مجنون كلابه (ج2)/بقلم: محمد محمود الشويع

الهبوط الأخير: العبور إلى حيّ كلّابة

واصلتُ طريقي.
المدينة تنهار ببطء… لا بانفجار.
كان الليل يتمدد كجلدٍ مهترئ،
والطرقات تئن،
والمباني تفتح أفواهها كمن مات واقفًا.
كلّ ما حولي كان يدلّ على أن شيئًا عظيمًا انتهى…
وأنّ لا أحد قرأ النهاية.

مررتُ تحت جسرٍ قديم.
فيه نام كثيرون ذات ليل…
ثم ماتوا،
أو غادروا،
أو صاروا أسماء في نشرات المساء.
الجسر تكلم،
بصوتٍ متعب:
“من تحت جسدي عبر الحالمون…
فأين ذهبت أحلامهم؟”
قلت له:
– “سقطت في الهواء حين صار الماء أغلى من الخبز،
والدم أغزر من المطر.”

ثم جاءت العلامة…
علامة لا يراها إلا من احترق في جوفه ألف مرة:
رأيت قطًا رماديًا،
يعبر الشارع ثم يتوقف،
ينظر إليّ ويعود أدراجه…
ثم يدخل زقاقًا ضيقًا.
أعرف هذا الزقاق،
رأيته في حلم قديم…
وحين دخلته،
تغير كل شيء.

الأرض هنا تمشي قبلك،
والبيوت لا تقف… بل تتنفّس.
الشجر ينمو في السطوح،
والأبواب مهجورة كأرواح من تخلفوا عن الهرب.
سألت نفسي:
– “هل أنا في حيّ كلّابة؟”
جاءني الصوت من الداخل:
“لا…
أنت في نفسك.”

كل شيء هنا كان مألوفًا وغير مألوف.
كأنني زرت هذا المكان في زمنٍ مكسور،
كأن الذاكرة دفنت هنا شيئًا ولم تجرؤ على إخباره.

اقتربت من أحد الجدران،
ورأيته…
رأيت رسم يشبهني.
لم يكن مرسوما بعناية،
بل مرسومًا بحسرة،
بأثر يدٍ تبحث عن خلاص.
فهمت أنني عدت.
لا أعرف متى خرجت،
ولا لماذا،
لكنني عدت.
فجأة،
صوت الريح تغيّر،
صار يشبه صوت جدتي حين كانت تغني قرب التنور،
وصوت فاطمة حين تمشي حافية في المزرعة.
وصوت الراعي وهو يصب لي اللبن:
“الله أقرب مما نعتقد يا فتى… لا تضيّع وجهك.”
حيّ كلّابة لم يكن مكانًا فقط.
كان مكانًا، وزمنًا، ومرآةً كُبرى.
حين وقفتُ على أول حجر فيه…
شعرت أن قدميّ غاصتا في عمقٍ آخر.
هنا…
لا يعود الزمن يسير من الأمس إلى الغد.
هنا…
تلتقي كل الأصوات القديمة:
صراخ من ماتوا،
ضحكات من غادروا،
وأسماء لم تنطق منذ بدأت الحرب.
في منتصف الزقاق…
كان البيت المهجور.
ذلك الذي كنتُ أراه دومًا في رؤاي.
النافذة مفتوحة،
والستارة ممزقة،
لكن بقايا الضوء تسيل منها كما يسيل الحليب من صدر أمٍ ميتة.
دخلتُ.
وهناك،
في زاوية البيت،
كانت حزمة أوراق،
وبقايا قميص،
وصدى صرخة…
كأن المكان نفسه يتذكرني.
قلت:
“ها أنا عدت،
لكن من أنا؟
ومَن الذي عاش هنا قبلي؟”
فجاءني صوت الحيّ:
“أنت المجنون…
والمجنون هو من يجرؤ على الرجوع.”
ها أنا في حيّ كلّابة…
لكنني لم أعد أنا.
أنا كلّ من مرّ من هنا،
أنا الصمت في النوافذ،
والأثر في الدرج،
والوجع في الجدران،
والأمل الوحيد الذي بقي معلّقًا في هواء هذا الحيّ المعزول.

الليلة الأولى في حي كلابة: وبعض الحنين
الآن وجدتني نائما في هذه الغرفة الضيقة اطرافي لا تحملني والنجوم في الخارج تدعوني للخروج واصوات القصف والرصاص انطفأ تماما حين هبط الليل، الظلام دامس للوهلة الاولى، ولكن بعد رمشتين يصبح النظر في الظلام سهلا جدا، زحفت حتى باب الغرفة ليطل رأسي من الخارج بدى لي العالم الجديد الان اتضح لي ان الغرفة في نهاية زقاق بين بيتين، رأيت قطتان عند الباب، قطة بيضاء تقعد القرفصاء، والقطة السوداء حركت ذيلها واقتربت مني، على الجهة اليمنى قنينة ماء كبيرة وعلبة صغيرة الى جوارها، اضطجعت على الجدار بعد ان شربت نص العلبة الصغيرة من الماء، على يساري وعاء صغير صببت فيه الماء للقطط، لم تشرب القطة البيضاء، وقفزت القطة السوداء الى حجري بعد أن شربت، تحسست جدار الغرفة وكيس معلق على الجدار تفحصته من الداخل ووجدت حبات تمر طرية ملفوفة على جريدة، تناولت منها ثلاث حبات سرت في عروقي، وسرى الحديث داخلي:
للنخلة سر غريب، كيف تستطيع أن تصنع هذا المذاق الذي يسكر العقل

أمي النخلة والحنين الأول الذي لا يُنسى)
…………
في هذه الغرفة الصغيرة كنت كمن يعود إلى رحمٍ قديم،
كل شيء يهمس: “لقد تأخرتَ كثيرًا”.
وحده الغبار يعرف كم من الوقت مرّ.
وحده الضوء يتسلّل كأنه يبحث عن اسمه.
لكنني لم أكن أبحث عن الوقت،
كنت أبحث عن أمي النخلة.

تذكرت الآن…
عند بوابة مزرعة جدتي،
كانت هناك نخلة طويلة
تخترق السماء بطمأنينة الأمهات.
كنت أناديها همسًا:
“أمي النخلة.”
ما من أحدٍ علّمني هذا الاسم،
لكنها كانت تفهمني…
ترميني في الصباح بأطيب ثمارها
كأنها تعرف أنني قادم بشهية الأطفال.

في طفولتي،
وحين كانت الأيام تتشح بالحزن،
وتغيب جدتي خلف دخان التنور،
كانت النخلة تقيم لنا مهرجانًا من الفرح.
كانت النسوة يجتمعن قربها،
يجمعن السعف ويضحكن،
ويصنعن منه مكانس تمشي فوق تراب بيوتهن كما تمشي أقدام العرائس في ليالي الزفاف.

أتذكّر جيدًا…
جدتي مدت لي المكنسة الصغيرة التي صنعتها بيديها.
وضعتُ عليها حجارة مستوية…
ثم جعلتُ منها عربةً تسير بي فوق الأرض.
في ذلك اليوم،
صنعت لي مروحة يدوية،
وحدها من كانت تقدر أن تُقاوم حرّ الظهيرة بابتسامة،
ولم تنسَ نفسها،
وفي الليل قعدت جدتي تُظفّر السعف
كأنها تخيط قطعة من السماء،
وتقول لي:
“هذه الكوفية يا بنيّ، للراعية فاطمة… لا بد أن ترتديها حين تخرج للمرعى.”
كنت صغيرًا…
لكنني كنت أفهم أن السعف أكثر حكمةً من الناس.

كل شيء كان منها…
المكانس
المراوح
الكوفيات
حتى الحصيرة القديمة التي كنا نضعها أسفل السرير،
كانت تقول لي جدتي:
“لا تنسَ أن تشكر النخلة حين تنام فوقها.”

أمي النخلة كريمةٌ جدًا.
تُعطي كل شيء،
حتى ظلها لم تبخل به علينا.
والآن…
في هذا الحيّ الميت،
في هذا الخراب الذي كان يومًا حياة،
أشتاق ظلها.
أشتاق حنانها.
أشتاق تلك الحصيرة التي علّمتني أن الأرض أحيانًا أحنّ من السرير.

جلستُ على عتبة الغرفة الضيقة،
الريح تمرّ،
والصمت عميق،
لكنني رأيت النخلة،
واقفةً خلف ضوءٍ باهت…
كأنها تقول لي:
“أنا هنا يا بني…
لكنني هذه المرة، نبتُّ داخل قلبك.”

حين سقطت القطة البيضاء
……….
عاد القصف الان
ليس كصوتٍ خارجي فحسب، بل كصوتٍ داخلي
ينفجر في أعمق تجاويف الجمجمة.
ارتجفت الأرض، وانكمشت الروح كما تنكمش العين تحت ضوءٍ مفاجئ.
مددتُ يدي فوق رأسي،
تحسستُ شعري،
كان قد صار كتلةً صلبة،
كخوذةٍ من فولاذ،
تُطوّق رأسي لا لتحميني،
بل لتمنعني من التفكير.
في نهاية الزقاق،
ارتعش ضوءٌ خافت…
كأنه لمح برق خائف.
وكانتا القطتان في حجري،
سوداء وبيضاء،
كوجهين للحظ،
كفكرتين متنازعتين في ذهني.
حين انفجر صوت الحرب،
هربت القطة السوداء إلى الداخل،
اختبأت كأنها تعرف تاريخ الجُبن البشري.
أما البيضاء…
فوثبت من حجري،
تقدّمت،
بخطواتٍ هادئة، واثقة،
ووقفت في نهاية الزقاق،
رافعةً رأسها،
كأنها تنتظر النداء.
ثم…
سمع قصفٌ مدوٍ،
وصوت طائرة تخترق السماء كما يخترق البرق لحم المعنى.
رفعت عيني لأراها…
لم أرَ سوى رماد الأفق.
وحين هبط بصري،
رأيت القطة البيضاء تسقط للجانب الآخر،
شظيّة أكلت صدرها النظيف.
سرت في رأسي فكرة:
“هل كانت تعرف مصيرها؟
هل ذهبت إليه راضيةً كما يذهب العارف إلى قدره؟”
حاولتُ النهوض…
فتحركت يدي ببطء…
شعرتُ ببرودة الماء على الأرض،
كان الوعاء قد انسكب حين قفزت القطة،
فهمست:
“الماء، هو هو…
لكنه يصير أكثر حرية حين يتحرر من الإناء.”
طويتُ ساقيّ…
محاولة خرقاء للجلوس القرفصاء،
لكني لم ألبث أن مددتهما ثانيةً،
فالألم صعد من قدمي حتى كتفي،
واتكأت على الجدار
أرقب خيوط الليل،
وهي تعيد رسم ذاتها فوق سماء الحي المهجور.
بعد أن هدأ القصف،
هبت ريح حزينة،
كأنها مراسم وداعية لقطةٍ شجاعة.
أعدت المحاولة…
بعد خمس مرات،
نجحتُ في أن أقف،
كطفلٍ يُجرب قدميه لأول مرة.
اتكأت على الجدار،
مائلًا نحو يساري،
خطوة، ثم ثانية…
حتى وصلت حيث ترقد البيضاء،
هامدةً كقصةٍ نُسيت نهايتها.
عدت أجرّ ظلي حتى باب الغرفة،
فجأة،
عثرت قدمي على حفرةٍ صغيرة
عند الجدار الجنوبي،
همست لنفسي:
“ربما هي من حفرتها بيديها الصغيرة…
حين كنت غائبًا عنها.”

وضعت جسد القطه الميته أمام الحفرة،
وجلست.
كان الألم في يدي اليسرى مثل حجرٍ يشتد.
لكنني رأيت القطة السوداء تخرج من الداخل،
تلعق أختها برفق،
ثم تدفعها نحو الحفرة.
لحظةٌ خرساء…
القطط تعرف طقوس الفقد،
أكثر من البشر.
دفعتها حتى وصلت…
ثم وقفتُ أنا،
أجمع التراب بأصابعي المرتجفة،
وأهيله على الجسد الصغير،
حتى اختفت البيضاء تمامًا…
إلا من صورتها في عينيّ.
استلقيت على الأرض…
ناعسًا،
كأن الحرب حدثت في جسدي فقط.
ثم نمت…
وهناك رأيتها.
حديقة عظيمة
تخضرُّ من كل الجهات،
والقطط…
أمّة كاملة من القطط،
تجلس في حلقات،
بينها قطتي البيضاء،
تهبط من السماء
كأنها ورقة شجرة تتساقط ببسمة.
وقعت القظة على أكمةٍ صغيرة،
ونادتني بصوت واضح:
“النار وقودها القلوب المتحجرة،
أما العشق فهو الماء،
فلا تكن من أهل النار…
بل من الظامئين للعناق.”

رفعت ذيلها،
وقالت:
“لا تكن من المجانين…
ولا من العاقلين،
كن ممن غرقت أرواحهم في الحب،
ولا يعرفون كيف يخرجون.”
رددت القطط ذلك ثلاثًا،
وأنا معها.
ثم هبّت لتغادر…
ركضت خلفها،
لكنها التفتت إليّ مبتسمة، وقالت:
“تعالَ…
إلى حيث الواصلون.
هنا
تُسقى الأرواح بخمرة العهد القديم،
وتُولد من جديد.”

 

حين لا تُغلق العين أبدًا
……….
فتحتُ عيناي.
لكن…
في العمق،
لم تكن قد أُغلقت يومًا.
العين التي ترى ما وراء النوم
ليست كالعين التي تُرمش.
كان الضوء خافتًا،
والسماء نفسها تنتظرني أستيقظ.
وإلى يساري…
شعرتُ بثقلٍ صغير ودافئ
عند عنقي.
كانت القطة السوداء
قد حشرت رأسها بين عظام صدري وعنقي،
كأنها تبحث عن مأواها الأخير في هذه الدنيا،
أو كأنها تقول لي:
“لا تخف، ما زال في هذا العالم ضلع يؤنسك.”
تذكّرت لحظتها…
جدتي.
ونومتي القديمة إلى جوارها،
حين كنت أختبئ بين ذراعيها كما تفعل هذه القطة الآن،
أبحث عن دفءٍ
لم أكن أعرف اسمها
لكني كنت أعرف أن حضنها يشبه بابًا
لا تُدخله الوحوش.
كنت، مثل هذا القط الصغير،
أحاول الانزلاق من عالم الوحشة
إلى رحمٍ جديد…
رحمٍ لا يُنجب موتًا.
نمتُ بعدها…
أو لنقل:
غفوت داخلي.
مبتسمًا لتلك الذكرى
كمن يضع جفنه على وردة ذابلة،
ويُقسم أنها ما زالت تفوح.
وحين أشرقت الشمس…
آهٍ من الشمس.
لم أتألم من الضوء
بل من الحقيقة.
الشمس ليست مجرد جرمٍ سماوي،
بل كاشفة كبرى،
امرأةٌ تخلع حجابها الكامل أمامك دون تردد،
لكن لا تحتمل عيناك هذا العُري.
تألمتُ.
قلت لنفسي:
“الحقيقة كالشمس…
لا ينبغي أن ننظر إليها مباشرة،
لأنها تحرق.”
لا أحد يستطيع أن يرى الشمس في عينها
ويبقى كما كان.
إنما خُلقنا لننظر إلى ما أضاءته،
لا إلى النار ذاتها.

الأشياء التي أظهرتها الشمس كانت كثيرة، ومرتبة…
الزقاق كما هو،
التراب الجاف،
حفرة الأمس، حيث يرقد القط هناك تحت التراب
ظلال الحرب على الجدار،
ورائحة الرماد ما زالت عالقة…
لكن الجديد هو عيني،
عينٌ لم تعد ترى كالسابق.
لم أعد أرى “الشيء” فقط،
بل ما وراء الشيء.
لم أعد أرى القطة
بل الطفل القديم الذي يسكنها.
لم أعد أرى الجدار
بل ذاكرة الذين صرخوا خلفه وماتوا.
لم أعد أرى الضوء
بل الظل الذي صنعه.

قلت لنفسي،
وأنا أضع راحتي فوق رأس القطة السوداء:
“كل ما في هذا العالم يضيء،
لكننا نظن أن النور فقط هو ما يُرى.”
وهمست بصوت يشبه الحلم: ربما فقط العين التي تغلق عند النوم؛ هي نفسها العين التي تفتح للحياة
والان ينبغي أن اسحب جسدي المتهالك واحشره في تلك الغرفة، هربا من الشمس
زحفت الى الداخل نظرت الى اعلى الباب من الداخل كان ثمة خرقة سوداء بالية مربوطة على خشبة صغيرة محشورة بين حجرتين، خطرت ببالي فكرة:
“يمكن فرد قطعة السوداء للجهة الاخرى”
قعدت على ركبتي وكتفي الايسر على الجدار تحسست عود من الحطب غليظ بما يكفي لوضعه بين حجرتين، لتتدلى الخرقة للأسفل بعد ربطة بالعود، كل هذا هربا من دخول الضوء

حينها…
غابت الغرفة عن الضوء،
كأن الليل
قد بلعها دفعة واحدة ولم يعد هناك نهار
ولم يُبقِ منه شيء
سوى خيطٍ رفيع،
شبه مرئي،
يتسلّل من فتحة ضيقة في أعلى الخرقة السوداء القديمة
كان الضوء ضئيلًا…
أشبه بذكرى لا تريد أن تُنسى
ولا تملك القوة لتبقى.
راقبته…
ذلك الخيط الوحيد،
كأنه نبض ضوء يتيم
يتدلّى كحبل نجاة لا يُمسك به أحد،
ليس ثمة ما يسدّه…
ولا ثمة ما يستقبله،
فقط أرضية الغرفة المصمتة
وأنفاسي تملأ المكان.

عدتُ إلى الخلف
ببطء…
مستخدمًا مرفقي كأنني أزحف على عُمرٍ ثقيل،
كل دفعة تقودني سنتيمترًا في ذاكرة الخوف والحنين،
حتى وصلت إلى طرف الفراش المهترئ،
في حافته قطعة خشبية. خشنة تشبه عتبات الزمن القديم،
ألقيت برأسي عليه،
كمن يلقي نفسه على رُكبتي جدته
في ساعة وجعٍ قديم.

ثم بدأت أفتّش بعيني،
تلك العين التي لم تعد ترى
بل تفرز الضوء وتفككه وتفسّره.
نظرت إلى زوايا الغرفة، صرت ارى الاشياء اكثر وضوحا في هذه العتمة
في الأعلى، حيث وصل خيط الضوء الخافت
يوجد شبكة عنكبوت مهترئة،
تتمايل بخفة كلما تنهد المكان.
في الجانب الأيسر، ايضا وصل ضوء خافت
وعلى الحائط بقايا طلاء أخضر باهت
ورسم يد صغيرة محفورة بالفحم،
ربما طفل مرّ من هنا…
أو أنا في حياةٍ أخرى.
في الزاوية،
شيء يشبه “طاسة قديمة”،
وإناء مكسور له فمٌ يشبه الصراخ المجمد.

حدثت نفسي بصوت أقرب للهمس:
“هذه الغرفة…
تشبه مطبخ جدتي.”
ليس في شكلها فقط،
بل في رائحتها…
الطين الرطب،
ورائحة الرماد البارد،
وشيء ما يشبه “قشرة بن منسية”.
كان مطبخ جدتي،
كما في الذاكرة،
مكانًا للبساطة والجوع والحكايات،
وهذه الغرفة…
صارت الآن تشبهه،
لكن بلا نار،
ولا خبز،
ولا جدتي.

فكرت:
“هل تتحوّل الغرف حين نراها بعيون الذاكرة؟
هل المكان الحقيقي
هو ما نشعر به…
لا ما نراه؟”
تذكّرت صوت جدتي
وهي تهمس لي في مطبخها ذات مساء:
“يا ابني، لا تصدّق الغرفة إذا كانت مضاءة…
صدّقها في العتمة.
فالعتمة تعرف كيف تقول الحقيقة.”
ابتسمت.
ربما هذه الغرفة
ليست مطبخ جدتي،
لكن روحي الجائعة
أعادته إليّ.
وبينما كنت مستلقيًا على طرف الفراش،
أصغي لصوت أنفاسي وهي ترتدّ من جدران الغرفة،
حدث شيء.
لم يكن صوتًا…
بل خفوتًا مفاجئًا،
كأنّ الغرفة توقفت عن التنفس معي.
كأن الهواء انحنى احترامًا لشيءٍ دخل لتوّه.
لم ألتفت.
لم أصرخ.
ولم أجرؤ على النهوض.
بل بقيت مستلقيًا،
أحاول تمييز ما تغيّر.
ثم… رأيته.
في الركن الأيمن من الغرفة،
قرب الجدار المحروق،
ظهر ظلٌ لا ظل له.
ليس طويلًا ولا قصيرًا،
يشبه جدتي أحيانًا،
ويشبهني حين كنت أخاف من الظلام
وأزحف إلى حضنها.
لم يتحرّك.
ولم يصدر عنه شيء.
لكني شعرت به
كما تُشعر الأشياء بك حين تصمت.
همست:
“من هناك؟”
لم يجبني،
لكن الضوء المتسلل من فتحة الباب
ارتعش للحظة،
ففهمت أن هذا الظل ليس عديم الوزن…
بل هو ذاكرة ثقيلة،
ربما حضر ليقول شيئًا
كنت أخاف قوله لنفسي.
ثم بدا كأنه يتقدّم،
لا بحركة،
بل بثقلٍ في الهواء.
شعرت أن جلدي يعرفه،
أن دمي يعرف هذا الكائن الذي لا اسم له.
تذكرت حينها مقولة الراعي في الكهف:
“حين يأتيك الزائر من العالم الآخر
لن يطرق الباب…
بل سيطرقك أنت.”

فجأة…
امتلأت الغرفة برائحة اللبن والدخان وسعف النخل.
وشيء من الندى الذي كانت تضعه جدتي على جبهتي حين يصاب جسدي بالحمى.
دمعت عيناي.
لا أعرف إن كان ما رأيته روحًا
أم طفولتي وهي تزورني في آخر الليل
قبل أن أموت مجددًا مع كل فجر.

الظل اقترب أكثر،
ثم جلس على الأرض.
كأنه ينتظر أن أحكي له،
أو أن يصغي للصمت الذي يسكنني.
سألني من دون صوت:
“من أنت الآن؟”
أجبت،
وكل خلية في جسدي كانت تقول الجملة معي:
“أنا بقايا من حلمٍ قديم
هرب من الموت،
واستقرّ في هذا الحي.”
الظل حينها ابتسم،
ثم تلاشى…
وكأن مهمته قد انتهت.
وبقيتُ أنا،
في الغرفة نفسها،
لكن قلبي صار أكبر من سقفها،
وصوت الضوء صار مسموعًا لأول مرة.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!