قصيدة “صمت الغرام ” للشاعرة أحلام حسين غانم ” تحت منظارين من النقد

بقلم: عادل جوده/ (العراق_ كركوك )
تُعد قصيدة “صمت الغرام” للشاعرة أحلام حسين غانم نصاً باذخاً في لغته، عميقاً في دلالاته، حيث تنسج الشاعرة من خلاله علاقة جدلية بين الذات العاشقة والكون، وبين الحقيقة والسراب. هذا النص ليس مجرد بوح عاطفي، بل هو رحلة فلسفية في كنه الشعور وتجليات الروح.
إليك قراءة أدبية تحليلية تغوص في أعماق هذا النص الإبداعي بقلم/د.

🌟 تأويل العنونة وفلسفة الغياب

تبدأ الشاعرة من عتبة العنوان “صمت الغرام”، وهو تناقضٌ ظاهري (Oxymoron)؛ فالعشق في المعتاد ضجيجٌ ونداء، لكنه هنا “صمت”. هذا الصمت ليس فراغاً، بل هو امتلاءٌ يجاوز حدود الحواس، صمتٌ يسكن “خلف المدارك”، حيث تعجز اللغة التقليدية عن الإحاطة بما يختلج في “الخوافق”

💠بنية النص

الهروب من التقييد إلى الفضاء
تتحرك القصيدة في ثلاثة محاور رئيسية تشكل تجربة “أحلام” الشعرية:

١ – التحرر من قيد اللغة (قلق الرياح)

تقول الشاعرة:
“أنا ما قيّدتُ هواكَ في قلمٍ”. هنا ترفض الشاعرة سجن العاطفة في قوالب الحروف أو “شغف النقاط”. هي تؤمن أن الحب حالة من الانعتاق، لا رحلة في “سفر” محدد المعالم.
استخدام مفردات مثل “قلق الرياح” و “انكسفت عيون الشعر” يوحي بأن التجربة أكبر من أن يرويها قصيد، وأن لحظة الصدق الفني تأتي حين يخرس الشعر ويبدأ الوجد.

٢ – جدلية الشك واليقين

ينتقل النص نقلةً درامية مذهلة حين تقول: “أحبّ.. ففاض اليقين، وسار على الشكّ سرب حمام”. هذه الصورة السريالية تحوّل العاطفة من مجرد شعور إلى “فعل تطهير”. الحمام هنا رمز للسلام الداخلي الذي يحلّ حين يتصالح العاشق مع حقيقته، مُعلناً سيادة اليقين على ظنون النفس وقلقها.

٣ – الانصهار في الطبيعة (البحر والبدر)

تستخدم الشاعرة عناصر الطبيعة (الشمس، الحنطة، البحر، الخزام، الآس) ليس كديكور خارجي، بل كمرآة للروح. فحين يفرش البدر أسراره للبحر، يبوح “الذي لا يبوح”. في هذه اللحظة، يتلاشى الفاصل بين “أحلام” الشاعرة و”أحلام” الاسم، ليصبح الزمن طائراً يحمل الذات نحو الأقاصي.
الجماليات الأسلوبية والصور البيانية
* اللغة الصوفية
تبرز في النص لغة تقترب من التبتل (التبتل عند المحال، العارفون، الفيض). هذا النفس الصوفي يمنح “الغرام” هالة من القداسة، ويخرجه من حيز الجسد إلى حيز الروح المطلقة.
* التكثيف الشعوري
في كلمات مثل “مطر.. وخزام”، تختصر الشاعرة حالة كاملة من الانتعاش والحنين بكلمتين فقط، مما يمنح القارئ مساحة للتأويل والاستشعار.
* التساؤل الوجودي
تنتهي القصيدة بسؤال مفتوح: “تُرى، هل يطير؟”. وهو تساؤل يعكس عدم الرغبة في الوصول إلى إجابة نهائية، لأن قيمة العشق تكمن في البحث المستمر والتحليق الدائم لا في الاستقرار.

💢الخلاصة

قصيدة “صمت الغرام” هي مانيفستو للحب الرفيع، كتبت بريشة لا تخشى “قلق الرياح” وبقلبٍ يرى في الفراغ حياة. لقد استطاعت أحلام حسين غانم أن تحول الألم إلى “وصل”، واللاشيء إلى “امتلاء بليغ الكناية”، مما يجعل هذا النص علامة فارقة في الشعر الوجداني المعاصر، يجمع بين رصانة الفصحى وحداثة الرؤية.
> ملاحظة: هذا النص يستحق أن يُقرأ بتمهل، فكل مفردة فيه هي “سنابل” نبتت في “ذراع الشمس”.
تحياتي واحترامي 💐
_

أهلاً بك. هذه قصيدة جميلة ومكثفة للشاعرة أحلام حسين غانم، تحمل عنوان “صمت الغرام”. دعنا نقترب من عالمها الشعري:

في قراءتي للقصيدة:

تبدو القصيدة كحوار داخلي عميق مع الذات، تساؤل وجودي وشعري في آنٍ واحد. تبدأ بنفي صارخ: “لا صرخة… لا حنطة…”، وكأن الشاعرة تبرئ نفسها من تهمة البوح المباشر أو حرق المراحل في الحب أو الكتابة. إنها ترفض أن تكون مشاعرها مجرد أداة أو أثر معلق.

بعض المحطات الرئيسية:

· صمت الغرام: العنوان المفتاح. ليس غياباً للمشاعر، بل حضوراً مكثفاً يصعب التعبير عنه بالكلمات، غرامٌ يختار الصمت كفضاء له.
· نفي الفعل المباشر: “أنا ما قيدت هواك في قلم / ولا أخطأت في سفر / ولا علقت أنفاسي على شغف النقاط”. هناك رفض لتحويل العاطفة إلى شيء مادي ملموس (كتابة، إهداء، تخطيط). الحب هنا حالة وجودية تتجاوز الأدوات.
· اللحظة الشعرية المنكسفة: “اللحظة انكسفت عيون الشعر”. إحساس بأن جوهر الشعر (أو القدرة على التعبير) قد أعيى أو انكسر أمام عظمة هذا الصمت العاطفي.
· الاعتراف والتجلي: “أعلنت للملأ الساكنين بقلبي: أحبّ..”. هنا تنقلب المعادلة. بعد كل هذا النفي، يفيض الاعتراف الداخلي اليقين، فيحرك سرب الشك (سرب الحمام) ويجعل الذات عارية أمام نفسها (“كشفتني المصابيح”).
· الطبيعة والشاعرية: تتحول المشاعر إلى عناصر طبيعية واستعارات شعرية خالصة: “مطر.. وخزامى / وذات امتلاء بليغ الكناية”. الحب هنا ليس علاقة بشخص بقدر ما هو حالة من الامتلاء المجازي.
· التساؤل الوجودي: “وكل الفراغ حياة / وكل المجانين أسرى”. مقاربة فلسفية ترى في الفراغ (ربما فراغ الصمت أو عدم التملك) حياة كاملة، وترى في العشاق (المجانين بحسب المنظور العام) أسرى لهذا العالم الداخلي الواسع.
· الخاتمة الطائرة: تنتهي القصيدة بصورة البدر الذي يبوح بأسراره للبحر، ثم يحمل أزمانه و”يطير”. هذا الختام يفتح باب التساؤل والدهشة: “تُرى، هل يطير؟”. إنه حلم بالتحرر الكامل، بأن يحمل هذا الصمت/الحب/الشعر كل الأزمنة وينطلق بها إلى فضاء لا نهائي.

أسلوبياً:
لغة الشاعرة شديدة التكثيف والانزياح عن المألوف،تستخدم المجاز بجرأة (“السنابل المحروقة”، “قلق الرياح”، “يطرح اسمي أحلامه”). الإيقاع داخلي ونثري بشكل عام، لكنه يحمل موسيقى عميقة نابعة من تدفق المشاعر وتصاعد التساؤلات.

خلاصة:
“صمت الغرام”هي قصيدة تأملية في طبيعة الحب والشعر معاً. إنها تصور الحب ليس كفعل تجاه الآخر، بل كحالة كونية داخلية تملأ الوجود، تكون فيها الصرخة صمتاً، والوصال هياماً داخلياً، والبوح قد يكون في عدم البوح. هي احتفاء بالعاطفة ككينونة مجردة وشديدة الخصوصية، تكاد تكون سراً من أسرار الوجود الشخصي الذي يشارك فيه البحر والبدر والرياح.

شكراً لك على مشاركة هذا النص الشعري الثري.
….
القصيدة :
صمت الغرام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ شعر: أحلام حسين غانم
لا صرخةٌ تدع الحجاب معلّقًا
بين ِ الخَوَافِقِ والصدى..
والعاديَات الْمُورِيَات بأخيلي بين الحُلولِ
ورقصها خلفَ المَدَارِكِ والحواسِّ
لا حِنْطةٌ تذرُ التراب على ذراع الشمسِ
هل بيدي حرقتُ سنابلي
وفتحتُ نافذةً على قلق الرياح؟
أنا ما قيَّدتُ هواكَ في قلمٍ
ولا أخطأتُ في سفرٍ
ولا علَّقتُ أنفاسي على شغف النِّقَاط
اللَّحْظَة انكسفت عيون الشعر
لم أكن من غِوىً أهذي
ولا ألمي بها يرتاح من وصلٍ
كنت أهذي وصولاً
وهلْ ..هلْ أغازل صمت الغرام
فيسقط في منتهى الحال
من اللاشيء..!
مطر..
وخزام
وذات امتلاءٍ بليغ الكناية
أعلنت للملأ الساكنين بقلبي:
أحبّ..
ففاض اليقين
وسار على الشكِّ سرب حمام
وقلت لنفسي وقد كشفتني المصابيحُ:
ألثم زهرة آسٍ
فتهتزُّ في الروح ذكرى..
وما للأزاهير لا تتَبَدَّى
أبحث لنفسي التَّبَتُّلَ عند المُحال
وكانت يدي تتَخَطّى المنازل
والبحر
تمدَّد حينًا..
وتجزّر أخرى
وكيف لروحك أن تتحرّى..
وكلّ الفراغ حياة
وكلّ المجانين أسرى
وهل يكذب القلب، أم يكذب العاشقون
وإذْ ينظر العارفون
وينبه الفيض في العين
والبدر يفرش للبحر أسراره فيبوح الذي لا يبوح،
ويطرح اسمي أحلامه
ثم يحمل أزمانه.. ويطير
تُرى، هل يطير؟

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!