بقلم: تبارك الياسين
تأتي رواية «سيرة المرأة العجوز» لهند مختار بوصفها نصًا سرديًا ينحاز إلى الذاكرة المتأخرة، حيث تقف الذات في مواجهة الزمن لا بوصفه حدثًا خارجيًا، بل كتراكم داخلي من الخسارات والاختيارات المؤجلة. الرواية تُبنى على صوت امرأة في الشيخوخة تقرر أن تكتب ما لم يُكتب، وأن تستعيد حياتها لا من موقع الحنين، بل من منطقة رمادية بين القبول والندم، وبين الرغبة في الفهم والعجز عن التغيير.
يُقدَّم السرد في صيغة سيرة ذاتية متخيلة، تتنقل فيها البطلة بين محطات عمرها الأساسية: الطفولة، الشباب، الحب، الفقد، ثم الوصول إلى لحظة التأمل الأخيرة. الإيقاع هادئ منذ الصفحة الأولى، يعتمد على التوغل الداخلي أكثر من اعتماده على الحدث، وعلى الإحساس أكثر من الفعل. هذا الخيار يمنح النص مسحة تأملية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يضعه في منطقة سردية شديدة الاستقرار، تكاد تخلو من التوتر أو الانعطافات الحاسمة. الانتقالات الزمنية سلسة، لكنها لا تُحدث صدمة في الوعي، ولا تكشف تحولات جذرية في نظرة البطلة إلى نفسها أو إلى العالم.
الشخصية المركزية تمتلك مقومات غنى واضحة: امرأة عاشت أكثر من حياة، ودفعت أثمانًا نفسية وعاطفية لا تُخفى، وتجلس الآن أمام ذاكرتها كما لو كانت محكمة أخيرة. غير أن فعل المواجهة يبقى محدودًا. فالتأملات، على كثافتها، لا تصل في معظمها إلى مستوى الاعتراف الصادم أو الكشف القاسي، بل تظل ضمن نطاق الإحساس العام بالأسى والرضا المتأخر. حتى حين تقترب الرواية من مناطق حساسة، مثل أثر الطفولة أو العلاقات الأولى، فإنها سرعان ما تعود إلى نبرة متزنة تخفف من حدة المواجهة، وكأن النص يخشى الذهاب بعيدًا في الجرح.
تشتغل الرواية على أسئلة كبرى تتعلق بمعنى الحياة، وبأثر الاختيارات الفردية، وبالعلاقة المعقدة بين المرأة وذاتها ومحيطها، غير أن هذه الأسئلة تظل مطروحة بوصفها خواطر شخصية أكثر منها اشتباكًا فعليًا مع السياق الاجتماعي أو الثقافي. لا يسعى النص إلى مساءلة البنى أو تفكيك القيم، بل يكتفي بتسجيل أثرها النفسي على الذات، ما يجعل الرواية تميل إلى الانكفاء الداخلي أكثر من انفتاحها على أفق أوسع.
لغة الرواية واضحة، سلسة، ومحافظة. تعتمد جملًا قصيرة وإيقاعًا منتظمًا، يخدم الطابع التأملي للنص، لكنه يقلل من فرص المفاجأة اللغوية أو الصورة المكثفة. لا تميل اللغة إلى المجاز الجريء أو الانزياح الحاد، بل تفضل الوضوح والاقتصاد، وهو خيار يمنح النص هدوءه، لكنه يحدّ من قدرته على خلق لحظات لغوية مميزة توازي ثقل التجربة الإنسانية المطروحة.
في مجملها، «سيرة المرأة العجوز» نص يتسم بالصدق والنعومة، ويعكس حساسية واضحة تجاه تجربة الشيخوخة بوصفها مرحلة مراجعة لا بطولة. غير أن هذا الصدق نفسه يأتي أحيانًا على حساب الجرأة الفنية. فالرواية لا تسعى إلى زعزعة القارئ أو إرباكه، ولا تحاول إعادة تعريف الشيخوخة بوصفها لحظة انفجار أو تمرّد، بل تقدمها كمساحة هادئة للتأمل والتصالح. هي رواية تقول الكثير بصوت منخفض، وتختار ألا تصرخ، لتبقى في منطقة آمنة بين الاعتراف والكتمان، وبين الكشف والتخفف. وربما في هذا الاختيار تكمن قوتها وحدودها معًا.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية