رغم أن الشيب قد خطّ على جبيني خيوطه الفضية،
كأنما يرسم خريطة عمرٍ مضى،
ما زلتُ أضمّ نفسي إلى قافلة الأيتام،
لا خجلًا،
بل وفاءً لذاك الوجع الذي لم يبرأ.
كلما سمعتُ صوتًا صغيرًا
يتهجّى كلمة “أمي”،
كأنما يُنقش على جدار قلبي جرحٌ جديد،
أو كأنّ الذاكرة تُشعل فتيل الحنين في صدري،
فتستعر نارٌ حسبتُها خمدت منذ زمن.
أذوق طَعم اليُتم من جديد،
لا كذكرى،
بل كواقعٍ يتجدد مع كل نداءٍ بريء.
دموعي تنهمر،
لا أقاومها،
بل أُفسح لها الطريق،
فما فائدة الدموع
إن لم تُسكب على فَقْدٍ لا يُعوّض؟
وما جدوى الكبرياء
أمام وجعٍ يتسلل من بين الضلوع كلما نادَى طفلٌ أمَّه؟
أنا اليتيم
الذي لم يكبر من الداخل،
وإن كبرت ملامحه.
أنا الذي ما زال يبحث عن حضنٍ لم يجده،
عن رائحة قهوةٍ كانت تُعدّها أمه
في صباحاتٍ لم تكتمل.
وحين يحين موعد الرحيل،
حين تُغلق الستائر وتُطوى الصحائف،
سأمضي بخطى مطمئنة،
لأنني أعلم أن هناك،
في الجنان،
ستنتظرني أمي.
ستفتح ذراعيها،
وسأرتمي فيهما كما لم أفعل من قبل،
وسأجد حينها الأمان…
الأمان الذي ظلّ غائبًا منذ أن غابت.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية