قراءة أسلوبية في مجموعة (أيها المحتمي بالأرق) للشاعر شلال عنوز

بقلم: أ.د. مصعب مكي

زبيبة في مجموعة (أيها المحتمي بالأرق) تتصالح الكلمات في ضجيجها، وذرات الرمال الدافئة، وأصوات الطيور المغرّدة، وبهجة الأطفال في أيّام العيد والألفة، وصهيل الخيول الأصيلة، ووجيف القلب النابض بالحبّ، وابتهالات الأمّهات لعودة أبنائهن الغائبين في قبضة النيران، وروائح الأزهار والورود في حدائق الكلمات المطمئنة، وهمهمة الروح المتسامية المتقاربة من حنين الوطن، لا تذهب الأبجدية عنه بعيدًا في توحّده وفرادته وتسير في دورتها الأزليّة النجوم المضيئة: هذا العراقُ ومن سناكَ بريقُه صبًّا يهرولُ في هتافِك عارما واصدحْ فقد غنّى النهارُ وأشرقتْ طهر النفوس فصرنَ فيكَ توائما سقطَ الطغاةِ وأنتَ تمسكُ مجدُها وعلى ذراها كنتَ تنشدُ باسما في مجموعة (أيّها المحتمي بالأرق) تتحطّم الكلمات وتتقاطعُ في دورتِها الأزليّة في مراوغة الثعابين، في قتلِ الأبرياء، في لحظاتِ الرعب، في لحظاتِ الزيفِ والمخاتلة، في تساقط أوراق الأشجار، في رفرفة النفاق، في تناقض الأقوال: ما زلتَ تركضُ في صحراءِ بلقعةٍ لا ظلّ فيها فلا سدرٌ ولا أثلُ تراودُ الريحَ مجنونًا لتسبقها وأنتَ غصنٌ وبالإعصارِ تنفتلُ في مجموعة (أيها المحتمي بالأرق) تتوغّل نار الدموع وتسافر الأحزان، وتشيخ الصبايا، ويُعشق الموت، ويتأطّر الشذا ويتعانق الزهو، وينزف قيثار الأعياد، ويثور العشق، وينبض الحداد. (أيّها المحتمي بالأرق) مجموعة استطاعت أن تضمّ هذا النقيض في ألفة ووئام وتصالح، أراد الشاعر أن يكون من الأرق مساحة من الحرّية، ومن الضجيج الذي يستنزف الوطن فضاء للحلم، فرؤية النصّ تتشكّل من بساطة اللغة الموغلة بالدهشة، الموشاة ببريق الأصوات التي تتوسّع وتكبر لتنتج نصًّا بمساحة وطن، وبمدى اكتشاف وتكهن، فالشحنة العاطفية ساكنة ما أن تمتد إليها يد القارئ حتّى تتفرقع وتنفجر وتحدث الاهتزاز والانبعاث للمياه العذبة، وشلالات العاطفة، والوجدان والإحساس والدلالات والتوقعات والاكتنازات. ما زلت تكتسح الظلام وتلهب أنفا فيشربك السناءُ ويسكبُ طاغٍ بهاك وكلُّ طاغٍ مقفرٌ إلا بهاك على المدى معشوشبُ هي تجربة اضطرام واحتراق وصراع بين عنف التحدّي ونداء الحبّ، بين هواجس الموت، واخضرار الحياة، بين يباب الأرق وانتصار الحرية، لا ثمة رؤية جامدة، ولا ثمة خمول في النسيج اللغوي المتنامي المتصاعد عبر قصائد المجموعة، فلا وجود للفوارق في البنية النصية، أو تعب في مطاردة القافية، فنحن أمام شاعر مقتدر على الصياغة الفنية والربط المتين، وامتزاج ما هو معنوي ومحسوس، بكلمات تدور في فلك الإبداع والجمال والابتكار. الاستعمال اللغوي في نصوص المجموعة (أيّها المحتمي بالأرق) للشاعر شلال عنوز يتحلّى بالمغايرة، وكسر النمطيّة والاعتياد، والمألوف، والمواضعة، فابتداءً بالإهداء يواجهنا هذا الانتهاك والجرأة في الطرح، وتخطّي السائد، فقد جاءت عبارته: (إلى… الوطن الذي يستنزفه الضجيج، وهو يتلمّس الحُلم)، فبهذه اللغة الشعريّة نتلمّس التأثير الإيحائي لها، فالعراق الذي يسنزفه الجشع، والفساد، وتكالب الأعداء، وتناوش المتصيّدين والمنتفعين والمغرضين والعملاء، وكلّ تلكم الفئات المنتفعة الآخذة من موارده وخيراته، وأرواح شبابه؛ تجعله في قائمة الأكثر فقرا وفسادا وقتلا وتهميشا وظلاما واضطهادا، ولكن الشاعر لم يشأ استعمال المعنى المباشر، بل استعمل الأسلوبيّة الإيحائيّة غير الملفوظة، ففي كلّ ما يمرُّ بالعراق من محن ومصائب اختصرها بكلمة واحدة هي: الضجيج، فضجيج السرقة، وعدم الوطنية، والمواطنة غير الصالحة، والادعاء ونهب المال العام، والإرهاب، والتطرف، إلى غيره من الموارد نهشت جسد العراق، ولكنّ العراق على الرغم من فلول الظلام يتلمّس الحلم، ويتلمس الخلاص، والحياة والوصول إلى برّ الأمان بهمّة شعبه المخلص وأبنائه الأنقياء. يقول الشاعر: أنا ذا عراق القحط يشربني الأسى ظمأً فألعق خيبتي وأطيلُ قلقٌ وهذا التيه قاد سفينتي أنّى اتّجهت يلفّني المجهولُ فحالات الضياع والأسى التي ترمز لهما بيتا القصيدة تشير إلى الحسرة والوطنية التي يمتلكها الشاعر، ومدى المرارة التي يستحضرها من عبارة من قبيل: (ألعق خيبتي، قلق عراق القحط، يشربني الأسى، يلفّني المجهول…)، وهي ترمز إلى جدلية المفارقة المتولّدة من الاضطهاد والمأساة التي يعاني منها المواطن الكادح، ولكنّ الخلاص والحرية لا يكونان بالمجان، بل يتطلّبان التضحية ونزف الدماء، والثورة ضد الظلم والإباء، يقول الشاعر في قصيدة (يكتبني الفخر): يُعانقني فخرًا فيكتبني الفخرُ ويجتاح حبًّا حين يُمطرني الشعرُ فأمضي جلّيا في سماء ولائه لأرتدَّ طودًا حيثُ يلثمُني النصرُ وأسمو نديًّا في نسيمِ نقائِهِ فتشربُني الآمالُ ينثرُني العِطرُ تُغنّي جِهاتُ الأرضِ آياتِ مجدِهِ بمولدِهِ المقدامِ يَحتفلُ الفجرُ هو الألقُ المهديُّ ما زلتُ عاشقاً لطلعتهِ الكبرى ليسمو به الدهرُ فدلالة الولاء المحتفية بمولد الإمام المهدي (عجل الله فرجه) تفيض بالجلاء والفخر والسمو والتراكيب ذات الطابع الغنائي وباستعمال الاستعارات النابضة بالحياة؛ إذ يجعل من الفخر إنسانا يعانق ويكتب ويجتاح حبا…. كل هذا يؤيد العلاقة الصادقة التي عقدها الشاعر بينه وبين الإمام (عليه السلام)، وهو تأكيد الإصرار والقناعة التامة على هذا الولاء ورسالة تدلّ على عدم التراجع عن هذا الالتزام الصادق. وقد عمد الشاعر إلى بناء التراكيب بأسلوبيّة الغموض التي تكسر النمطيّة، ولا تعترف بالتقليديّة؛ مع الحفاظ على سلامة النحو، إذ نجده يفتح الباب مشرعًا للتأويل وتعدّد الرؤى وتكاثر القراءات؛ ممّا يجعل المتلقّي يسجل اندهاشه؛ لا من غرابة الألفاظ وابتكارها فحسب؛ بل في بناء التراكيب غير المألوف لديه؛ من تقديم وتأخير وحذف وإظهار، وما يجود به من استعارات وكنايات بارعة لا تصرح بل تشير وترمز، ومن كثافة تصويريّة فنيّة عبر مشاهد مجازية متداخلة مركّبة، ومن إيجازات لا تحبّذ الإطالة والثرثرة المخلّة في بناء القصيدة، وتضاد ومقابلة وطباق برع فيها الشاعر، واهتم في صياغتها فالغموض الأسلوبي لعبة الكلمات والتأمل والتكامل والدلالات. قال الشاعر: فيها ومنها يطلُّ الزهو والشرف لله درك ما أبهاك يا نجف ففي البيت نلحظ تقديم الخبر (لله) الواجب على المبتدأ (درك)؛ من أجل إنشاء التعجب، والاستعارة المكنية عندما ينادي النجف الأشرف الحبيبة، ويجعل منها شخصا يمكن منادته، والتقديم والتأخير في قول الشاعر: عند السماوة غاضبا متوعدا في القادسية معقل الفرسان تقديم الظرف عند السماوة، وفي القادسية على المبتدأ معقل الفرسان. وتقديم والتأخير في بيت آخر أيضا: في نونها سرُّ كاف الله أودعه فتحا بباب عليٍّ أيّما أزفوا فقدّم الخبر (في نونها)، ليحيل الضمير (في نونها) إلى متقدّم المقصود منه (النجف الأشرف) على المبتدأ (سرّ كاف الله)، ونلاحظ الغموض (كاف الله) ,المقصود منه الإشارة إلى قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، والكاف ترمز إلى القدرة الإلهيّة غير المتناهية والنون تمثل الامتثال والإطاعة لهذه القدرة غير المحدّدة، فالبيت يرمز إلى هذه الأسرار؛ التي اقرنها بالنجف الأشرف التي تشرّفت بالإمام علي (عليه السلام)، فقد أودع الله سرّه ونوره وفتحه في شخصه (عليه السلام). أما إذا ما بحثنا في التأثير الجمالي، فلا نعدمه في المجموعة، إذ تسعى القصيدة بما تلقيه في نفس القارئ من مشاعر، ووجدان، وفكر، لتولد في دواخله الدهشة، والتأمل، والتأثير الجمالي الأخاذ، وهي عناصر اجتهد الشاعر لتوليدها، وإيجادها عبر وسائل وأدوات متعددة؛ منها الصوتية، ومنها الموسيقية النغمية، ومنها ما يتعلّق بالتصوير ووسائله البيانية من استعارة وتشبيه وكناية، فقد كان الشاعر شلال عنوز متميزا بها من خلال إبرازها وإظهارها للمتلقي بقوة الإيقاع، وتكثيف الدلالات، وفتح باب التأويل أو استذواق المعاني الساكنة في جسد القصيدة، وإظهارها جلية واضحة في النفس المتسذوقة للجمال الشعري والأدبي، والحذف من الأساليب الجمالية التي اضطلع بها الشاعر شلال عنوز بتقنيات امتازت بالمهارة والحذاقة والدربة، يقول الشاعر: واراك في ذي قار موجا هادرا وبيارقا ما زلت في ميسان إذ حذف المفعول به الذي عوضه بـ الكاف، من دون بيانه وتسميته، والإيجاز في قوله: إني أراك حكاية لا تنتهي ويطول أفقي حين فيك أراني فالحكاية على الرغم من طولها، وتفاصيلها وتشعباتها، إلا أن الشاعر ببراعته اختصارها ببيت شعري واحد. والمفارقة في بيت الشاعر: ظام وأنت دلاء الماء تحملها وتشرب الصبر صبرا أيها الجمل فعلى الرغم من حمله لدلاء الماء إلا أنه ظامئ، وهنا تمثل المفارقة حالة أسلوبية مأسوية فالعراق الغني في خيراته، إلا أن شعبه ما زال في همومه وتعبه وإرهاقه وفقره. وقال الشاعر أيضا: روّيتَ من دمكَ المراق نخيلا وكتبتُ في سفرِ الفداءِ فصولا وسموتَ في ألقٍ كجدّك تعتلي من أينما جاءوا أتوك ذيولا فعندما يكون الدم المراق هو عنوان البطولة والإقدام، وهو المروّي لنخيل العزّ والكرامة، يصبح السمو والألق والاعتلاء، والقصائد التي يعتلي فيها أفق التضحية والدماء والفداء تكون نابضة بالتضحية الحسينيّة في يوم الخلود والإبداء يوم الطف: مذ كانَ يوم الطف في آفاقنا يغلي وفي دمِنا الحسينُ قتيلا هو واحد من حسنيين ترومُها كِبرا وقد كان الرداءُ جميلا فمن أبسط تعريفات الأسلوب المتعددة المختلفة هي الابتعاد عن الكلام المألوف والمستعمل، وهذا ما كان سائدا في أغلب أبياته الشعرية الموجودة في مجموعة (أيّها المحتمي بالأرق)، يقول الشاعر: أنت السجين ستبقى قيد قبضتها فهذه الريح في بلواك تحتفلُ بهذا السهل الممتنع، نجد لعمليات الإنتاج الشعري وسائله المختلفة؛ فمنها الانتقائية أو الاختيار، المعتمدة على الوحدات الصوتية الصغر وصولا على المعجمية والتراكبية. يقول الشاعر أيضا: وهو بوح على المدى يتسامى شرب الوقت بوحهم إلاه إذ نلاحظ أن الشاعر يعتمد على التنسيق بين الكلمات في المنظمة الدلالية والنحوية القائمة على المواصلة بين الألفاظ لإخراج المعنى المترابط المتآخي الذي يخرج لنا المعنى المراد إيصاله، وهذا ربما يتطلب في بعض الأحيان التنافر والتماثل ولكنه في النتيجة النهائية يؤدي إلى الاستقامة والبناء المترابط الصحيح. فأدت الكلمات وظائف تعبيرية وانفعالية تواصلية مختلفة منها الوظيفة الإفهامية، وإثارة الانتباه، يقول الشاعر: أنت العراقُ على المدى متوثّبٌ ما أسقطتكَ صلافةُ الطغيانِ ها أنتَ في بغدادَ تكتبُ صبحنا وبساحةِ التحريرِ فجرٌ ثانِ فالإشارة أو التعريف أو الاستفهام، فضلا عن الوظيفة المعرفية بمعنى الهدف في حين تقوم بقية الوظائف إلى أدوار موصلة إلى هذا الهدف المعرفي. أما وظيفة ما وراء اللغة هي الوظيفة التي تقوم بوصف اللغة وبيان أدائها وإبراز وظيفتها الأولية، ولكن الوظيفة الأسمى في عملية بناء الشعر هي التي تكون مرتبطة بالجمال والأدب من أجل الأدب. والكلمات المفتاحيّة أو الكلمة المُحْوَر بحسب تعبير (محمد مفتاح)، هي الكلمات التي تتكرّر، فتكون مؤثّرة في البنية النصيّة، تتكامل فيها الصورة الشعريّة، وتتفاعل الكلمات مع بعضها؛ من أجل إبراز حالتها الدلاليّة وإظهارها؛ ليتجلى المعنى ويرسو على أريكة الوضوح والإشراق؛ إذ تدور القصيدة حول هذه الكلمة المحوريّة، أو الفكرة الجوهريّة في بنية القصيدة، لما تحمله من أهمية خاصّة، فهي فكرة مؤثّرة جاذبة مضيئة متكاملة. وهي تختلف عن (الكلمة الرئيسيّة) المتكرّرة المعادة في كتابات كاتب معيّن، أو اللازمة المهيمنة، التي ربما تضعف القصيدة، فقد تكون مؤثّرة، وقد لا تكون، وبالعادة يأتي تكرارها طلباً لاستيفاء الموضوع حقّه، وسياقاته واتجاهاته وأسلوبه الثابت، بخلاف الكلمة أو الفكرة المحورية، التي لا تكون إلا في بوتقة التأثير والإبداع. في قصيدة (غناء في المحنة) بدءاً من العنوان فإنه يحيل إلى مقابلة ضديّة ضمنيّة؛ فالغناء لا يكون في المحنة، وإنّما يكون في المسرّات والراحة والمتعة والأفراح، ولكن في هذه القصيدة تتلاشى هذه النمطيّة، والنسقية. وهذا ظاهر في بعض الأمثلة التي نوردها على المقابلة الضمنية: (الغناء ــــ المحنة، يغني ـــ محترق، يضحك ـــ يلتحف السوادا، يبست رؤاه ـــ يعطّر غمضت جفون، البلوى ــــ عصي شاب، وجع ـــ تسامى…) وهذه الضديّة الضمنيّة تتآلف مع (الكلمة المحور ـ المفتاحيّة)، لتنتج وظائف فكرية، تكشف عن عقلية الشاعر واستراتيجياته المختفية المختبئة في طيات الأبيات الشعرية؛ لتكوّن معادلات موضوعيّة وأسلوبيّة تبثُّ موجاتها في ضمير المتلقّي وفكره، والقصيدة تُشطر على شقين؛ ـ ولهذا اختار الشاعر القصيدة العمودية التقليدية ذات الشطرين ـ الشطر الأوّل ذلك الذي يعزّز محورية (الغناء)، وبالتالي يعزّز هذه المقابلة، سواء بصيغتها الظاهرة: غناء، أو المشتقة الفعليّة (يغني)، أو بصيغتها المنشطرة الضمنية (أشدو)، والشق الثاني محور الوجع والتمادي والألم والصبر والجراح، بما يقوي هذه الاستراتيجية الجماليّة يقول الشاعر: فيا ذا الجود دعني فيكَ أشدو ودع طللي ودع وجعا تمادى ولكننا إذا توسعنا قليلا في إبراز هذه الكلمة المفتاحية رأينا حتى كلمات من قبيل: (يضحك ـ ينتصب ـ أورق ـ يعطّر ـ عصي ـ تسامى ـ يشمخ ـ يبرق ـ أنفا …) وغيرها تلامس الحقل الدلالي للكلمة المفتاحية (غناء). وهي تريد أن تبرز الدلالة التي بُنيت عليها القصيدة؛ وهي الاحتراق والدماء والصبر والضحية، هي التي تولد السمو والرشاد والازدهار، وقد كان لنمطية القافية: (اشتدادا ـ اجتهادا ـ الرشادا ـ اعتدادا ـ جوادا….) بالقافية المقيّدة بحرف الروي (الدال) بصوته الانفجاري القوي، والمردوفة بالألف المرتفع إلى الأعلى، والمنتهية بحرف الوصل الألف المرتفع إلى الأعلى أيضاً؛ وكأنهما ألفين مرتفعين إلى عنان السماء في إشارة إلى هذا الارتفاع والسمو والرفعة، المعبر عنه في القصيدة. يقول الشاعر في شطر البيت الأول: يغني وهو محترق عنادا، ليقابله في شطره الآخر: ويضحك وهو يلتحف السوادا. وفي شطر الأول من البيت الثاني: يعضّ على النواجذ وهو مُدمى، يقابله في شطره الثاني: فينتصب اصطبارا واشتدادا، وهكذا تستمر الكلمة المفتاحية وهذه المقابلة الضمنية الضدية في نسغ القصيدة كاملة. أما (الكلمة الرئيسية ـ السائدة) التي تكرّرت أكثر من كلّ الكلمات في القصيدة فهي الضمير: (هو)؛ إذ تكرّرت ست مرّات؛ يقول الشاعر: هو الألم المريرُ، هو الرزايا هو السيف الذي خبر الشدادا نلاحظ أن الكلمة الرئيسة كانت مؤثرة فاعلة متعاضدة مع الكلمة المفتاح، ونحن قلنا سابقا ليس من الضروري أن تكون الكلمة الرئيسة مؤثرة في هيكلية القصيدة، ولكننا نلاحظها في الأبيات التي وردت فيها مؤثرة؛ بسبب ذلك التعاضد والتعاور المتجذر في القصيدة، وليس الطارئ عليها، ولكن السؤال من هو المشار إليه بالضمير (هو) في القصيدة؟!، ولماذا كانت هذه الكلمة مؤثرة في كيان القصيدة بصورتها الكلية؟!، يعرف الجواب عندما نصل إلى البيت المحوري، أو المركزي، أو بحسب التعبير القديم: (بيت القصيد)، حينما يقول الشاعر: عراقيون نصطرع المنايا زرعنا في أجنتنا الجهادا فضمير (هو) يعود على المواطن العراقي المصطبر العزيز المجاهد، فالعراقيون هم الذين جعلوا من الاحتراق بسمة، ومن السواد سعادة واشتداداً، ومن الصبر قامة اجتهاداً، ومن اليبس عطرا، ومن البلوى اعتبارا، وهكذا كانت الكلمة المفتاحية والكلمة الرئيسية تتمحوران في بنية القصيدة للتدفق بالرؤية الشعرية الواعية التي تستقطب المعنى بعد غموض شفيف جمالي، وبعد تدرج في الدلالة، وبعد في النظر.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!