعبادة، وقفت تراقبه، كان مستلبا ومبهورا، داعبته قائلة: أتعجبك الشجرة يا ولدي؟ لم يعرها انتباها وواصل التحديق أمامه. فجأة تحرك بابا نويل، وتدلى من الشجرة، صغيرا كان بحجم إبهام، انفلت من العقدة التي تربطه بالشجرة، شخص واقفا وبدأ ينتفخ ويكبر، نظرت الأم وابنها بعجب لهذا الكائن الذي يتضخم ويكبر أمامهما. قالت المرأة: كيف تحولت إلى حقيقة وأنت مجرد خرافة؟ !. أجاب بابا نويل: أنتم الخرافة، وقد حطمت آدميتكم مذ أعلنت آدميتي. لم يفهم الصغير الحوار، فقط كان سعيدا لمرآه حيا أمامه. ابتسم بابا نويل للصغير، وقال: أنت وحدك أيها الصغير حقيقة، مثلي تماما ، ولكنك لا تلبث أن تتحول إلى خرافة عندما تصبح بعمر أمك، حذار يا ولدي. وأشار إلى المرأة، وتوجه نحو الباب، ناداه الصغير، لم يلتفت، خرج واختفى، نظر الطفل إلى أمه يستفسر كعادة الأطفال عندما تستغلق عليهم الأمور، ولكن عجبا كانت أمه متصلبة، جامدة كدمية، كان يفكر كيف تزامن جمود أمه مع حيوية ذلك الذي غادر قبل قليل، لم يصدق أن هذا مجرد صدفة، وأمام جمودها وجماديتها صُعق الولد، واتهام بشع لا ينبثق من قلب طفل لم تعركه الحياة بعد يسيطر عليه، بللت دموعه خديه، كان يبكي لرحيل بابا نويل، ويبكي جمود أمه المبهم. فتح عينيه على لمسات أمه وهي تمسد شعره إذ كان يغفو قرب الشجرة، كانت آثار النوم. واضحة على صفحة وجه الأم كذلك، تنفس الصعداء، نقلته أمه إلى سريره، كانت هدية بابا نويل قرب الوسادة تنتظر، وكان بابا نويل يختبيء بين ثنايا فكره، أحس الدفء في قلبه، والنور ينعكس حوله، نور أضاءه بابا نويل قبل رحيله المؤقت.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية