شبح الحياة/بقلم: ريم درويش

 

استيقظ من نومه مذعورًا، يلهث كمن أفلت تواً من فم الموت، وهرع مسرعًا إلى أمّه، يرتجف جسده الصغير، وتكاد ركبتاه تخونانه من شدة الخوف. كانت شفتاه ترتعدان، وجبينه يقطر عرقًا بارداً، وعيناه زائغتان كأنهما لا تزالان عالقتين في مشهدٍ لم يزل يتّقد في ذاكرته كالنار.

قال بصوتٍ متقطّعٍ مبحوح:
ــ كاد القطار أن يدهسنا، أمي… أجل، كاد أن يدهسنا! كنتُ ممددًا على القضبان، مربوطًا بحبلٍ غليظ لا أقوى على فكه، وكنتُ أصرخ بأعلى صوتي لعلّ أحدًا يسمعني، لكن الصمت كان كثيفًا كالموت. لم يكن هناك أحد يا أمي… لا أحد. والقطار يقترب… أسمع صفيره يملأ السماء، وأرى دخانه الأسود يلتهم الأفق. كنت أرتجف وأبكي وأصرخ… ولكن لا فائدة! اقترب أكثر… حتى صرتُ أرى النيران في فوهته، وعندما لامس الحديد جلدي، صرخت صرخةً أيقظتني من نومي! يا أمي، لقد كان كابوسًا مرعبًا… كدتُ أموت فيه!

وضعت الأم يدها على رأسه بحنوٍّ عميق، لكن ملامحها لم تكن كعادتها… كانت نظراتها غامضة، عميقة، كأنها ترى ما وراء الحلم. قالت بصوتٍ متهدّجٍ يشوبه الأسى:

ــ لا، يا بني… لم يكن ذلك حلمًا، لقد كان إنذارًا. ذاك طيف الحياة جاء يوقظك قبل أن تغرق في غفلتك. إنك تهمل روحك، وتتهاون في ما تفعل، وتظن أن الأيام تمضي عبثًا، وأن الحساب بعيد. لكن الحياة، يا ولدي، لا تغفر لمن ينام عنها.

تسمرت عيناه في وجهها، خيّل إليه أن ظلاً غريبًا يمر خلفها، وأن الريح التي عبرت الغرفة همست باسمه. شعر بقشعريرة تسري في أوصاله، وتراجع خطوةً إلى الوراء.

ــ إنذار؟! ممّ يا أمي؟ ماذا فعلتُ أنا؟

اقتربت منه، لمست وجنته بحنانٍ ممزوج بالخوف، وقالت بصوتٍ كأنه آتٍ من عالم آخر:
ــ لأنك تركت قلبك يتيه في طريق لا نور فيه، إن للحياة طُرقًا خفية تُنذرنا قبل أن تَخذلنا، فاحذر أن يمر الإنذار ولا تصحو، فبعض الأحلام ليست أحلامًا… هي نداء أخير من الله قبل السقوط.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!