أعترفُ أنّي كُلَّما حاولْتُ شَرْحَ حُبِّكِ لهم
اخْتنقَ الكلامُ في فَمِي وتلَعثمتُ.
سُوريَّتي ليستْ نشِيداً يُحْفَظُ عَنْ ظهرِ قَلبٍ
وَلَا صُورةً تُعَلَّقُ في صفِّ قَلبيَ المدرَسِيِّ.
سوريا تُشبِهُ طبخةً قديمةً
تُطْهَى على نارٍ غيرِ مرئيَّةٍ،
نارِنَا الأصفَى،
نَارِ الأُمَّهاتِ اللَّواتي يَعرِفنَ
أَنَّ الوقتَ وحدَهُ يَجعَلُ الطَّعمَ مَفهُوماً ،
وقتمَا لَا يَجرُؤُ أحَدٌ على سُؤالِهَا عَمَّا وضعَتْ فِي القِدرِ
منْ مُكوِّناتٍ
لِأنَّ الطَّلبَ بِحدِ ذاتهِ
يُفسِدُ الرَّائحةَ.
الكُلُّ يأكُلُ،
ثُمَّ يقولُ: هذا طَعمُ بَيتِنَا.
حتَّى المُختَلِفُونَ على المائدةِ
يتَّفِقُونَ سِرّاً
أَنَّ اليدَ الَّتي طبخَتْ
كانتْ واحدَةً.
وأُذْكرِكُمْ
أَنَّ سوريا لمْ تكُنْ يوماً فِكرَةً صافِيةً،
بلْ تجرِبَةً مُشْبِعةً رُغْمَ كُلِّ شَيْءٍ،
في طبقٍ يُقَدَّمُ دُونَ شَرحٍ.
وأَنَّ الْأَيْدِيَ الَّتي امْتدَّتْ إِلَى المَغْرَفَةِ
لَمْ تَكُنْ دَوْماً حانِيةً،
لَكِنَّ الرَّائحةَ…
كانتْ دائماً رائحةَ بيتٍ دِمَشقِيٍّ.
جَمِيعُنَا نَأْكُلُ مِنْ صَحنِهَا، ليسَ لِأَنَّنَا مُتشابِهُونَ في الذَّائقةِ،
بلْ لِأَنَّ جُوعَنَا واحدٌ،
وذَاكرَتَنَا مُتَّفِقَةٌ على أَنَّ
مائِدَةَ الوطَنِ — مَهْمَا تَصدَّعَتْ —
ما زالتْ تتَّسعُ لِتَلُمَّنَا.
ومَنْ يُحصِ الْمَكَوِّنَاتِ
فَاتَتْهُ لذَّةُ الطَّعْمِ.
ومَنْ يَخَفْ مِنْ توقُّعَاتِ الآخَرِ
لمْ يجلِسْ طويلًا بِما يكْفِي على موَائِدِهَا
لِيتلَذَّذَ بِالمحبَّةِ الَّتِي تبقَى
حينَ يَبْرُدُ كُلُّ شيْءٍ،
إِلَّا النَّارَ حينَما
تَتْرُكُ الحُبَّ
يُكمِلُ الطَّهيَ.
و أُذْكُرُنِي…
كَبُرْتُ على رائِحتِكِ المَوْصُوفَةِ بِاليَاسمِينِ،
قَبْلَ أنْ أَفهمَ أَسمَاءَ أَحيائِكِ،
وقبلَ مَعرِفَتِي كيفَ يُقَسَّمُ النَّاسُ مَذَاهِبَ فِيكِ.
فِيكِ بُيُوتُ العِبَادَةِ أَقْدَمُ مِنَ الخِلَافِ،
وَالخُبزُ أَسْبَقُ مِنَ السُّؤَالِ.
وَأنتِ أُمُّنَا الَّتي لَا تَشْرَحُ
لِماذَا تَطبُخُ لِلجميعِ؛
لِأَنَّكِ يَا غادَةَ القَلبِ عَادَتُهُ الأَجملُ.
وَحِينَ نُحَاوِلُ شَرْحَكِ
نُفْسِدُكِ،
كَمَا نُفْسِدُ الطَّبْخَةَ
حِينَ نَرفَعُ الغِطَاءَ كَثِيراً.
سُورِيَّتُنَا ليستْ مكاناً نَخْتَلِفُ علَيْهِ،
هيَ الْحَيِّزُ
الَّذي نختلِفُ فِيهِ،
ثُمَّ نَبقَى لِنَفُضَّ الخِلَافَ سِلمِيّاً
وَهَذَا
أَقْسَى أَشْكَالِ الِانْتِمَاءِ
وَأَصْدَقُهَا.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية