أهدتني القاصة والشاعرة العزيزة دعاء الأهدل نسخة لأول إصداراتها ، وهو كتاب بعنوان ( ذاكرة القلب) ، وكنت أحسب أنه ديوان شعر ، أو مجموعة قصصية ، لكنني وجدته غير ذلك تماما ، إذ يحوي الكتاب بين غلافيه 38 نصا أدبيا جنستها الكاتبة على أنها ( نصوص).
الكتاب من إصدارات العام المنصرم 2025 عن مكتبة خالد بن الوليد بمعية دار الكتب اليمنية.
العنوان ( ذاكرة القلب) خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا) ..
أهدت دعاء كتابها إلى أبيها وأمها وأخواتها الأربع، وأخيها، ورفيقتها (صفاء) ، وإلى كل من تمسكوا بقدرات أحرفها وكانوا يؤمنون بالهواية والرسالة التي تحملها سبابتها وإبهامها وذاكرة قلبها.
يحمل الغلاف صورة فتاة غطاها سواد الليل فلا نرى إلا جسدا جالسا دون أن نتبين ملامح وجهها ، وهي متجهة إلى جهة شروق الشمس أو غروبها؛ إذ لاسبيل إلى معرفة وجهتها إلا بعد أن تقرأ النصوص فتدرك أنه الغروب لامحالة ، ولعلنا ، إن نحن عرجنا على الحقل الدلالي لعناوين النصوص أدركنا للتو أنه الغروب/ ومنها:
منتهى المشاعر ، غرباء الذاكرة ، أحاديث صامتة ، شراع الصمت ـ خشية نسيان ، خيبة مشاعر وتجمد مشاعر .
نصوص الكتاب جاءت على لسان أنثى منكسرة رسمت لحياتها أحلاما وردية ، وحلقت من خلالها إلى فضاءات المنى البعيدة مع حبيب العمر، غير أنها وجدت نفسها وحيدة تحيا حياة الوحدة والفراق والهجران ، بعد أن خلفها حبيبها وراءه .هي أنثى تحمل ذاكرة قلب مثقل بالكثير من المشاعر المتأججة الحالمة ، غير أنها تبحث عن النسيان الذي يضمن لها حياة هانئة هادئة بعد هذا الشقاء الذي أورثها إياه فراق حبيبها.
النصوص مترعة بالبوح العاطفي السامي المجروح ، وتتخذ فيها الكاتبة ذاتها معادلا موضوعيا للمرأة أيمنا كانت ، حتى أنها أطلقت لفظ الأنثى في أكثر من نص، وهي تقول مثلا:
– أنا أنثى أرتمي إلى ماتقودني المشاعر بفضيلة الطمأنينة.
– قلت له بأنك تبحث عن أنثى تسد رمق الذكريات.
– لعل إحساسك يربت على الأنثى البنفسجية.
– أم عن أنثى انتظرته أربعة أعوام فأتى ومعه زوجته.
– واتركي فرصة تجربة شرقي تقليدي على قلب أنثى.
وأحسب أن الكتاب قد حمل عنوان ( ذاكرة القلب) لكثرة ماتناولت النصوص فيه الذاكرة والذكريات التي أثقلت قلب هذه الأنثى، ولو أننا ذهبنا نتصفح العناوين لوجدنا:
شرايين الذكريات، غرباء الذاكرة ، عتبة الذاكرة . بل ومايتعلق بالذاكرة من طباق كما في عناوينها :
خشية نسيان ، أتسول النسيان ، ونسيان وعودة.
وهو كتاب بوح مألوم ، ولا أدل على ذلك من العناوين التالية :
أحاديث صامتة، شراع الصمت، صمت الحب ، نحب صمتا، رسالة بوح مثقل ، حديث الورد ، حديثي مع البحر ، وحديثي مع القمر.
وأجمل ماتضمنت هذه النصوص من مشاعر هي مشاعر الصداقة ، تلك المشاعر السامية التي تبدت بقوة في النصوص ، وذكرتها الكاتبة في أكثر من نص.، منها قولها:
– خذ ثوب الصداقة ، كلما غسلته وغسلك بالمشاجرات ازداد بريق صداقتكما.
– أريد أن أكتب نصا طويلا عن صداقتي بإحداهن.
– عن الأنثى أتحدث ياصديقي.
ويلتبس الصديق عندها بالحبيب ، والحبيب بالصديق كما ردد مارسيل خليفة من كلمات محمود درويش:
صديقان نحن
فسيري بقربي كفا بكف
حبيبان نحن
إلى أن ينام القمر.
فنجدها تقول:
– انت الحبيب الذي اتخذته ضريح صداقة، وأنت الصديق الذي اتخذته محراب الحب.
– أودعتك صديق الأيام، وفي القلب أودعتك حبا.
وهي تعلي من شأن الصداقة وترفعها إلى درجات سامقة حين تقول:
– وددت لو أقص جناح الحب من قلبي، وأطلق سراح طير الحب على الجميع حبا آخر؛ الا وهي الصداقة.
الرومانسية طافحة في لغة النصوص، وهي رومانسية معذبة، مجروحة، متألمة تسيطر على أجواء النصوص في سوداوية غامرة:
– تصحرت وتيبست أحلامي.
– هاجرت تلك القلوب وبقيت آثار أقدامها.
– الثقة ارتدت جلبابا أسود تبدت مظلمة، معتمة، كئيبة كقلوبنا.
– خلف سهاد ألم الليل، أنا وردة لم تتفتح.
اعتمدت الكاتبة البوح في نصوصها، وليس أدل على ذلك من ورود لفظة البوح مرات عديدة، بل إنها قد وردت في نص( احب صامتا ) ثمان مرات، وأرى أن الكاتبة قد عمدت إلى الإفصاح عن مكنونات ذاكرة قلبها/ قلب الأنثى بلغة شعرية عالية، فلقد سعت إلى حشد نصوصها بكم كبير جدا من الصور والأخيلة التي تنتظم في علم البيان من تشبيه ، واستعارة تصريحية ومكنية، وصور ممتدة ومركبة بشكل لافت، فجاء الكتاب تحفة أدبية مرصعة بجمال بلاغي يشد انتباه القارئ، ويجذبه شاء أم أبى.
الكتاب زاخر، ولهذا سأورد نزرا يسيرا مما حواه من الجمال البلاغي :
– يزورني الحنين؛ توقظني الذكريات.
– طرقت باب البوح؛ فتغلقت في حنجرتي مشاعر.
– يداك جداول ماء.
– حينما يموت الحب في قلبك، تنام المشاعر ويصمت القلب.
– الصمت يغرق صوتك.
ومن الصور الممتده قولها:
– لتقتلني برصاصة البعد، الصمت، البرد، الهروب، الخذلان، كل ما تحمله المشاعر من خيبة.
– صمتك قساوة ، وعداوة، وفرار ،وهزال لشخصيتك.
أما الصور المركبة فمنها:
– في قلبي حمم بركانية تذيب صخور الأحلام .
– فتحت لكم أحاديث توقظ حروفي من سباتها.
ولعلم المعاني نصيب في نصوصها، فهي تلجأ الى التقديم في بعض نصوصها بما يعرف مؤخرا بالانزياح التركيبي مثل :
– في قلبي حمم بركانية تذيب صخور الأيام. (وهو انزياح تركيبي دلالي.)
– مزعجة تلك الظنون التي تحيرني.
-الحزن يقودني للكتابة .
– وفي قلبك يصرخ الحب.
وإن ننسى فلن ننسى التناص الوارد في بعض النصوص مثل قولها:
– وكأن العمر بلغ منه عتيا، وكأن الرأس اشتعل شيبا، وابيضت عيناه.
– والأمنيات لم تعد هي عصاي فأتوكأ عليها، وأهش بها على اللقاءات التي رعيناها.
طرزت دعاء الأهدل كتابها بمقتطفات لكبار الأدباء مثل غسان كنفاني، غادة السمان، وفاروق جويدة كفواصل بين نصوص وأخرى ، وهي فواصل تفتح الباب أمام القارئ ليستقبل ما سيأتيه وما ستجود به قريحتها من نصوص تحمل مشاعرها الفياضة الراقية.
هنيئا للكاتبة الرائعة دعاء الأهدل هذا الإصدار الجميل ، وننتظر مزيدا من إبداعاتها في مقبل العمر.
من سلسلة قرأت لكم
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية