صلاةٌ على أنقاضِ الذات/بقلم:وسيم الزبيري

لم يكن السقوطُ مفاجئاً،
كانَ بطيئاً كتآكلِ حجرٍ تحتَ مطرٍ لا يتوقف.
كنّا نراقبُ أنفسنا ونحنُ نتفتتُ من الداخل،
ونبتسمُ،
كمن يُرتّبُ أزهاراً على قبرٍ لم يُعلَن
عنهُ بعد.
الروحُ لا تموتُ دفعةً واحدة.
تموتُ بالتأجيل.
بكلِّ غداً سأتوب،
بكلِّ صلاةٍ أدّيناها ونحنُ نُفكّرُ
في غيرِها،
بكلِّ ذنبٍ صغيرٍ قلنا عنهُ:
لن يُحصيَهُ أحد.
لكنّ أحدًا كانَ يُحصي.
ونحنُ كنّا نعرف.
،
،
ثمّةَ غرفةٌ في كلِّ واحدٍ منّا،
لا نفتحُها إلّا حينَ تضيقُ بنا ممراتُ الدنيا.
غرفةٌ رائحتُها تُشبهُ رائحةَ المساجدِ القديمة، والصوت فيها يُشبهُ صوتَ أمّهاتِنا وهنَّ يدعونَ لنا
في الثلثِ الأخيرِ من الليل.

نعرفُ أنّها هناك.
لكنّنا نتجاوزُها يومياً،
نسيرُ في ممرّاتٍ أخرى:
ممرِّ الغرور،
ممرِّ الشهوة،
ممرِّ الانشغالِ بما لا ينفع،
حتّى تنسدَّ جميعُها.

فلا يبقى أمامنا إلّا بابُها.
وعندها فقط — لا قبلها — نطرقُهُ باكين.
،
،
رأيتُ رجلاً يزرعُ ظلَّهُ
في تربةٍ يابسة
وينتظرُ أن يُثمرَ
يقيناً.
رأيتُ امرأةً تخيطُ ثوبَها
من دخانِ البخور
ثمَّ تشتكي أنَّ
الريحَ تعرّيها.
رأيتُ أطفالاً يبنونَ قلاعاً
من تسبيحاتٍ
لم يفهموا معناها
لكنّهم أحسّوا بدفئِها.
رأيتُ مدينةً
بأكملِها
تُصلّي صلاةَ الاستسقاء
وعيونُها جافّة.
والسماءُ
لم تكن غاضبة.
كانت تنتظرُ دمعةً
واحدةً صادقة.
،
،
رمضانُ ليسَ شهراً.. رمضانُ سؤال
السؤالُ ليسَ: هل صُمت؟
السؤالُ: هل جُعت؟
لا أعني جوعَ المعدة.
أعني ذلكَ الجوعَ الذي يجعلُكَ
تقفُ في الركعةِ الأخيرة
وتنسى أنّكَ أنت،
فلا يبقى إلّا:
عبدٌ
وربّ.
رمضانُ لا يطلبُ منكَ أن تكونَ كاملاً.
يطلبُ منكَ أن تعترفَ أنّكَ مكسور.
وأنّ الكسرَ ليسَ عاراً.
العارُ أن تلصقَ شظاياكَ
بالكبرياءِ بدلاً من الدعاء.
،
،
المسافةُ بينَ يديكَ وبينَ السجّادة
تلكَ المسافةُ الصغيرة
سنتيمتراتٌ قليلة بينَ راحتيكَ
والأرض
هي أطولُ رحلةٍ يقطعُها الإنسان.
لأنّكَ في تلكَ السنتيمترات
تخلعُ كلَّ شيء:
لقبَكَ،
حساباتِكَ البنكية،
صورتَكَ أمامَ الناس،
وتصلُ مجرّداً تماماً
إلى الموضعِ الوحيدِ الذي
يُلبِسُكَ اللهُ فيهِ كرامتَك.

،
،
لا ختامَ لهذا النص

لأنّ التوبةَ ليسَ لها خاتمة.
هي بابٌ لا يغلق:
ندخلُ،
نخرجُ،
نعود.
المهمُّ أن نعود إلى الله..

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!