قراءة في رواية ” يمامة بغداد” للكاتب العراقي ” شلال عنوز ” الصادرة عن دار ” السرد للطباعة والنشر والتوزيع ” / بغداد .

باسمة العوام

عندما يجتمع القاضي والجاني والشاهد والضحيّة في حضرة كاتب ينسج خيوط الرواية ، يرسم شخوصها ، يكتب محضر المرافعة فيها ليكشف الجاني ويحكم بحق الضحيّة ؛ يلوّن المشاهد في مسرح الجريمة بريشة فنّان إنسان يتقن لفة الترميز والإيحاء فيعرضها بلغة الشاعر المرهف والكاتب القدير ورجل القانون العادل ؛ هنا .. نشهد ” يمامة بغداد ” ترفرف بجناحيها ؛ ليس فقط فوق بغداد ، بل في كل مكان تدوّي فيه صرخة ألم ، وفي كلّ ركن دافئ بالحب والوفاء ، وفي كل فضاء تلوح فيه أضواء الحرّية والكرامة والحياة . __ في رواية ” يمامة بغداد” ، والبداية من العنوان ؛ “يمامة بغداد ” : المعروف أن اليمامة طير يرمز للسلام ومن الصعب جدا تدجينه وتربيته داخل البيوت المغلقة ؛ فمن هي اليمامة التي لقّبها ” شلال عنوز ” بيمامة بغداد ، وما علاقتها بهذه المدينة ؟ بينما في صورة الغلاف يظهر طيران ووجه امرأة مشطور لجزأين ؛ جزء بعين ترقب وتتأمل ، وجزء مبهم الملامح بألوان شاحبة ، والجسد خلف شباك سوداء تفصله عن هذين الطيرين ؛ فأيّ لغز ستتكشف عنه هذه اللوحة وهذا العنوان ؟ وهل هي المرأة التي لمّح لها المقطع المكتوب على الغلاف الخلفي للرواية ؟ لكن من هي يمامة بغداد ؟ __ نلج إلى الرواية ، لنجد أنفسنا أمام مشهد جنائزي حزين ، في المقبرة حيث شاهدة ل ” ثائر أحمد سليمان ” ، وإلى جانبها يتم دفن زوجته السيدة ” حنان ” ، حيث المقل تمتلئ بالدموع ، والكلمات تختلط بالدم ، والآهات تتناثر في كل الزوايا وكل لحظات الزمن . بداية درامية حزينة ، أحداث مابعدها تظهر سلسلة مكثفة لوقائع تتشابك فيها الصور والوثائق الوجدانية والقانونية و الحالات الاجتماعية والإنسانية وما وقع على بغداد من حروب وويلات ومانتج عنها من ظلم وقهر وجريمة وغدر وخيانة وضياع ؛ كلها قدمها ” شلال عنوز ” بأسلوب سردي مشوّق مليء بالإثارة والدقة والشاعرية وخصب الخيال . ومن خلال ” حنان ” الشخصية المحورية في الرواية ، نتعرف على وفاء المرأة العراقية وإرادتها الصلبة وحنانها وتعاطفها و وطنيتها وأخلاقها في زمن الحرب والخذلان ، ومن خلالها أيضا ، نستعيد أحداثا تاريخية مؤلمة وقعت على العراق في حروبه المتتالية : __*ص76.. “الحرب في العراق ليست وليدة اليوم ، على امتداد الأزمنة ينزف العراقيون ولايزالون ؛ فهناك حرب حزيران ، حرب أكتوبر ، معارك الشمال ، الحرب العراقية الإيرانية ، حرب الخليج الأولى ، حرب الخليج الثانية ،غزو أمريكا عام 2003 ،التي فتكت بالبلد ودمرت اقتصاده وبناه التحتية ، أعادته إلى العصور الوسطى ووضعته تحت الاحتلال والهيمنة الدولية …..”. = وعندما يصبح الوجع دفين الصدور ، ويصير الحلم أجنحة والنبض أغنية وفاء وشجون غربة و سر بقاء ، وبين العين وأهدابها ، ليل أطال السهر وعتمة ضيّعت الدروب ، تسير حنان في دروب بغداد ، تهرول في فضاء عار ، تلملم خلفها الشوارع والبيوت والأشجار و الأطفال والذكريات ، تتأمل قافلة الصور المؤطرة بسعادة الماضي ووفاء الحاضر والقادم ، بتاريخ الوجع والفقد والضياع ، وبقلب استغرق كل نبضاته بعشق لايوصف لزوجها الشهيد ” ثائر ” الذي استشهد في مقره بظروف غامضة ، ولأهل بغداد الذين صاروا حروفا وكلمات على سطور الماضي والحنين : __*ص114.. “تمدّ بصرها على مداه فلا ترى سوى المقابر ، هذا البلد بلد المقابر بامتياز ، مقابر الجوع والحرمان والأمراض المزمنة ونقص الدواء والعناية الطبية ، وبطش الظالمين ؛ ففي هذه البقعة أكلت الأرض أجسادا لأناس لطالما أحبّوا الحياة وتغنّوا بالجمال ، أناس كانت تؤرّقهم أحلامهم ، ينمو في قلوبهم شجر الأمل والشغف والنجاح ، يهرولون بلا توقف نحو مبتغاهم ، يقصدون قمم السعادة ، لكن الزمن كان لهم بالمرصاد ، خذلهم وابتلع أحلامهم وسرقتهم الحروب فغابوا في زوايا النسيان .”. = وعن ضياء انحجب في مرافئ الوجع ، يضمّنه. الكاتب بين سطوره كاشفا الخطأ والتخاذل والسيّئات التي قادت ، ليس فقط بغداد ، بل كل مجتمعاتنا ، نحو الهاوية : __*ص119/120… “نحن شعب لا نقرّ بالفشل لأن الإقرار به هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح ، مازلنا ننبش في التاريخ ، نخوّن بعضنا بعضا ، نلعن ونكثر الجدل العقيم ، نتبارى بالشتائم والسّباب ، نوجه اللوم إلى من سبقونا ، نلصق بهم شتى التهم ، نتذرع بذرائع شتى ، لكننا لم نتقدم نحو الأمام خطوة واحدة …..”. = وكلما تابع قارئ هذه الرواية تقليب صفحاتها ، وقف مشدوها أمام مشهد رهيب للموت ، للجريمة ، للعقاب ، للحياة ، للحب بين الصدق والخيانة . حب حنان الصادق لزوجها ، حبها لابنها بالتبنّي ، “طاهر “( الطفل الذي وجدته تائها بعد تفجير إرهابي أودى بحياة والديه ) ، وخيانة ” سامر ” الذي غدر بصديقه ” ثائر ” ، قتله ليتزوج حنان ظنّا منه أنه سيخرج قلبها من سبات عميق بأكاذيب حاكها بإتقان : __*ص123….. “هنا سرحت حنان لبعض الوقت. ، وراحت تقلّب في سجل ذاكرتها ، كانت تراقب تصرفات زوجها سامر المريبة تجاه طاهر منذ أن دخل حياتهما ، تراقبه بحذر شديد ، ترى حركاته التي تنمّ عن حسد وغلّ تجاه الطفل ….”. = لكن … كشمس تاهت عن فصلها ، أرغمت صقيع البرد أن يترجّل ، معلنة ولادة الحقيقة في لحظة مسروقة من عمر الزمن ، لها نصيب مما تحمله السماء ونصيب مما يحمله البشر ، تنكشف الجريمة ويظهر الحق : __*ص178…. “من يسير في الطريق الخطأ لايجني غير الضياع والخسران ؛ مسالك الجريمة والقرارات غير الصائبة المتسرعة لا منجى منها ومصيرها النهاية المهلكة ، لا أمان مع سيف الغدر ، لا سعادة في فم الجبروت ، ولا نجاة في قلب الطغيان ، إنها الحقيقة المرّة ؛ فها هو يتجرع من الكأس المهول نفسه ، ينام على مسامير الغدر التي دقها في نعش صديقه البريء ؛ غدر بالٱخرين فغدر به الزمن ، وغدر الزمن أقسى من غدر البشر .”. __ وعندما نصل النهاية ، نجدنا في ذات المكان الذي بدأنا منه مع هذه الأحداث ، وكأننا كنا نسير في طريق دائرية مليئة بالتفاصيل المثيرة تبدأ بالموت وتنتهي به ، ومسارها الحياة ، ومن خلالها عرفنا سر اليمامة ، ومن هو الطائر الآخر الذي كان معها على صورة الغلاف ومن هي المرأة التي دفن جسدها خلف تلك الشباك ، وكيف حلقت روحها لتعانق روح من انتظرته طويلا بقلبها وعقلها ووجدانها : __*ص195….. “شدّ انتباهه تلك اليمامة الواقفة على شجرة السدر ، كانت تراقب جمعهم بحذر ، أشغله لحن هديلها المموسق ، حركاتها ، لفتاتها ، وهي تنظر إليه بين الحين والٱخر كأنما تحدثه . حين أنزلها باسم إلى مرقدها الأخير ، راحت السماء تشرب صحوها ، غمامة بيضاء تقترب وأخرى كثيفة تعانق الأفق الماطر ، ثمة رياح شفيفة تهب من جهة الشمال ، تهتز أغصان شجرة السدر معلنة مراسيم التوديع ، تنظر اليمامة إلى ذلك الطير الجميل الذي كان يحلق فوقها ، ينشغل طاهر بحركاتها الغريبة مبهورا ، اقترب الطير منها ، أطلقت ٱخر نوبة من هديل ، ثم رفرفت بجناحيها وطارت نحو ذلك الطائر فاقع البياض ، تلاقيا ، حلقا عاليا ، غابا بعيدا يسابقان المدى في كبد. الفضاء .” . وثيقة أدبية ومرافعة وجدانية : __ في النهاية .. لم تكن بغداد في هذه الرواية ” يمامة بغداد ” إلاّ تاريخا مصلوبا خلف القضبان ، واليمامة شاهدا أقسم على الصدق والوفاء وقول الحق كل الحق ؛ و” شلال عنوز” رجل القانون الذي حوّل مرافعته إلى وثيقة أدبية ، وجدانية مكتوبة بأسلوب متقن مفعم بكثير من التشويق والإثارة بحبكة محكمة دقيقة متكاملة تتشابك فيها الشخصيات بزمكانية الأحداث وتصويرها ووصفها بطريقة لا يتقنها إلا كاتب متمكن .

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!