في الجنوبِ الذي يتكوّرُ كجمرٍ تحت كفِّ البحر،
تتمايلُ الطرقُ مثلُ ثعابينَ فقدتْ جلدَها القديم،
تصعدُ من الحقولِ رائحةُ أمٍّ
كانت تفتّشُ في جيوبِ الغيم عن خبزٍ لصغارها،
فتسقطُ الحروبُ على كتفيها
مطراً لا يريدُ أن ينتهي.
الجنوب…
يا حدائقَ الرمادِ
يا نجمةً تهربُ من المرآة كلّما حاولتُ وصفَها،
كيف استطعتَ أن تجمعَ بين نصلِ السكين
وترنم طفلةٍ ترسمُ بيتاً من طباشيرٍ مكسورة؟
هنا،
يمشي الناسُ على الطريقِ نفسه
لكنّ خطاهم ليست هي خطاهم:
أقدامٌ تتعلّمُ الشكَّ،
أقدامٌ تحفظُ أسماءَ الراحلين،
وأقدامٌ أخرى تُفتّش عن نافذةٍ
يمكن أن تنامَ فيها المدينةُ ساعةً واحدة
من دون أن تفزعَ من صرخةِ كهرباءٍ أو من هديرِ مصفحة.
في ليلِ الجنوب،
تلمعُ السفنُ عيوناً ساهرةً،
تراقبُ الشاطئَ الذي صارَ خريطةً بلا اتجاه،
الأمواجُ تُعيدُ تدويرَ الحكايات:
تارةً تُشبهُ أسطورةً قديمة،
وتارةً تُشبهُ أريكةً جلس عليها الغبارُ
فأصبحَ مألوفاً.
وحده الجنوب
يعرف كيف يخلقُ من الخرابِ موسيقى.
من جدارٍ مثقوبٍ تنبتُ قصيدة،
ومن طابورِ انتظارٍ طويل
ينهضُ عاشقٌ يخبئُ وردةً في كمّه
لعلّها تنقذُ نهاراً كاملاً من الغرق.
التخلق هنا
يشبهُ ضيفاً لا يطرقُ الباب،
يدخلُ، يبعثرُ المقاعد،
ويتركُ على الأرضِ شيئاً يشبهُ الأمل…
أملاً بعينٍ واحدة.
يا جنوب،
يا جرحاً يلمعُ في الضوءِ
مثلَ سيفٍ يرفضُ الصدأ،
أنت لا تنكسر،
أنت فقط تُجرّبُ أشكالاً مختلفة من الوقوف،
وكلّما سقطتَ
أعدتَ ترتيبَ الهواء حولك
لتصنعَ سماءً جديدة،
وما أكثر السماء في قلبك.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية