بين الأزمنةِ كان هناك حياءُ الدين،
رجلٌ ذو اللحيةِ البيضاء،
لا يعرفُ التجارة،
ولا البيعَ والشراء،
ولا حتى ساكني مدينته،
يشبهُ الثوبَ الأبيضَ الذي
لا يرتديه إلا القلّةُ،
يُحجَبُ النورُ عنه،
فقد يتّسخُ بأيِّ شيء،
جميلُ المظهر،
به من الرُّقيِّ ما يجعله ككنزٍ نادر.
حتى جاءتْه امرأةٌ فاتنة،
عاشرته بضعَ دقائقَ لترتدي
خمارها من الأعلى،
وتكونُ من الأسفل كراقصاتِ الشرق،
خلاخيلُ تُزيّنها،
وحذاءٌ برّاق.
نظرتْ إلى عيني حياءِ الدين،
فزيّنتْ عيناه بعدستين تعكسان
حقيقةَ المرء.
لكنَّ حياءَ الدين
لم يكن ينظرُ إلى الخمار،
ولا إلى البريقِ المتدلّي من قدميها،
بل كان ينظرُ إلى ما وراء الزينة،
إلى ارتعاشةٍ خفيّةٍ في صوتها،
وإلى سؤالٍ صامتٍ في عينيها.
كان يعلمُ أن الثوبَ الأبيض
لا يخافُ السواد،
بل يخافُ أن يعتادَه.
اقتربتْ أكثر،
تبتسمُ ابتسامةً نصفُها ثقة،
ونصفُها اختبار.
قالت:
“ألا ترى الجمال حين يمرّ أمامك؟”
فأجابها بصوتٍ
لم يكن فيه قسوة،
ولا ضعف:
“أرى الجمال،
لكنني أبحثُ عمّا يبقى
حين يسقطُ الضوء.”
سكتتْ لحظة،
وتعثّرت خلاخيلها بصمتها،
كأن الرنينَ انكسر.
وفي تلك اللحظة
لم تعد الفتنةُ زينةَ جسد،
بل صارت مواجهةً
بين قلبٍ يريد أن يُجرَّب،
وروحٍ اختارت أن تبقى نقية.
مدّت يدها قليلًا،
ثم سحبتها،
كأنها أدركت أن بعض القلوب
لا تُشترى،
ولا تُستدرج،
بل تُحترم.
وغادرت.
وبقي حياءُ الدين
كما هو—
ثوبًا أبيض،
قد يلامس الغبار،
لكنه لا يسمح له
أن يسكنه.
ويا كلَّ فتاةٍ تظنُّ أن الحياءَ ضعف،
أو أن الجسدَ طريقٌ للانتصار،
تذكّري:
الأنوثةُ ليست في لفتِ العيون،
بل في حفظِ النفس حين تُفتَحُ الأبواب.
ليس كلُّ من أعجبته زينتكِ قدّركِ،
وليس كلُّ من صمت أمامكِ عجزَ عنكِ.
الحياءُ ليس قيدًا،
بل تاجٌ لا تراهُ إلا القلوبُ النظيفة.
فإن سقطتِ من عينِ نفسكِ،
فلن يرفعكِ تصفيقُ العابرين.
فالحياء…
ليس خوفًا من الناس،
بل احترامٌ للنفس
حين لا يراكِ أحد.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية