كنت أظن، وأنا في زحمة العمل، أن الزمن مجرد خصم أطارده لإنهاء المهام قبل فوات الأوان. لكنني اليوم، ارتشف من كوب قهوتي الصباحية وأنا أجلس بسلام مع ضعفي في ركن هادئ من البيت بعيداً عن صخب المكاتب بعد ان كبر الأبناء ورحلوا، أدركت ان قيمة الواحد منا ليست في المنصب الذي خلفه وراءه وأن أقنعة النجاح التي زيفت الحقيقة قد توقفت، وأن لهذا الرفيق الصامت وجهاً آخر، وهو تلك التجعيدة التي لم تكن موجودة بالأمس، وتلك الشيبة التي اينعت وتكاثفت في الرأس، بل في تلك اللحظات التي فهمت فيها نفسي أخيراً دون تجميل.
في السابق كنت أعيش خلف سراب الركض، وكأن الوقت ملكي للأبد. أركض خلف ترقية، أو أؤجل سفراً، أو أنضم الى جلسة هادئة مع الأحباب، معتقدا أن المستقبل “مضمون” في الجيب. لكن مع تقدم العمر وفي سن التقاعد، تبخر هذا الوهم. ولم أعد أكترث بعدد الأيام التي تمر، بل صرت أسأل نفسي بصدق: كم ساعة من يومي كانت حقيقية؟ كم مرة ضحكت من القلب؟ وكم مرة جلست في صمت مريح دون أن أجلد ذاتي؟ فوعي بالزمن في هذه المرحلة ليس رؤيا فلسفية، بل هو استيقاظ مفاجئ اكتشفت فيه أنني ما زلت حي، وأن كل لحظة أعيشها بصدق هي المكسب الوحيد المتبقي لي. وأن الرحلة الطويلة غيرتني، وهذا أمر مؤكد. حتى السؤال التقليدي “من أنا؟” لم يعد يشغلني بقدر ما يشغلني سؤال أكثر عمقاً: “ما الذي بقي مني بعد كل هذه السنين التي غيرت بطاقة هويتي لتصير بطاقة عمل تشبه نهراً نحتت فيه الأوجاع والأفراح مساراتها.؟”
إن هدنة التصالح مع الماضي ليست باباً يُفتح بسهولة كما يظن البعض، إنه معركة هادئة تجعلنا نغفر لأنفسنا عن تلك الأحلام التي خذلناها، والفرص التي أضعناها. والغفران هنا ليس تنازلاً، بل هو حاجة ملحة لنشفى ونمضي خفافاً من أعباء الماضي بعد اللهث خلف انتصارات وهمية نتباهى بها أمام الآخرين، فكل طموحنا صار اليوم، هو إزاحة الثقل الجاثم على صدورنا والوصول الى “سلام داخلي” دون أن تمزقنا الحسرة.
في سن التقاعد، لم يعد الزمن خصماً نبارزه، بل صار معلماً يهمس لنا ببطء: “لا تتعب نفسك.. ليس كل شيء يحتاج إلى تفسير” ففي القدرة على الصمت قمة الذكاء حين يتكلم الجميع.
وفي نهاية المطاف، العمر ليس رقماً يُكتب في شهادة الميلاد، بل هو “عمق” ما عشناه، وأن أجمل لحظة نصل إليها ليست لحظة الإنجاز العظيم، إنما هي تلك اللحظة التي نتنفس فيها بعمق، ونغلق أعيننا بامتنان بسيط؛ لأننا جربنا، وأخطأنا، وبكينا، وفي النهاية.. تجرأنا أن نكون أنفسنا، بكل بساطة وبلا رتوش.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية