نظرية التناص الشعري ( في ديوان الأنبياء ) لرائدة الشعر الكويتي الشاعرة /ندى الرفاعى

● رؤية نقدية /هشام شوقي(مصر)
■ – ديوان الأنبياء أو قصص الأنبياء هو ديوان يستلهم روافده الفكرية من الثقافة الإسلامية الأصيلة للشاعرة القديرة الأستاذة / ندى الرفاعي وهي (القرآن والسنة ) وقد شقت الشاعرة على نفسها بهذا الإبداع المتميز والفريد والرائد في ميدان الشعر العربي وصعوبة هذه التجربة تكمن في مضمونها فالشاعرة اختارت قصص الأنبياء لتكون ميداناً فكرياً لديوانها الشعري وهي دائرة مقيدة بالجانب المعرفي الوارد عن قصص الأنبياء في القرآن الكريم ولن يكون هناك اجتهاد للشاعرة في شيء من القصص القرآني عن الأنبياء ولم تشغل الشاعرة نفسها بفكرة توظيف قصص الأنبياء في الأمور السياسية والإجتماعية والوطنية المعاصرة لقداسة سيرة الأنبياء ولأن الشاعرة تهدف من وراء الديوان إلى الإحتفاظ بالأهداف العليا لقصص الأنبياء مثل تثبيت النبي في الدعوة إلى الله وتصبير النبي والتخفيف عنه وأخذ العبرة والعظة من الأمم التي خالفت أنبياءها ودمرها الله وأهلكها وبيان أن المستحق بحق للعبادة هو الله وأن عبادة الأوثان كانت سببا في هلاك أمم بائدة .
ونظرية التناص كما تقول (جوليا كرستيفا)( : هي تعالق نصوص بنصوص أخرى )[١] والتعالق النصي في ديوان الأنبياء هو تعالق النص الشعري مع النص القرآن في المعاني والأفكار واللغة ويعتبر الديوان الشعري مستلهما لمعطياته الشعرية من القرآن الكريم وقد أجازت دار الإفتاء المصرية الإقتباس أو التناص من القرآن الكريم مجمع الفتاوى فتوى رقم ( 3194)[٢] وينقسم ديوان الأنبياء [٣] إلى أربعة محاور شعرية أولا- الإستهلال- ثانيا -قصص الأنبياء -ثالثا- آباء وأمهات الأنبياء- رابعا- والذين جاؤوا من بعدهم ،

■ (أولاً) – الاستهلال-
● تحليل قصيدة ” هو اللهُ ربُّ العالمين ” ص11 كل ما خطر ببالك اللهُ غير ذلك فما هي الرؤية الشعرية التي تريد أن تطرحها الشاعرة / ندى الرفاعي ، لتقربنا إلى الله ، وما مرجعـيتها وما الأسـلوبية الشعـرية التي طرحت وعـالجـت بها القصيدة .
أوجزت الشاعرة في استهلال قصيدتها بتقدير أن الملك والملكوت للرحمن فما الفرق بين الملك و الملكوت ؟
المُلك : كل ما في الكون ملك لله ويعطي الله من ملكه ما هو عام مثل الهواء واشعة الشمس وماء المطر ويسخر في ملكه ما يشاء لعباده مثل المال والأنعام وغيرها على سبيل الإعارة والتي سيحاسب عليها يوم القيامة ويختص الله من عباده بعضهم بزيادة الملك ويختبر بعضهم بانتزاع الملك قال الله تعالي { قل اللهم مالك الملك تعطي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز مَنْ تشاء وتذل مَنْ تشاء} آل عمران 26 والملك : ما يدرك بالحواس ويسمى عالم الشهادة والملكوت هو عالم الغيب وعالم الأمر .[٤] الملكوت : هو عزُّ الله وسلطانه وعالم الغيب المختص بالأروح والنفوس والعجائب وفي التنزيل { أَوَ لَمْ ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } سورة الأعراف آية 185 { وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } 75 الأنعام { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } الآية 83 سورة يس{ قل مًنْ بيده ملكوت كل شيء وهو يجبر ولا يجار عليه } الآية88 سورةالمؤمنون ـ كل هذه المعاني القرآنية السامية تم استدعاؤها من القرآن الكريم في مفتتح القصيدة .
– الملك للرحمن و الملكوت والأنبيا من خلقه الياقوت
– لمَّا قضى ربُّ الأنام مشيئة و أتى بسنة أمره اللاهوت -سجد الملائكة الكرامُ لخلقهِ فأبي السجود مكابر طاغوت
وفي البيت الثاني ” لما قضي ربُّ الأنام ” قضي رب الأنام أي قدَّر صُنّعَهُ وأكملهُ ” وأتي بسنة أمره اللاهوت ”
اللاهوت : عند اليونانيين لأنها كلمة يونانية تعني : دراسة الله وهو فن لديهم حيث يرغبون في معرفة ذات الله بشكل أفضل وأعمق وقد قام العلماء باستغلال اللاهوت الفلسفي في تحليل النفس البشرية وفي فهم الديانة المسيحية واللاهوت كلمة استعملتها الديانة المسيحية و معتنقيها في الدلالة على الأشياء الخاصة بالله وذاته وصفاته .[٥] الناسوت : من الكلمات التي استخدمتها الديانة المسيحية وتعني كل ما يتصل بجسم الإنسان ويعتقد بعض المسيحيين بحلول اللاهوت في الناسوت [٦]بمعنى أن الله حل في المسيح عليه السلام وقد نفى القرآن هذا قال الله تعالى في سورة المائدة ” لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قُلْ فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم و أمَّهُ ومن في الأرض جميعاً } المائدة 17
وقد ذهب وفد كبير من النصارى وليس كل النصارى مثلهم في الفكر والإعتقاد وكانوا يزيدون على ستين رجلاً وتناقشوا مع الرسول في أمر المسيح ودحض الرسول مزاعمهم ونفاها وأثبت الألوهية لله والنبوة والبشرية للمسيح وبيَّن أن المسيح تبرأ من هؤلاء ونزل القرآن داعماً ومؤيداً لموقف النبي قال الله تعالي في سورة المائدة 72 { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيحُ ابن مريم وقال المسيحُ يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربَّكم إنُّهُ من يشرك باللهِ فقد حرَّم اللهُ عليه الجنة ومأواه النار و ما للظالمين من أنصار } وقال تعالي نافيا ومؤكداً أن الله وحده المستحق للعبادة ” وقضى ربُّك ألا تعْبدوا إلا إياه ” ( قل هو اللهُ أحدِ الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ] سورة الإخلاص، هذه هي سنة الله التي أشارت إليها الشاعرةوهي كمال الربوبية لله وكمال النبوة لعيسى عليه السلام و أن الله وحده المستحق للعبادة وتوظيف الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي لكلمة ” اللاهوت ” يهدف إلي طرح القضية الإيمانية بكل أبعادها كما أن كلمة ” اللاهوت ” وكلمة ” الناسوت ” قامت الشاعرة بتوظيفهما في النص الشعري وهما ليستا عربيتين مما استدعى المعجم اليوناني والمعجم المسيحي وهذا يدل على سعة ثقافة الشاعرة وتبحرها في المسائل الدينية بما يخدم النص الشعري و فكرته .
كما أن الشاعرة في النص تشير إلى قصة عصيان إبليس السجود لآدم في الجنة و طرده الله منها و كان طاووس الملائكة و تشير الشاعرة إلي قصة استخلاف الله لآدم في الأرض ونزوله من الجنة تقول الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي
-سجد الملائكة الكرام لخلقه فأبى السجود مكابر طاغوتُ
– من بعدُ أُنزل آدم لخلافةٍ لا يعتريها الظلم و الجبروتُ
-لكنَّ بعض الخلق ضل مساره ظنَّاً بأنَّ إلههُ منحوتُ
ومرجعية الشاعرة التناص القرآني مستلهمة الأبيات من قوله تعالي { وإذ قلنا للملائكةِ اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أَبَيَ واستكبر وكان من الكافرين } سورة البقرة الآية 34 ( قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيديّ ، استكبرتَ أم كنت من العالين قال أنا خيرُ منه خلقتني من نار وخلقتهُ من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ) الآيات من سورة(ص) 74 / 78 وقال الله تعالى { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقتهُ من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } الأعراف الآيتان 12 / 13 والسجود الذي طلبه اللهُ من إبليس لآدم ليس سجود عبادة وإنما سجود طاعة وقد عصي إبليس طاعة ربّه، مستكبرا ومعللاً ذلك بأن آدم مخلوق من طين وأنه مخلوق من نار وأن النار أفضل من الطين، فاستحق لعنة الله وطرده من الجنة وخلوده في جهنم حين تقوم الساعة، وقصة إبليس السجود لآدم نزلت في مواقع كثيرة من السور .
وتتناص الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي مع القرآن مشيرة إلى نزول آدم من الجنة لكي يكون خليفة الله في الأرض قال اللهُ تعالى { و إذ قال ربّكَ للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } سورة البقرة آية 20
والحكمة من خلافة آدم في الأرض هي إعمارها وإقامة عبادة الله عليها وليس في ذلك ظلم وجبروت من الله فالله خلق آدم لهذه الغاية وجعل لديه وذريته قدرة الأختيار والتمييز بين الخير والشر وقد أمد الله آدم وذريته بالعقل للتمييز وبالأنبياء مرشدين ومعلمين ووعد الله من تكثر أعماله الحسنة عن سيئاته بالجنة ووعد من تغلب سيئاته علي حسناته بالنار و تتناص الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي مشيرة إلى عصيان بعض الخلق و عبادتهم للأوثان وفي السرد الشعري تتناول الشاعرة الأقوام البائدة الذين عصوا أنبياءهم وحلت عليهم لعنة الله وعقَابه وعن طغيان بني إسرائيل وعن قصة جالوت وطالوت والبشارة بالرسول محمد صلي الله عليه و آله وسلم ونلاحظ مع أن القصيدة عنوانها ” الله رب العالمين جل جلاله ” ؛ ولم تخض الشاعرة في وصف أسماء الله الحسني و صفاته و إبداعه في الكون .
واللغة الشعرية في القصيدة مستمدة من المعجم القرآني ،اللغة القرآنية هي البطل في القصيدة كما كانت البطولة في الأفكار لسيطرة النص الديني المقدس على كل جزئيات القصيدة في تناص لفظي ومعنوي متفاوت المستويات بين الأبيات ، ونجد الألفاظ القرآنية مسيطرة على البنية الشعرية :
{ المُلُك / للرحمن / الملكوت / الأنبياء / ربُّ الأنام / مشيئة / سُنَّة / سجد / الملائكة الكرام / أبيَ السجود / آدم / خلافة / الظلم / الجبروت / إلههُ / عبادة خلق/ هاروت /الله – بنوإسرائيل / الإله / التابوت / اهبطوا / ذُلُّ / مسكنةُ / أحيا الله / أسباطهم / المليك / طالوت / جالوت / المليك / قال الإله / آية / أن يأتيكم التابوت / صوت / صلي عليه الله / أحمد / محمد / النبي / والآل / والصحب / تبوأوا / الكافر} معجم لغوي قرآني تم توظيفه في النص الشعري بدرجة ممتاز وجاء هذا المعجم اللفظي من القرآن الكريم بدلالات قرآنية عظيمة وقصص و أحداث تتجلى فيها عظمة الخالق سبحانه وتعالى في كل شيء .
ـ والمشاعر و الأحاسيس في النص سيطرت على الشاعرة المشاعر الدينية من محبة شديدة لله ولكتابه العظيم القرآن ومحبة للأنبياء وللصالحين كما سيطرت على الشاعرة مشاعر التقديس والتعظيم للخالق سبحانه وتعالي .
ـ أسلوب الجملة الشعرية :
إعتمدت الشاعرة على أسلوبية السرد الشعري ليتواءم مع الأحداث القرآنية القصصية لذا قلت الصور البلاغية من تشبيهات وإستعارات وكنايات وسيطر السرد القصصي على البنية الشعرية.
ـ والموسيقى في النص : سيطرت عليها الموسيقى الداخلية بين الكلمات متقاربة مخارج الحروف كما ظهر الجناس الناقص بين الكلمات مثل { طالوت / جالوت } { لاهوت / ناسوت } كما كان التضاد بين بعض الكلمات محدثاً للجرس الموسيقى كذلك وحدة القافية فقد جاءت القافية على التاء المضمومة وهي قافية مطلقة غير مقيدة وهي تاء مفتوحة من أصل بنية الكلمة تختلف عن تاء التأنيث وتاء الفاعل والتاء المربوطة (والطاء والدال والتاء) حروف تشترك في بعض الصفات الصوتية والتاء حرف مهموس شديد ومخرجه طرف اللسان و أصول الثنايا العُليا و الطاء والدال والتاء حروف تخرج من جهاز النطق من مكان واحد.
– موسيقي العروض الشعري في النص : جاءت القصيدة على بحر الكامل” متفاعلن” في صورته التامة أي ثلاث تفعيلات في كل شطر شعري والتفعيلة الأخيرة (مُتْفَاعِلْ) وفيها من الزحافات الإضمار أي تسكين الحرف الثاني المتحرك وفيها قطع والقطع هو حذف الحرف السابع ووضع سكون على الحرف السادس الذي قبله وتتحول( متفاعلن) إلى(متفاعلْ ) [٧]وكان ميزان بحر الكامل الخليلي (. متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلنْ متفاعلنْ متفاعل) .

● قصيدة ” مُعَلّمُ الأنبياء جبريلُ عليه السلام ” ص 13 تستهل وتصدر الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي ، القصيدة بقول اللهِ تعالي { نزل به الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين } الآيات 193/194/195 من سورة الشعراء و(التصدير )بالقرآن أو (التذييل) بالقرآن في هوامش النصوص إشارة من الشاعرة إلى المرجعية القرآنية للنص الأدبي(التناص) في هذه أوتلك وهي إشارات جداً قليلة إذا ربطنا العمل الأدبي نفسه بها خرج مظلوماً لأنه بتحليل النصوص الشعرية للشاعرة تتوالد من البنية الشعرية دلالات وإشارات إلى الآيات القرآنية تفوق التي ذكرتها الشاعرة في التصدير أو التذييل عشرات المرات والعمدة في المعنى وعمود السارية في أفكار ديوان الأنبياء هو التناص القرآني، وفي الأبيات الأولى من النص تبين الشاعرة مهمة جبريل وهي نقل أمانة القرآن من السماء إلى النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم وتشير إلى أجنحة هذا الملاك العظيمة التي تكاد تسد الأفق إلى أن نزل للرسول محمد صلى الله عليه و آله وسلم أول مرة في الغار وهو يتعبد بأوئل سورة العلق { اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الأنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم … } سورة العلق من 1 ـ 19
وقد استخدمت الشاعرة في الأبيات الثلاثة الأولي الإجمال والتفصيل معاً فقالت في الإجمال ” جبريل جاء بحكم التنزيل ” ثم استخدمت أسلوب التفصيل بعد ذلك في مواطن كثيرة من النص مثل :
” في الغار قال اقرأ ببدء نزول ”
” ولقد رآه عند سدرة منتهي ”
” هم قوم لوط أهلكوا بوبيل ”
” ومبشراً عيسى بمقدم أحمد ”
” يهديك ربُّكَ ذو الجلال سلامهُ ”
وتشير الشاعرة إلى فترة انقطاع الوحي عن النبي بعد نزول جبريل عليه في غار حراء بقولها ـ وتأخر الملك الكريم لفترة واشتاق قلب نبينا الموصول) واختلف علماء السيرة في فترة انقطاع جبريل عليه السلام عن النبي بعد نزوله في الغار في اللقاء الأول في غار حراء فبعضهم قال كانت أياماً وبعضهم قال كانت ستة أشهر وقيل إنها كانت سنة وقيل أن الأقرب للصواب هو رأي سيدنا عبدالله بن عباس الذي قال إن مدة انقطاع الوحي كانت أربعين يوماً ومما ورد في الصحيحين[٨]البخاري ومسلم حديث الرسول صلي الله عليه وآله وسلم عن فترة انقطاع الوحي و عودته قال { بينما أنا أمشي إذ سمعتُ صوتاً من السماء ، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس علي كرسي بين السماء والأرض فرعبتُ منهُ فرجعتُ فقلتُ ” زَمَّلوني زَمَّلوني ” فأنزل الله تعالي ” يا أيها المدثر إلى قوله تعالي ” والرجز فاهجر ” فحمي الوحي وتتابع .
و تتحدث الشاعرة عن بشارة جبريل للسيدة مريم أن المسيح مبشراً بالنبوة، وبشارة الله لسيدنا إبراهيم بمولد إسحاق، عليه السلام بعد إسماعيل عليه السلام بأربعة عشر عاماً وتروي كتب التفاسيرومنها ابن كثير أن الملائكة { جبريل / وميكائيل /وإسرافيل} ذهبوا ليقيموا الحجة على قوم لوط و هم بطريقهم مرورا على إبراهيم عليه السلام في قومه فأكرمهم و قدَّم لهم عجلاً مشوياً فلم يأكلوا منه فخاف منهم فقالوا نحن الملائكة لا نأكل الطعام و إنَّا نبشرك بإسحاق وكان سيدنا إبراهيم عجوزاً وكانت إمرأته عاقر أي لا تلد ، وُلد إسحاق ولأبية مائة عام وكان عمر أمه سارة حين بُشرت به تسعين عاماً قال تعالى { وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين } .
وتتحدث الشاعرة عن نزول جبريل للنبي صلى اللهُ عليه وآله وسلم في صورة ” دحيه الكلبي ” في قولها ( وأتي يعلم صحَبهُ ويدلُّهم وكدحية الكلبي حال مثول) (و دحية الكلبي هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي 592م ـ 670م وهو صحابي جليل ومن السابقين الأولين إلى الإسلام شهد غزوة أحد وما تلاها من غزوات وكان تاجراً غنياً يضرب به المثل في حسن الصورة وهو سفير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعثه برسالة إلى القيصر ملك الإمبراطورية الرومانية “هرقل ” وشهد العديد من المعارك وكان قائداً عظيماً ونزل دمشق و سكن المِزَّة وعاش إلى خلافة معاوية { كتاب الإصابة 3/381ـ 383}[٩] وليس جبريل عليه السلام يحل في شخص دحية الكلبي ويأكل ويشرب كما يفهم الناس ولكن كانت يتراءى للناس في صورة دحية الكلبي كما أكد ذلك حديث أسامة بن زيد { أن جبريل عليه السلام أتي النبي صلى اللهُ عليه وآله وسلم وعنده أُمُّ سَلَمة فجعل يحدث ثم قام فقال النبي لاُمّ سلمة من هذا قالت هذا دحية قال فقالت أم سلمة ايمُ الله ما حسبته إلا إياه حتي سمعتُ خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يُخْبُر عنه أنه جبريل } رواه البخاري ومسلم .
وفي تفسير الحديث قالوا ليس المقصود أن جبريل يتلبسُ بجسم دحية الكلبي ولكن يتراءي للناس في صورة رجل يشبه دحية الكلبي .
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : { وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة دحية } رواه الإمام أحمد ولماذا أتى جبريل في صورة رجل يشبه دحية الكلبي :
وقد روي أن الرسول لم ير جبريل على هيئته إلا مرتين فقط وأنه له ستمائة جناح تسد ما بين السماء والأرض روي النسائي : ( رأي محمد صلَّي الله عليه وسلم جبريل له ستمائة جناح قد سدَّ الأفق ) وفي رواية أخري كل جناح قد سد الأفق يسقط من جناحه التهاويل الأي الأشياء مختلفة الألوان من الدر و الياقوت وقد وصف الله جبريل في القرآن في سورة التكوير الآية 21 قال الله تعالي { إنه لقول رسول كريم ذي قوةٍ عند ذي العرشِ مكين مطاع ثم أمين } ومن الناحية الفنية في الشعر برعت الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي في استخدام أداة التشبيه {الكاف} في قولها ” وكدحية الكلبي حال مثول” وهذا يتوافق مع عدم حلول جبريل في دحية الكلبي وإنما المجيء على هيئته، وفي فنيات النص الشعرية اعتمدت الشاعرة على تداعي الأفكار المستوحاة من القرآن الكريم(التناص) وهي ثقافة الشاعرة ومرجعيهاالدينية ، وقامت الشاعرة بالرصد المتتابع للحوادث عن سيدنا جبريل عليه السلام وأشارت إلي أشياء هامة عنه وأهمها أنه حامل رسالة السماء إلى الأرض وأمين الوحي .
ثم قامت الشاعرة بتركيب جزئيات مختلفة الأحداث مثل موقف جبريل ودوره في تبليغ القرآن للرسول محمد ، وانقطاع الوحي ، وقصة ورقة بن نوفل وناموس موسى ، وقصة قوم لوط وإخبار جبريل لمريم عليها السلام بمولد سيدنا عيسى عليه السلام وبشارة الملائكة لسيدنا إبراهيم بمولد سيدنا إسحاق، وبشارة سيدنا عيسى بنبوة سيدنا محمد، هذا فيما يخص الجوانب الفكريةالقصصية وهي تخضع للمرجعية القرآنية و التناص القرآني ،
أمَّا الجانب اللغوي فجاء المعجم الشعري مستمدا من لغة القرآن الكريم كما يلي { جبريل / محكم التنزيل / التبتيل / السماء / الغار / أقرأْ / موسى / فرائض / سدرة المنتهى / الوحي / أمرُ الله / التنكيل / رب العرش / بشر عبده أحمداً / مبشراً / عيسى/ الآية الكبرى/ إسحاق / لوط / صلى عليك الله }
-المعجم القرآني هو المسيطر علي أسلوبية البناء الشعري وجاءت الصور البلاغية قليلة لاعتماد الشاعرة على السرد الشعري في الأبيات وليس الوصف الشعري الوصف الشعري تتوالد عنه الصور البلاغية من تشبيهات وإستعارات وكنايات أو ما يُسمى بعلم البيان لذا قل الخيال الشعري وسيطر السرد القصصي الديني و السرد الشعري جاء مهتماً بالأحداث والتفاصيل المستدعاة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية وهماالمرجعان الرئيسيان للشاعرة في ديوان الأنبياء وقد لجأت الشاعرة لاستخدام الضرورات الشعرية مثل حذف الهمزة في الاسم الممدود { الأنبياء / الأنبيا ـ والسماء / السما } كما صرفت ونونت الاسم الممنوع من الصرف { مريم / مريماً } كما أن الفعل المضارع المتحرك حذفت العلامة الإعرابية للوزن الشعري { يسألْ } وهي ضرورات شعرية مجازة وعدم الإعتماد على الضرورات أولى[١٠] ، ولكنها وردت في المعلقات السبع وهي عيون الشعر العربي مثل تحويل همزة القطع إلى همزة وصل للوزن الشعري في قول عنترة بن شداد (الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لم (القهما) دمي)[١١] – لم ألقاها تخففت (همزة القطع) إلى( همزة وصل) وهي ضرورة شعرية .
والجوانب الموسيقية والإيقاعية في النص جاء النص على وزن بحر الكامل وتفعيلته الأخيرة مقطوعة أي محذوفة السابع الساكن وتسكين السادس المتحرك على هذه الصورة مع دخولها زحاف الإضمار وهو تسكين الحرف الثاني المتحرك وتفعيلته متفاعلن ٣×٢=٦ والأخيرة (متفاعلن تتحول متفاعل) بتسكين الحرف السادس.ويعرف هذا في علم العروض( بالقطع )
متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن مُتْفَاعِلْ
والقصيدة رويها اللام المطلقة أي المتحركة فهي قصيدة { لامية } اتسمت القصيدة بالجرس الموسيقى المتوالد من وحدة القافية.
تقول الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي ص 70-ص71 في الأعمال الشعرية الكاملة ط الكويت [١٢] -و تأخر الملكُ الكريم لفترة واشتاق قلب نبينا الموصلِ
ناموس موسى قد أتاه معلماًلفرائض وفضائل وأصول
و لقد رآهُ عند سدرة منتهى الآية الكبرى بغير مثيل
وموكلٌ بالوحي حاجب عرشه ذو مِرَّةٍ في الخلق والتفصيل
رفع المدائن للسماء بقوةٍ إذ جاء أمرالله بالتنكيلِ
قلب المدائن فوق رأس فحولها هُمْ قوم لوط أهلكوا بوبيلِ
وأمينُ وحي اللهِ أخبرَ مريما أنَّ المسيح بشارة لسبيلِ
وكذاك ربُّ العرش بشر عبده إسحاقُ كان بشارة لخليلِ
و مبشراً عيسى بمقدم أحمد فهو السفير بمنهج مأمولِ
و أتي يعلم صحبه ويدلهم و كدحية الكلبي حال مثولِ
يسألْ ليعطى الرد دون ترددٍ ليعرف الإسلام كل سؤولِ

■ ثانياً : قصص الأنبياء
●( قصيدة ” سيدنا آدم عليه السلام”ص 75) للأستاذة / ندى الرفاعي ، تستكمل الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي ، ما تحدثت فيه عن سيدنا آدم أبو البشر وتحدثنا عنه في قصيدة { هو الله رب العالمين } من أن الله خلقه من تراب واستخلفه في عمارة الأرض وتضيف في الأبيات الأولى طبيعة المادة الترابية التي خلق اللهُ منها سيدنا آدم كما ورد في القرآن وهي(تربة الصلصال) ”
وقصة خلق آدم عليه السلام روي الطبري[١٣] رويات عديدة عن خلق آدم منها أنه خلق من أديم الأرض لذا سُمي آدم كما روي ذلك عن الإمام علي كرم الله وجهه وخلق الله من ذريته الصالح والطالح أما ما ورد في البخاري عن خلق سيدنا آدم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلي اللهُ عليه و آله وسلم { خَلَقَ اللهُ آدمَ وطوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاستمع ما يُحَييُّونك تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا : السلام عليكم ورحمة الله فكل ما يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتي الآن رواه البخاري .
وآيات خلق آدم في القرآن منها [:الآيات من 30 ـ 37 من سورة البقرة والآيات 33ـ 34ـ59 من سورة آل عمران والآيات 11ـ 27 من سورة الأعراف والآيات 61 ـ 65ـ 70 من سورة الإسراء] والأية 50 من سورة الكهف
والآيات 115 ـ 124 من سورة طه ولعل أجمل شرح وتحليل عن قصة سيدنا آدم هو الاستشهاد ببعض آيات القرآن الكريم فلا يوجد أدق منها في وصف سيدنا آدم قال الله تعالي : ولقد خلقناكم ثم صوَّرناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين* قال ما منعك ألا تسجد إذْ أمُرتك ، قال أنا خير منهُ خلقتني من نار وخلقتهُ من طين * قال فاهبط منها فما يكون لك أنْ تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين * قال انظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين* قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين * قال أخرج منها مذموماً مدحوراً لمَنْ تبعك منهم ، لأملأنَّ جهنَّم منكم أجمعين *ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وُوري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين* وقاسمهما ، إني لكم لمن الناصحين ؛فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة و ناداهما ربُّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة و أقلْ لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونَنَّ من الخاسرين قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون* يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ولباسُ التقوي ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يتذكرون يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ، ينزع عنهما لباسهما ليُريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيلُهُ من حيث لا ترونهم إنَّا جعلنا الشياطين أولياءَ للذين لا يؤمنون } سورة الأعراف الآيات 11 ـ 27
و الأسلوب القرآني في عرض قصص الأنبياء معجز و أبلغ من قول المفسرين و الفصحاء والشعراء وهو الحجة والمرجعية في هذا الأمر خصوصاً أن الشاعرة لم تقم بتوظيف قصص الأنبياء على الأحداث السياسية والإجتماعية كما يفعل بعض الشعراء مع التناص القرآني ولكنها تتغنى شعراً بقصص الأنبياء في صورتها القرآنية المثالية كما وردت في القرآن الكريم تقول الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي في قصيدة سيدنا آدم عليه السلام . ص75 الأعمال الشعرية الكاملة.
( آدمُ أبو الإنسان كان نبَّيا عهدً من الأزمان صار طويَّا
إذْ قال ربكَ “كُنْ” فكان بلحظةِ من تربة الصلصال صار سويا
وخليفة الله المكرم عنده عن سائر الأجناس صار صَفيَّا
من مجمل الأعراق شاء إلهنا لإرادة أن يجتبيه وصيَّا
و لأجل ربّ العرش منذ خليفة سجد الملائكة الكرام جثيَّا
في جنة الفردوس عاش منعماً يؤتي عطاءً يانعاً و جنيَّا
حتي تعرض للوساوس والهوى ولضعف حالته وكان نسيَّا
هي محنة الإنسان في هذي الترفا يبغي خلوداً دائماًوهنيَّا
في القُرب كان سرورهْ في البعد كان مكوثه متحسراًوبكيَّا
بهبوطه من جنة بغراسها ما كان مطروحاً ولا مزريَّا
ولأحسن التقويم ثم لعودة يسعى حثيثاً دانياً و مضيَّا
هي رحلةٌ في عالم فإن انزوي عن جوهر المخلوق بات شقيَّا
بعبادة الرحمن لبّ سعادة فاهنأ وحاذر أن تعيش عصيَّا
خلق الإلهُ جموعنا لعبادة طوبي لمن عاش الحياة رَضيَّا
معني العبادة طاعة بمحبة فاز الذي أوفي وعاش نقيَّا
فتبارك الله الذي خلق الحياة بقدرة كان العظيم عليَّا
وننزه الرحمن عن قول السوَى سبَّح إلهك بكرة و عشيَّا
صلى الإلهُ على النبي المصطفى من قبل آدم مرسلاً ونبيَّا
والآل والصحب الكرام ومن تلا ومع السلام معطراً ونديَّا
– وتحليل النص من الناحية اللغوية اعتمدت الشاعرة على المعجم القرآني الفصيح في سردها الشعري لقصة سيدنا آدم مثل { آدم / الإنسان / نبي إذ قال ربُّكَ / كُنْ/ الصلصالِ / سوَّيا / صفيَّا / يجتبيه / وحيَّا / رب العرش / جنة الفردوس / مسجد الملائكة / تعرض للوساوس / نسيَّا / جنة بفراسها / بعبادة الرحمن / خلق الإله / بعبادة الرحمن / طوبيَ / تبارك اللهُ / خلق الحياة / آدم مرسلاً ونبيا / صلى الإلهُ على النبي / المصطفي / والآل والصحب الكرام مع السلام }
أمَّا الخيال الشعري فجاء قليلاً وقلت معه فنون علم البيان لاعتماد الشاعرة على السرد الشعري و ما يتبعه من أسلوبية شعرية في بناء الجملة ونمائها مرتكزة على التداعي و الإستلهام من القرآن الكريم وما يتسم به أسلوبه من الإعجاز اللغوي والمعنوي أيضاً .
استخدمت الشاعرة أسلوب التضاد الذي يبرز المعني و يوضحهُ ويجذب انتباه السامع في قولها { في القرب كان سروره في البعد كان مكوثه }
كما استخدمت الشاعرة الجملة الشعرية التقريرية
مثل( آدم أبو الإنسان /وإذ قال ربك كن/وخليفة الله المكرم عنده / سجد الملائكة الكرام/في جنة الفردوس عاش منعماً /هي محنة الإنسان في هذي الدُّنا /خلق الإلهُ جموعنا لعبادة /طوبي لَمنْ عاش الحياة رضيا ).
و استخدمت الشاعرة الجمل الإنشائية الدعائية مثل قولها ( فتبارك الله الذي خلق الحياة / سبَّحْ إلهك بكرة وعشيَّا ” /صلى الإلهُ على النبي المصطفى”)
والقافية هي حرف الياء المطلقة وعلى موسيقى بحر الكامل بصورته التامة المقطوعة غير المقبوضة وهي :
متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن مُتَفَاعِلْ

●” قصة سيدنا نوح عليه السلام “ص76
قصة سيدنا نوح من القرآن الكريم و أثرها في الشعر توجد سورة في القرآن الكريم تُسمى سورة ” نوح ” تحكي ما دار بينه وبين قومه وجاء الحديث عن قصة سيدنا نوح في أماكن متعددة من بعض سور القرآن الكريم وبأساليب متنوعة من هذه السور { الأعراف ويونس والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات والقمر و الأنبياء و الفرقان و الذاريات }
لقد أرسل الله سيدنا نوحاً إلى قومه وهو في سن الأربعين وظل يدعو قومه لعبادة الله والبعد عن عبادة الأوثان مدة قدرها { ألف سنة إلا خمسين عاماً } وعاش بعد نزوله من السفينة ونجاتة هو ومن عليها مدة ستين سنة والقصة فيها دروس مستفادة مثل الصبر في تبليغ الدعوة إلي الله واهتمام نبي الله نوح بمن آمن بالله و أن درجة القرابة مع الكفر بالله لا تعصم المرء كما حدث مع ابن نوح وغرقه مع القوم الذين رفضوا عبادة الله وقابلوا نوحاً ودعوته ومن اتبعه بالسخرية والإستهزاء ، وعمل نوح بالأسباب في صنع السفينة لينجو هو و من اتبعه من الغرق دعاء نوح علي قومه الكفار المستهزئين بالمؤمنين واستجابه الله لدعائه قال تعالي : ” وقال نوح ربَّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديَّاراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفَّارا ربَّ اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا} سورة نوح 26 /27 / 28
وابن نوح غرق مع الغارقين وما نفعت شفاعة نوح له لكفر الإبن وإصراره على الكفر وعندما يطلب له نوح الشفاعة يقول له الله { قال يا نوح إنَّهُ ليس من أهلك إنه عملٌ غيرُ صالح فلا تسألنَّ ما ليس لك به علم }سورة هود ، ونلاحظ المشهد الذي يصوره القرآن بين نوح وولده وغرق السفينة ونجاة نوح والمؤمنين { ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بُني اركب معنا ولا تكن من الكافرين . قال سآوي إلى جبلٍ يعصمني من الماء . قال لا عاصم اليوم من أمر اللهِ إلا من رَحِمَ وحال بينهما الموجُ فكان من المغرقين . وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين و نادى نوح ربَّه فقال ربَّ إن ابني من أهلي و إن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين . قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عملْ غيرُ صالح فلا تسألنَّ ما ليس لك بهِ علمٌ إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال ربَّ أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علمٌ والإَّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين . قيل يا نوح اهبط بسلام منَّا و بركات عليك وعلى أُممٍ ممن معك و أمم سنمتعهم ثم يمسهُمْ منَّا عذابً أليم } سورة هود 42 ـ48 والله تعالي جعل غرق قوم نوح عبرة وعظة وآية للأمم فقد وصلوا بالإستهزاء بنبي الله نوح أن يستجير بربه ويعلن هزيمة الدعوة ودعا الله بالنصرة له والإنتقام منهم { فدعا ربَّهُ أني مغلوبٌ فانتصر . ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمر . و فجرنا الأرض عيوناً فالتقى ا الماء على أمرٍ قد قدر . و حملناهُ على ذات ألواحٍ و دُسر . تجري بأعيننا جزاء لمن كان كٌفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر } سورة القمر 9 / 16
حتي أن زوجة نوح كانت خائنة بالكفر فكانت من الغارقين أي فقد ولده وزوجته قال تعالي { ضرب اللهُ مثلاً للذين كفروا امرأة نوحٍ و امرأة لوطٍ كانتا تحت عبديين من عبادنا فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين } التحريم 10 .
{ قصة سيدنا نوح شعراً للأستاذة / ندي الرفاعي }بعد قراءة الآيات السابقة نتأمل الأبيات الآتية ونستشف التناص من الكريم.

قصيدة ” سيدنا نوح عليه السلام ” ص76
[نوحٌ دعا قوماً لينشر دينه لتجارة الأخرى لخير ضمينهْ/ليلاً نهاراً في جميع شؤونهم لكنهم رفضوا بكل ضغينةْ/ما كنتُ أملك من خزائن خالقي شيئاً وما أجرأ أريد ثمينهْ/قالوا لئن لم تنته” عن دعوةٍ فالرجمُ حقك من جموع مدينه/إنْ هُمْ أراذلنا الذين فتنتهم مكراً وما كانت لديك قرينةْ/يا نوح قــد جادلتنا فلتأتنا بالوعد دون روّيةٍ و سكينةْ/كفروا بكلَّ و قاحة و صفاقةٍ والله يسمع بوحه و أنينه /حتى إذا ما استنفدوا إمهالهم أوحى ا الإلهُ إليه صنع سفينة/
و أحمل على الفلك الخلائق كلها ذكر ليحفظ نسلَهُ و ظعينةْ/فتحت بماء والتقت بعيون ماءٍ في الثرى صبَّاً عقاب رعونةْ/تجري بهم والموج بينهما هنا لو كان ينفع حينذاك بنونه /قد كذبوه فأغرقوا بذنوبهم نكروا وعيد نبيهم و يقينهْ/حتى ا إذا وقفت على الجوديَّ و إنتشروا بفضل الله دون معونه/اهبط سلامُ اللهَ حلَّ و رحمةٌ منهُ على أمم فنعم سكينهْ /جعلوا خلائق في الوري من بعدهم فانظر إلى أمم فنعم سكينهْ/حيناً ترى ا صنع الإله وحكمه في كل ظرف قاهر و فتونه/صلى عليك اللهُ يا نور الهدى يا درة بين الوري مكنونه/والآل ما طلع النهار وما سجى ليلً و قد أرخى عليه سكونهْ ] التحليل الجمالي و الفني للقصيدة
التحليل الفني والجمالي هو تحليل لأسلوبية النص الشعري وأنا أتبع مع التحليل الفني التحليل التكاملي والتحليل التكاملي يأخذ بكل المذاهب والمدارس النقدية في تحليل النص والتحليل الفني أو الجمالي أو البنيوي جزء من التحليل التكاملي فلا يمكن لديوان عظيم في قيمته الفنية للشاعرة الكبيرة الأستاذة / ندى الرفاعي أن نغفل المقامات و السياقات المؤثرة في النص الأدبي والحق أن ظاهرة التناص الشعري هي البطل في ديوان الأنبياء التناص من القرآن الكريم وهو الأساس و المصدر الأوحد لقصص الأنبياء لذ أورد القصة في سياقها القرآني ثم في سياقها الشعري ثم أفكك العمل الأدبي وأقوم بتحليله جمالياً وفنياً وهي الطريقة المثلى التي قمت بها وأقوم في تحليل ديوان الأنبياء نقديا وفق نظرية التناص
– الجوانب الفكرية في القصيدة
القصيدة تستمد أفكارها من النص القرآني و تتناص معه في معجمه اللغوي وتتبع أسلوب القرآن في طرح القصة و سردها مع فروق كبيرة بين التعبير القرآني المعجز في اللفظ و المعني وبين الشعر والشعر نفثة شعورية تعتمد على العاطفة والذاتية
لذا الشاعرة القديرة / ندى الرفاعي ، مهما اجتهدت في هذا المجال فثمة فارق كبير بين الكتاب الرباني المعجز وبين العمل الشعري المتسم بالنقص لأنه عمل بشري ولكن يحسب للشاعرة القديرة الأستاذة / ندى الرفاعي ، الجرأة في خوض هذه التجربة التي تهيب منها كل الشعراء قديما وحديثاً شاعرين بضآلة حجمهم مهما أوتوا من بلاغة في تناول الموضوعات القرآنية وخصوصاً القصص القرآني، ويبقى هذا الديوان هو الأول في مكتبة الشعر العربي الذي تناول قصص الأنبياء كاملة
وقد لجأ شعراء التناص الأدبي أو الإقتباس من القرآن إلي توظيف هذا التناص في قضايا سياسية أو إجتماعية معاصرة لكي يكون الموضوع العام قضية معاصرة ويكون الإقتباس والتناص مقويَّاً للفكرة نظراً لقداسة القرآن واستحالة أن يرقى الشعر إلى النص القرآني وبلاغته المعجزة في اللفظ والمعنى .
في جانب الأفكار لم تأت الشاعرة بجديد في قصة سيدنا نوح عما طرحه القرآن ولا يستطيع أي كاتب الإضافة لهذا القصص القرآني وبحسبه أن يذوب في معاني القرآن .
جوانب المشاعر و الإحساسات في النص تسيطر على الشاعرة مشاعر دينية قوية جداً متأثرة بنشأتها الدينية المحافظة على العادات والتقاليد والقيم والفضائل الدينية فوالدها الشيخ الكبير / السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي رحمه الله رجل الدولة والدين في دولة الكويت وتعرف جهوده للقاصي والداني في مجال الدين والسياسة وله مؤلفات عديدة ، هذه التربية في بيت يعتمد على الدين ورمزها ومثلها الأعلى و الدها ، جعلها مرتبطة بالقرآن ارتباطا وثيقا ومرجعيتها القرآنية تسيطر عليها في كل أشعارها التي وصلت حوالي ثماني دواوين جمعتهم في أعمالها الشعرية الكاملة لم تكتب عن تجارب ذاتية مثل الرومانسيين بل سخرت قلمها من أجل الدين وسيرة آل البيت وحب وطنها الكويت وقضايا إجتماعية وقضايا قومية وهذا يرجع قبل كل شيء لأنها من آل بيت المصطفي ، فجاء شعرها مرتبطاً بالدين والوطن وقضايا المجتمع . وتسيطر عليها مشاعر المحبة للمسلمين وتذكر بقصة سيدنا نوح عليه السلام أن غضب الله لا عاصم منه فيجب البحث عن رضا الله و مرضاته .وتسيطر عليها مشاعر الحب العظيم لكتاب الله وحامل الدعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .وتسيطر عليها مشاعر الفخر والاعتزاز بالإسلام .
-المعجم اللغوي للنص جاء المعجم اللغوي للنص متناصا و مستمدا للبنية اللغوية من لغة القرآن المثالية في فصاحتها مثل { نوح دعا قوماً لينشر دينه / ماكنت أملك من خزائن خالقي / قالوا لئن لم تنته / يا نوح قد جادلتنا / و أحمل على الفلك الخلائق / وأوحى الإلهُ إليه صنع سفينة / والله يسمع بوحه وأنينه / تجري بهم والموج بينهما / حتي إذا وقفت على الجودي / اهبط سلام الله حلَّ و رحمةٌ / فانظر إلى الآيات / حينا ترى صنُعَ الإله وحكمه / صلى عليك الله يا نور الهدى} معجم ثري في قمة الروعة والجمال عند قراءته يحملك إلى استدعاء النص القرآني بجلاله . ومن ناحية البنية السردية للقصيدة سيطرت على الأبيات الجملة الفعلية التي تدل على الحدث وقلت الجملة الوصفية والجمل الإسمية التي تفيد الثبوت وكثرت الجمل الفعلية الدالة على أحداث قصة سيدنا نوح و تتابعها و هذه من الميزات الرائعة للشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي مثل { نوحٌ دعا / لينشر دينه / لكنهم رفضوا / ماكنت أملك / وما أجراً أريد / قالوا لئن لم تَنْتَهِ/ قد جادلتنا / فتنتهم / فتحت بماء / والتقت بعيون / أوحي الإله / ليحفظ نسله / تجري بهم / حتي إذا وقفت / وانتشروا بفضل الله / والله يسمع / قد كذبوه اهبط سلام الله حلّ / جعلوا خلائق / حيناً ترىا صنع الإله / صلى عليك الله }
وقد استخدمت الشاعرة حذف الضمير للعلم به ولكي يستقيم الوزن الشعري مثل نوح دعا قوماً فقالت قوماً بدل قومه كما قامت الشاعرة بحذف الباء في كلمة سلام و أصلها بسلام لأن الفعل الأمر اهبط فعلاً لازماً و لا يتعدي لنصب مفعول به إلا بحرف الجر لذا جاء في القرآن { اهبط بسلام منا } وقالت الشاعرة { اهبط سلامُ الله } وهنا سلام مرفوعة بنزع الخافض أي لحذف حرف الجر الباء تم رفع الكلمة ” سلام ” .
– الموسيقى في النص توالدت الموسيقى من وحدة القافية و البحر الخليلي بحر الكامل بصورته المقطوعة أي محذوفة السابع الساكن مع تسكين السادس المتحرك
( متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعِل)

● (قصيدة سيدنا هود عليه السلام ص77) إن قوم هود عليه السلام هم أول من قاموا بعبادة الأصنام بعدما أهلك اللهُ قوم نوح عليه السلام وقوم هود إسمهم قوم عاد وكانوا طغاة متمردين يعبدون الأصنام وأرسل الله إليهم هوداً عليه السلام ليدعوهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده ، وقد قابلوا دعوته بالتكذيب والإنكار و الإستكبار فأرسل الله عليهم الرياح ظنوا أنها ماطرة ولكن كانت تحمل لهم الدمار إلا نبي الله هود ومن آمنوا معه كانوا في معزل في حظيرة عاكفين على العبادة و الطاعة لله فلم يمسهم العذاب ومكانهم قيل كان بين عمان وحضرموت في اليمن في قبيلة( إرم ) وقيل إنها مدينة أهلكها الله قال الله تعالى : (كذبتْ عادٌ المرسلين إذ قال لهم اخوهم هود ألا تتقون ، إني لكم رسول أمين الشعراء 123 / 122 (وإلى عادٍ اخاهم هوداُ قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون) هود {كذبتْ عادٌ فكيف كان عذابي ونُذُر إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجازُ نخلٍ منقعر فكيف كان عذابي و نذر } القمر 18 / 21
{ وأما عادً فأهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ } الحاقة 6 .
التحليل الفني للقصيدة
– تقول الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي
(عهدٌ مضى من قبلنا في عادِ إرمَ التي عُرفت بذات عماد عربٌ وفي الأحقاف عاشوا في قوي في سالف الأزمان والآمادِ) وفي البيتين إشارة إلى قوله تعالى { ألم تر كيف فعل ربُّك بعاد . إرم ذات العماد } الفجر 6/7
اللغويات : عاد : هم قوم نبي الله هود
إرَم ذات العماد : هم عاد الأولي قوم هود عليه السلام كانوا يعيشون في إرم أي مدينة إرم ذات المباني الرفيعة القوية– و ذات العماد : هي بيوت من الشعر كانت تقوم على أعمدة قوية أي الخيام القوية –وإرم ذات العماد : يوجد خلاف هل هي مدينة قوم عاد التي خسف الله بها الأرض بفعل الرياح أم هم قبلية إرم المشهورة بالقوة الجسدية .–و الأحقاف : هي الرمال الطويلة المعُوجّة في إقليم حضرموت .
تشير الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي إلي الفترة الزمنية القديمة لقوم عاد وأنهم تالون لقوم نوح عليه السلام بقولها { عهد مضى من قبلنا في عاد ـ في سالف الأزمان والآماد } تعتمد الشاعرة على حسن الإستهلال للسرد الشعري بالتناص القرآني من سورة الفجر { ألم تر كيف فعل ربك بعاد . إرم ذات العماد } كما تشير إلي قوتهم الجسدية وقوة بيوتهم وكذلك قوة البيوت التي يعيشون فيها بيوت الشعر القائمة على الأعمدة القوية .ثم تؤكد الشاعرة بأنهم كانوا جبارين في بطشهم تقول
(لم يخلق الجبار في ملكوته في بطشهم بشراً بأيَّ بلادِ)
وتؤكد الشاعرة على إنحراف عقيدتهم وعبادتهم للأصنام تقول :(عبدوا الحجارة بعد نوحٍ دونما عقلٍ يدلهم ولا إسناد)وتوكد الشاعرة إلى رحمة الله بعباده وإرساله لهم هوداً عليه السلام ليدعوهم إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام تقول :(بعث الإلهُ إليهم بنبيه هودٍ بنور نبوة وقادِ)كما تستخدم الشاعرة أسلوب التعليل من إرسال سيدنا هود إلى قومه بقولها :
(كي يوقظ الأرواح من غفلاتها من بعد طول جَفَا وطول رقاد /قال اعبدوا ربَّ السماء فإنَّه الرحمن ذو الملكوت في الآباد/واستغفروه وكبَّروه فإنه عدل رحيم لم يزل بعباد /ثم اتقوا من قد حباكم قوة إني لكم عبد الرحيم الهادي ) وجملة (عبد الرحيم الهادي ) أي أن سيدنا هود هو (عبد الرحيم ) والهادي اسم من أسماء الله الحسنى أي (هود) مرسل لهداية قومه .
– وتشير الشاعرة إلي عصيان قوم هود وتعجبهم منه كيف يرسله الله لهم رسولاً تقول الشاعرة : (أعجبتمُ أن جاءكم من ربكم رجلً لينذركم عقاب فسادِ)
تستخدم الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي ، في القصيدة ما يُسمى بتتابع الأحداث للمحافظة على قوة السرد الشعري فتمهد وتعرف بقوم نوح ثم تظهر قوتهم وجبروتهم ثم تبين فساد عقيدتهم بعبادة الأوثان ثم تظهر هداية الله المرسلة لهم في النبي هود ثم تظهر تكبرهم واستهزائهم بالنبي ثم تختم ببيان غضب الله عليهم وتدميرهم بالريح الصرصر ونجاة هود ومن أتبعه من المسلمين . بالتتابع التالي :
1 ـ قوتهم
عربَّ وفي الأحقاف عاشوا في قوى
فـي سـالف الأزمـان و الآبـاد
لـم يختلق الجـبار فـي مـلكوته
فـي بـطشهم بـشراً بـأي بـلادِ
2ـ قوة مساكنهم
كانت لديهم في الجبال مساكن
محفورة بسواعد الأندادِ
3 ـ كفرهم وعبادتهم الأصنام
عبدوا الحجارة بعد نوحٍ دونما
عقل يدلهم و لا إسنادِ
4 ـ إرسال الله نبيه هود إليهم
بعث الإلهُ إليهمُ بنبيَّه
هود بنور نبوة وقَّادِ
كي يوقظ الأرواح من غفلاتها
من بعد طول جفا وطول رقادِ
5 ـ الدعوة للتوحيد وترك الأصنام
قال اعبدوا رب السماء فإنه
الرحمن ذو الملكوت في الآبادِ
واستغفروه وكبَّروُه فإنه
عدل رحيم لم يزل بعبادِ
6 ـ بيان هود لقومه أن الهداية للتوحيد بلا أجر منهم
إني أمينٌ ناصحٌ لكم وما
أجراً أريد سوى هدى وسداد
7 ـ تعجب قوم هود منه ومن دعوته واستكبارهم
أعجبتم أن جاءكم من ربكم
رجلٌ لينذركم عقاب فسادِ
8 ـ تبرأ هود من أفعال قومه
ربي الذي أجري عليه كفا به
إني بريءً من شرور عنادِ
قالوا أجئت لكي تسفه ما
عبدنا فأتنا بوعيدك الجلاد
9 ـ انتقام الله منهم بالريح الصرصر العاتية وتدميرهم
بعث الإلهُ عليهم بعذابه
ريحاَ مصرصرةً و بالرصادِ
عصفاً عقيماً لم تذر شيئاً نما
إلا وقد تركته كالأعوادِ
10 ـ نهاية قوم هود
صرعى غدوا في يوم نحسٍ مسهم
هلكوا جزاء عقوبة الإفسادِ
قد أتبعوا لعناً ليوم قيامة
من مكر ما قالوا وسوء حصاد
تلك القرى كفرتْ فكان مصيرها
بدداً و تلك نهاية الأوغاد
سيطرت علي الشاعرة الروح القصصية لقصة سيدنا هود كما وردت في القرآن الكريم فحافظت على تسلسل القصة وتتابع أحداثها من التعريف بعاد و قوتهم و بيان كفرهم ودعوة هود لهم ورفضهم الدعوة والتوحيد وهلاكهم بغضب من الله ونجاة هود ومن معه .

● قصيدة { سيدنا صالح }ص 78
سيدنا صالح هو نبي الله أرسله إلى قومه قبيلة ” ثمود ” وهي قبيلة عربية كانت تسكن بين الحجاز وتبوك ، اشتهر قومه بعبادة الأصنام والفساد في الأرض طلب منهم صالح عليه السلام توحيد الله رفضوا دعوته وطلبوا منه دليل أو معجزة على أنه نبي الله ليس ليؤمنوا ولكن لكي يعجزوه وكانوا أقوياء ينحتون الجبال ويستخرجون الأحجار ولهم مبانٍ قويه ، عندما زاد تحديهم وتكذيبهم لصالح انفلقت الصخرة وخرجت منها ناقة هي ناقة الله طلب منهم أن يتركوها ترعى ولا يمسوها بسوء وكانت مباركة لبنها يكفي القوم جميعاً اجتمع قوم ثمود وقرروا التخلص من الناقة وصالح معاً وشرب أحدهم الخمر وهم إلى الناقة و ذبحها فنزل عليهم غضب الله وسخطه عليهم وتدميرهم ونجاه صالح ومن آمن معه و قد وردت القصة في السور الآتية من القرآن { الأعراف / هود / الحجر / الشعراء / فصلت } و السور { الإسراء / النمل / الذاريات / الحاقة / الفجر / الشمس / التوبة / إبراهيم / الحج / العنكبوت / ص / غافر / النجم / البروج } وربما ورودها في الآيات الكثيرة بهذه الطريقة لأن ليس لصالح عليه السلام سورة مستقلة في القرآن .
1 ـ دعوة النبي صالح لقومه تعالي { قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره } الأعراف 37 { إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون } الشعراء 142
2 ـ معجزة صالح الناقة قال تعالي : { قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية} الأعراف 73 { قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } الشعراء 155
3 ـ تذكيرهم بنعم الله عليهم { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوَّأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً } الأعراف 74
4 ـ إصرار قوم صالح على الكفر وعنادهم { يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } سورة النمل 46 { فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح أئتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين } الأعراف 77
5ـ عقاب الله لهم { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } الأعراف 78
{ فأخذتهم الصيحة مصبحين } الحجر 83 .
التحليل الفني للقصيدة
تستخدم الشاعرة الأستاذة / ندى الرفاعي الفعل لتنمية القصة بصوره الثلاث { الماضي والمضارع والأمر } ولكن بما ينمي حدث السرد الشعري فتقوم بتوظيف الأفعال وفق ما تقتضيه الحالة الشعرية مع تبادل للأدوار أي صيغة الفعل وزمنه في الجملة الشعرية فجاءت الأفعال في النص هكذا { أرسل صالحاً يدعو إلى الرحمن / قال صالح إنني أدعوكم } كان التمهيد بالماضي والحدث الحاضر بصيغة المضارع في الإبتداء ثم الضغط بفعل الأمر في تنمية الحدث الشعري بهدف النصح والإرشاد في قولها { فادعوه / خافوه } ثم تبين الشاعرة درجة العصيان والكفر والتكبر بصورة الفعل الماضي المزيد { واستكبروا وتجبروا } كما تستخدم صيغة الماضي المزيد أحياناً و أحياناً الماضي المجرد لبيان مدى عصيانهم وعقرهم الناقة التي هي معجزة نبي الله صالح بقولها { عقروا دليل نبيهم و تبجحوا } وتستخدم صيغة الأمر للتهديد والوعيد تقول { قال النبي تمتعوا في دوركم } ثم تقوي زيادة التهديد بالفعل المضارع تقول { لثلاثة تأتيكمُ بشديد } وتستخدم الشاعرة أسلوب العرض والتفصيل في حادثة قتل الناقة التي ارتكبها أحدهم وهو سكران .تقول { لمَّا تجرأ مجرمٌ من أهلها أشقاهُمُ ليقودهم لجحود } وقد استخدمت الشاعرة اللغة الوصفية في وصف بيوت ثمود المنيعة القوية في قولها { تلك البيوت وفي الجبال قصورهم مزهوة ببدائع التشييد } { ومزهوة ببدائع التشييد } حيث البيوت لا تزهو بجمالها وروعتها ولكن الذي يزهو بها هم أصحابها وهذا على نسق قول القرآن { واسأل القرية } فالقرية لا تُسأل ولكن من هم أهل القرية يسألون والتقدير كلمة أهل محذوفة للعلم بها في بيت الشعر و أهل في الآية القرآنية .وهذا ضرب من المجاز البلاغي
كما تستخدم الشاعرة أسلوب المناصحة بين نبي الله صالح و قومه فقد نهاهم عن قتل الناقة لكنهم لم يسمعوا لكلامه تكبراً وعناداً منهم { ونهاهم عن مسها لكنهم لم يسمعوا لكلامه ووعيد }
واستخدمت الشاعرة للحرف ” لكن ” في صورة الإستدراك قطع عنهم نهيهم ومهد بفعل قتل الناقة من رجل سكران منهم فاستحقوا الوعيد وغضب الله وهلاكهم ، المشاعر المسيطرة على النص هي محبة الشاعرة الشديدة للقرآن الكريم ولقصص الأنبياء و ما تحمله من توجيهات سامية في النصح والإرشاد .
والموسيقى في القصيدة جاءت رنانة من وحدة القافية على حرف الدال المطلقة أي المتحركة بالكسر وهو إشباع يزيد من الزجر والتهديد والوعيد للعصاة كذلك مجيء القصيدة على بحر الكامل.
الخاتمة : ديوان الأنبياء للشاعرة ندى الرفاعى هو ثروة ثمينة للمكتبة العربية وميدانا خصبا لطلاب الماجستير والدكتوراة لنيل درجة علمية في ظاهرة التناص الشعري من القرآن الكريم سواء كان تناصا مباشرا أو غير مباشر والديوان هو الأول في المكتبة العربية الجامع لقصص الأنبياء في شكل قصائد عمودية متنوعة الأوزان والقوافي وهو يحقق لقارئه الأهداف العليا لقصص الأنبياء كما وردت في القرآن الكريم وبهذا الديوان الفريد تميزت الشاعرة ندى الرفاعى على الشعراء العرب في توثيق قصص الأنبياء شعرا كما وثقت سيرة النبي وآل بيته شعرا في ديوان زهرة المصطفى غير مسبوقة في هذا الميدان أيضا لذا الشاعرة ندى الرفاعي رائدة الشعر الكويتي والإسلامي في هذا الميدان .
■ الهامش ((المراجع والمصادر)
١_علم النص لجوليا كرستيفا- ترجمة فريد الزاهي- دار توبقال – المغرب
٢_مجمع الفتاوى -دار الإفتاء المصرية
٣- ديوان الأنبياء – ندى الرفاعى – الكويت
٤-تفسير القرآن- لابن كثير -دار الحديث- القاهرة
٥- -٦-اللاهوت العربي والعنف الديني – يوسف زيدان – دار الشروق – القاهرة
٧- علم العروض والقافية (محاضرات ) د عبد الرحمن الطويل – كلية دار العلوم – جامعة القاهرة
٨- -صحيح البخاري – دار ابن كثير -دمشق
٩- كتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني مكتبة دار الفكر – القاهرة
١٠- كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة الدينوري – دار عالم الكتب – لبنان
١١- المعلقات السبع -؛مكتبة دار القرآن – القاهرة
١٢- الأعمال الشعرية الكاملة للشاعرة /ندى الرفاعى
١٣- تاريخ الطبري لابن جرير الطبري – دار الكتب العلمية بيروت – لبنان

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!