المرأة القيادية مطلب الأمة

سميرة بيطام

لعل الصراع الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية على السواء هو صراع موحد بين ضفتي التجاوزات التي  تتعرض لها نساء آخر الزمان، ولست أعني بمقالي هذا أي امرأة امتزجت فيها صفات الانحراف والحيد عن طريق الله ، بل أعني المرأة التقية العفيفة الصادقة الطاهرة، تلك المرأة التي تملك الكبرياء في أخلاقها واستقامتها وتتصدى لأعاصير وأهازيج التعسف والظلم بكل ما لديها من سلاح الحق والردع ، ولا يُحسب عليها الضعف أو عدم المواجهة لجنس الرجال  كتقليل من شأنها أو دورها ، بل هو عفاف منها في عدم الخوض فيما يقلل من صمت أنوثتها وشموخ كرامتها وعفة أخلاقها.

فكثيرون من لا يتفهمون قوة المرأة المستقيمة على دين ربها المتبعة لسنة نبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيخوضون فيما لا يجب الخوض فيه ، بأن يلفقوا أشكال الإساءة الى هذا الصنف المميز والرائد من النساء ، من أبين الا أن يقتفين أثر الصحابيات الجليلات في عصرهن، المبشرات بالجنة  أمثال  المعصومة فاطمة الزهراء ،وزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ميمونة بنت الحارث وأم سلمة وابنة حبيبنا رسول الله المعصومة فاطمة الزهراء والقائمة طويلة بأسماء طاهرات صنديدات هن شوامخ من نساء العالمين ، بارك الله في أنوثتهن وعقيدتهن.

لا شك أن الأمة العربية والإسلامية اليوم تمر بمخاض عسير ، اذ به يأخذ من الوقت والتكهنات والتنبؤات على ما سيحصل في سياسات الدول وبرامج التغيير لديها حيزا أطول من الزمن رغم مرور الوقت بسرعة، وفي ذلك كله محور التنافس والتسابق نحو القيادة العالمية، وأي قيادة ؟،بدء بتلك التي نالت الكثير من المفاهيم في عصور وأزمنة سابقة بقيادة نساء وقعهن أسمائهن بمداد من ذهب أمثال الملكة سبأ أو كما تدعى بلقيس واشتهارها في قصة وفودها الى الملك  سليمان وكيف أن أبحاث وقراءات عديدة وضحت أن مقر هذه الملكة هو اليمن ،وهي التي اشتهرت بذكائها وحنكة اختبارها لمحدثيها ، بمسائلتها للملك سليمان عند قدومها اليه ذاك السؤال الشهير لها :

ما هي السبع التي تخرج، والتسع التي تدخل ، والاثنان اللذان يقدمان شرابا  والواحد الذي يشرب؟. وهو ترتيب اختباري للملك لمدى قدرته على استيعاب مراد الملكة بلقيس، وليس هذا فقط كمحور اختبار لحكمة الملك سليمان، بل كان الهدف من هذا الاختبار الشفوي هو امتحان لدين الملك سليمان ، في أن تضع بلقيس نفسها في موقف المختبر والمواجه بلا خوف أو سوء ثقة في نفسها، ما يؤهلها لأن تقوم بأدوار أخرى إضافية مادامت تتمتع بهذا الحس العالي من الفطنة ورجاحة العقل.

وفي مضمون الروايات الكثيرة عن سيرة الملك بلقيس ، اتضح  منها أن دور المرأة القيادي كان قديما جدا ويمتد لعصور وأزمنة سابقة شهدت مرور حضارات عديدة بابلية كانت أم مصرية، آشورية أم كنعانية في تفاصيل الجذور القديمة لمكانة المرأة في مجتمع سادت فيها بدورها القيادي البارز ، وازداد هذا الدور وضوحا  في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أولى عناية ومكانة راقية ومرموقة للمرأة  كونه القدوة التي أعطت النموذج الراقي في كيفية تعامله مع نسائه وبناته ونساء عشيرته وحتى نسوة من قبائل أخرى ، وفي أحاديث عديدة منها جاء التأكيد على ضرورة الحفاظ على مقومات المرأة  ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : 

 “استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فاستوصوا بالنساء خيرا” ، هي وصية تحمل بين طياتها حث رسولنا الكريم على ضرورة حسن المعاملة وتكريم المرأة بالحفاظ على مقومات الكرامة والعفة لديها وعدم ايذائها بلا وجه حق أو محاولة الانقاص من شخصيتها التي هي عنوان الاستقلالية المشروعة لديها، ككيان كرمه الله بالعقل ومنح لها امتياز الأمومة ورخصة تكوين جيل يعول عليه في بناء الأمة.

هذه الأمة التي وكما قلنا هي في مواجهة صريحة للتحديات والخطوب التي باتت تطرق كل شبر من الشرق الأوسط وحتى في دول أخرى تعكف على قرع طبول الحرب إيذانا لتغيير الخريطة الدولية وفرض واقع جديد مع تقسيمات مستحدثة تعطي للنظام العالمي وجها آخر غير الذي هو قائم اليوم، وما تشهده الأنظمة العربية من تغييرات وتبديل للأنظمة فيها تحت ضغط شعبي ، انما هو ايذان بتغلغل جديد تحت غطاء التحرر من الظلم والجور، وفي الحقيقة قد يكون السبب مختلف تماما عما يبدو ظاهريا ، ولربما يكون الاستعداد للقيادة يمنح الفرصة لجيل آخر في أن يساهم في القيام بالواجب الذي تحتاجه الأمة كمطلب ضروري للخروج من أزماتها العديدة، والتي لو أديرت من زاوية التغيير والتجديد لوقع الطلب على فئة النساء كونهن عمادة وقوامة الأسرة والمجتمع، والقوامة الرجالية بالنص القرآني هي من باب تحمل المسؤولية في النفقة والوقوف سندا للمرأة في كفاحها ومجهوداتها العديدة .

وحفاظا على البناء الأسري كان لزاما على المرأة أن تتحلى بصفات جوهرية تجعل منها المعلم والمعطي والمثابر في جملة من خصال الصبر والتضحية والاستماتة، وقلما تجد الرجل صبورا في مناحي معينة من الحياة التي تقاسمه فيه المرأة سواء أخت أو زوجة، ماعدا ما ُحيل له من مهام المسؤولية الصعبة بناء على  البنية الجسدية التي تؤهله لأن يكون المتقدم نحو حمل الأعباء الثقيلة التي لا تقوى المرأة على حملها.

وكون المرأة عنصر أساسي لا يمكن  الانقاص من قيمتها ودورها القيادي ، فقد كان لنا في سيرة السلف الصالح خير العبر والنماذج والقدوات التي تحاول اليوم مناهج التغريب اسقاطها أو تحويلها عن فطرتها السليمة التي جبلت عليها وهذا من أجل اضعاف وانقاص شأن أمة الإسلام ، ولنا رائدات كثيرات سجلن أسمائهن بماء الذهب وبقين أسطورة تسحب حكاياها من أدراج التاريخ مثل بطولات رفيدة الأسلمية والتي شاركت في معارك عديدة وكانت أول ممرضة في الإسلام، وأم عمارة التي قدمت الغالي والنفيس وكانت ممن شهدن بيعة العقبة ، وخولة بنت الأزور وزبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد والتي عُرفت بقيامها بأعمال الخير منها أنها هي التي مهدت الطريق المؤدي للحج من العراق حتى بلاد الحجاز ،وصولا الى العصر الحديث في خوض النساء كوجه آخر من القيادة التي كانت مرتبطة ارتباطا مباشرا بالسياسة ،على الرغم من صعوباتها، الا أن البعض من النساء قدمن خدمات لبلدانهن وغادرن مكاتبهن تاركات بصمتهن المميزة منهن : رئيسة الأرجنتين كريستينا فيرنانديز، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ايلين جونسون سيرليف ، تساي اينغ وين زعيمة المعارضة التايوانية  ، غلوريا أرويو وغيرهن كثيرات ممن احتفظ التاريخ المعاصر بنشاطهن المميز عند قيادة البلاد ، وكل واحدة وما تركته من حصيلة أعمال غيرت مسار الإنجاز نحو وجهة جديدة من التحول باتجاه نهضة رائدة.

أما بالنسبة للأمة العربية اليوم ، فهي تشهد مخاضا عسيرا بسبب الحرب التي تنتشر كالهشيم معلنة مخطط تقسيم الدول الى دويلات وانفاذ مشروع  استنزاف الخيرات أينما وُجدت ، ولا ضير أن القارة السمراء لها من الغنى الثرواتي ما يجعلها محط اهتمام ومراقبة بصفة دائمة ، والذرائع نجو الاستنزاف قائمة تحت أي مسمى كان ، وان كان الطرح في الحاجة للمرأة القيادة هو بسبب  جملة الإخفاقات التي تسجلها بعض المساعي لمن لم يتقن أصحابها فن البناء والاصلاح ،فغدت بذلك المرأة المطلب الأساسي كأم ربة بيت بالدرجة الأولى وكأستاذة في الجامعة وكطبيبة في المستشفى وكوزيرة في منصب انفاذ المشاريع المبرمجة في الطرح الحكومي ، ولا يجب استصغار أدنى جهد مهما بدى ضئيلا منها ، لأن الأمة اليوم بحاجة الى المرأة القيادية بتمام التوجيه والاشراف على الإنجاز حتى لا يبقى حكرا على الرجال فقط، ومن يشك في قدرة المرأة على الدور القيادي فالتاريخ يرد على هذا التشكيك بذكر البطولات الثورية التي قامت بها المرأة الجزائرية ابان الاحتلال الفرنسي، والنموذج القيادي للمرأة الماليزية التي تؤدي دورا بارزا كونها مديرة لبيتها ولمشاريع الحياة لديها ولها الأسبقية على الزوج في ذلك وهذا راجع للنسق الاجتماعي وحتى السياسي الذي أولت الحكومة الماليزية للمرأة هذه المرتبة الرفيعة ، ولا عجب  في أن تبدو ملامح النهضة والتطوير بين أعين من يسافر في رحاب هذا التفوق المشهود له بالتطوير  في بلدان تغير واقعها كثيرا والمدقق لهذا التحول سيفهم  أن المرأة عنصر فعال لا يستهان به ان هي وجدت البيئة والمحفزات والدوافع التي تمنح لها الفرص الذهبية في أن تقوم بواجبها القيادي والذي لن يكون حكرا على المجال المهني أو السياسي بصفة عامة بل الأساس فيه هو الأسرة التي يجب أن توليها المرأة العناية الخاصة وفق ما نص عليه ديننا الحنيف وسنة نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم ،مصداقا لقوله : “الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة “.رواه مسلم.

ومع كل تحول عالمي جديد ، تثبت  البوصلة نحو تثمين وتحفيز دور المرأة القيادي ودعمه بشتى السبل والطرق واحتوائه الاحتواء الأمثل  لتقديم المساهمة الفعالة والضرورية ضمن ما تشهده الأمة العربية من محن بسبب الحرب التي انطلقت شرارتها في غزة يوم السابع من أكتوبر الماضي، معلنة بداية تغيير جغرافي وسياسي يشمل الشرق الأوسط بمختلف مقاييس الخريطة الجغرافية ،ولربما ما تعانيه الأمة من ألم ومشاهد الدمار التي بدأت تأتي على الأخضر واليابس ، حري اليوم أن تستبق العقول ضمن تواتر الأحداث وسرعتها  نحو رفع مستوى الاهتمام بالأوليات ودعم مخرجات الحلول التي تكون إضافة في القضاء على ظواهر في شكلها الاعتيادي نزاعات  ولكن مضمونها تردي نحو مستويات لا تخدم الصالح العام ولا الخاص الا بالعودة الى حياة النظام والعمل الجاد وتوظيف الوازع الديني الذي يقلل من الجريمة والسلوكات السلبية التي اقتربت في أن تصح عرفا ، والقانون والشرع يحاربانها.

فعلى المرأة وبالأخص المكافحة والمناضلة والصبورة والمحتسبة والتي تحمل بين جنبات شخصيتها كل الصفات التي تؤهلها لأن يكون لها دور قيادي في أن تعمل خالصة لوجه الله تعالى وأن تقدم ما تستطيع تقديمه مادامت تراعي في سلوكها ما يأمرها به دينها الحنيف من ضرورة احترام الحدود التي تشكل خطرا على هويتها وانتمائها العريق للاسلام ، أما المثبطات التي تقف حائلا في طريقها نحو القيام بواجبها  ما هي الا اختبارات لمدى استمرارها في أن تبقى القائدة في دولة نفسها وفي أمتها التي لا شك باتت تنظر لهذا الصنف المميز والمبدع من النساء كمطلب أساسي للانبعاث الحضاري، والذي انتظرته طويلا مع قدوم جيل يليه جيل من القادة ولكن التأخر الملاحظ في احداث نهضة حقيقية ربما سببه تأخير دور المرأة القيادي أو تقليل شأنها في القيادة لسبب من الأسباب التي ربما هي معلومة، او تبقى مجهولة بحكم ان المجتمع العربي لا يزال يرفض أن تقوم المرأة بدور قد يشكل تنافسا على قوامة الرجال  وهو ما وجب على الأمة تصحيحه قبل فوات الأوان تزامنا مع الحرب التي أوشكت أن تصبح شاملة، بأن تهتم بالأولويات في الاستثمار في جميع الطاقات الفاعلة سواء نسوية أو شبابية ، فالعبرة بما عانته دول هي اليوم تحت طائلة ويلات الحرب، ومن يريد النجاة أو على الأقل الخروج بأقل الخسائر أن يعد العدة اللازمة والتي ربما وقتها ستسقط الكثير من الاعتبارات التي لم تكن مبنية على أساس صحيح حين أرادت ولا زالت تريد أن تبقي المرأة سجينة بيتها وفقط مثقفة كانت أم ذات مستوى عادي.

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!