الليلة التاسعة في الذكرى: أولُ شرخٍ في روح المجنون
كانت الجدران أهدأ من المعتاد. كأن حيّ “كلابة” قرر أخيرًا أن يصمت احترامًا للحزن الذي حلّ في داخلي.
**
جلست على الأرض، أمام الباب الموصد، أتأمل ظلّي على البلاط المتشقق، وكان يشبهني… لكنه لا يتنفس.
كل شيء فيَّ كان صامتًا إلا داخلي. كان هناك شيء يتحرك، كأنَّ **نملةً تحفر تحت القلب،** أو **ريحًا تتسلل من ثقبٍ لم أكن أعلم بوجوده**.
لم أبكِ. لم أصرخ. لكني بدأت أشعر بأن شيئًا داخلي **انكسر… ولم يُصدر صوتًا.**
تذكرتُ يد فاطمة حين أمسكت بكمّي ذات صباح، حين قلت لها:
“سأسبقك إلى النبع اليوم.” فضحكت وقالت: “النبع ينتظرني أنا، وأنت تلحقني دومًا.”
كيف لحوارٍ صغير كهذا أن يصير الآن **أثقل من الجدران، وأشدُّ من الرصاص؟**
–
في عمق الغرفة، جلستُ عند الزاوية التي كانت تتسلل منها قطة، لكنّها لم تعد.
أحسست أن كل من كان حيًا… قرر أن يغادر.
حتى الصوت الذي كان يهمس لي كل ليلة بأني لن أموت هنا، صار اليوم صامتًا، وكأنَّه هو الآخر فقد فاطمة.
**
“هل يمكن لحزنٍ صغير… أن يشقّ الروح نصفين؟
ما هذا الشرخ الصامت؟”
–
أغمضتُ عينيّ، فرأيت نفسي طفلًا، أركض خلف فاطمة، ثم فجأة تتحول هي إلى نهر، وأنا أغرق فيه، ولم أكن أقاوم، بل كنت أضحك.
–
وحين فتحت عيني، لم أعد كما كنت.
**
في هذه الليلة، **أدركت أنني لست مجنونًا. بل صرت إنسانًا نُزعت منه نقطة الثبات. كُسرت ببطء. ولم يسألني أحد: “هل تألمت؟”**
**
أمسكت بحصاة كانت قريبة من الفراش، همست لها:
“هل ما زلتِ كما أنتِ؟ أم أنكِ أيضًا تحولين حزنك إلى صمت؟”
ورفعتها إلى أذني… فلم أسمع شيئًا، لكنني شعرت… أن **الكون كله بداخلي يئن.**
–
ومنذ تلك الليلة، **لم أعد أخاف من الفقد، بل صرت أخاف من لحظة “ما بعد الفقد”، حين تنطفئ مشاعر الندم، ويبقى فقط… صوت الفراغ.**
–
وإذا سألني أحد:
**”متى بدأت شروخك يا مجنون؟”** سأقول: **”حين ماتت فاطمة في سيلٍ، ولم تمُت في قلبي.”**
**وراء النعش.. كنت لا أقوى على شيء**
خلف النعش لم أمش، و عيني لم تكن ترى الموت، بل ترى الحصاد. رأيت باكورة الذرة تتدلّى في خجل، كأنها تقول لي:
“اقترب.. واقطفني قبل أن تسبقني الغربان.”
لكنني لم أتحرك. كل شيء كان يطلبني، كل شيء كان يهمس في صدري: **ابقَ… قليلاً.** لكنني كنت أنصت لصوتٍ آخر… صوت لم يصدر من فمي، ولا من أفكاري. بل من مكانٍ غامض في عمقي، كأن أحدهم يشعل جمرة في روحي.
**
كانت شجرة المانجو، التي زرعتها جدتي منذ أن كنت صبيًّا، واقفة في فناء المزرعة، عارية… تساقطت منها آخر ورقة هذا الصباح. كأنها نزعت عن جسدها آخر ذاكرة، وقالت لي بلغة لا تُكتب:
“لا شيء هنا لك بعد الآن.”
أما أشجار الجوافة، فبدت وكأنها تعاني الشيخوخة، أوراقها مصفرّة، أغصانها تنحني إلى الداخل كأنها تواسي نفسها. التراب رطب، لكنه بلا حياة.
**
أغمضت عيني، ربما لأهرب من كل ذلك. لكن الأصوات كانت هناك، تنبثق لا من الخارج… بل من الداخل.
سمعت صوتًا يشبهني، لكنّه لم يكن أنا. كان من داخلي… ومن فوقي أيضًا. صوتٌ غريبٌ كأنّه أنا وأنا لست هو.
قال لي،
**“أنت طائر، يا من تظنّ نفسك زارعاً. لم تُخلق لتجثو عند هذه الجذور… بل لتكسر الهواء بجناحيك.”**
فتحت عيني مفزوعًا، علّ الصوت كان من الخارج. لكن الهواء كان ساكنًا، والطيور صامتة، وكل شيء يبدو كأنّه ينتظر أن أقرّر مصيري.
**
ثم رأيت ما لا يُرى. رأيت طائرًا قادمًا من بين أشجار “الشقر” و”الفيجال”، كان بعيدًا… ثم صار أقرب، وأقرب، حتى صار جناحه يغطي ضوء الشمس.
لم يكن طائرًا من هذا العالم. لم تكن له ريشات، بل خيوط من نورٍ باهت، وصوتُه حين ناداني… لم يدخل من أذني، بل من شراييني:
“غادرتك الفواطم، وحان وقت الفطام. اخرج من هذا المكان، من هذا التابوت المفتوح على شكل مزرعة. عليك أن تحلّق، لا إلى السماء، بل إلى داخلك.”
ثم سمعت همسا صغيرا في داخلي: يبدو ان الم الفراق جعلني أسمع أشياء لا وجود لها
**
ترددت. خطوت خطوة إلى الخلف. ثم خطوة إلى الأمام.
سمعتُ في خاطري صوت جدتي، كأنها تحذرني من الرحيل، لكن الصوت الجديد قال:
“الوفاء لا يعني أن تبقى في الرماد، بل أن تحمل الشعلة وتمضي بها.”
**
ركضتُ فجأة، بلا وعي. ركضت حتى وصلت إلى الساقية، الماء كان راكدًا، نظرت في انعكاسي فلم أرَ وجهي، بل رأيت الطائر نفسه، ينظر إليّ… ثم يرفرف، ويذوب في الموج.
**
جلستُ على الحجر، وبكيت. ليس لأني حزين، بل لأني تذكرت فجأة كيف كنت أضحك حين كنت مع فاطمة، وكيف صار الضحك غريبًا الآن. لكن الطائر قال لي:
“الضحك لم يمت، إنه ينتظرك عند سفح التجلّي.”
**
وهكذا، في تلك اللحظة التي انطفأ فيها الحقل، انفتح في داخلي نافذة.
ورأيت كل شيء كما لو كان حلمًا مضغوطًا في لحظة: فاطمة، جدتي، المرعى، المطر، المرض، النخل، الحجارة، الدفء، الغياب… كلها اجتمعت في صوتٍ واحدٍ يردد:
**”الآن… ابدأ السير.”**
.
الهبّة الأولى نحو المجهول
لم يستعجل المجنون الرحيل.
وقف عند آخر عتبة في المزرعة،
وحدّق…
لا، لم ينظر إلى شيء، بل غاص في الضوء نفسه.
الشمس كانت هناك، معلّقة كأنها لا تخصّ هذا العالم،
وكان هو أيضًا خارج كل شيء.
**
كأنّ الشمس تناديه بلغةٍ لا تحتاج إلى حروف،
بل فقط إلى وجعٍ يشبه الحنين،
ذلك النوع من الألم الذي لا يُبكَى منه،
بل يُنصت إليه.
ظلّ يحدّق،
حتى سالت دموعه دون أن يرمش.
فهم حينها ما لم يُفهم من قبل:
أن الصمت ليس سكونًا،
بل كفنٌ قديم نرتديه حين لا نجد الكلمات.
وأنّ الجناحين لا ينموان من الظهر،
بل من الحنين.
**
تحرّك الهواء من خلفه كأنّ الذاكرة نفسها تدفعه،
فاستدار ببطءٍ ليلقي نظرة أخيرة على كل شيء:
رأى الشجرة التي كانت تظلّله وهو صغير،
وقد شاخت أوراقها، لكن ظلّها ما زال يحتفظ بصور لعبه القديمة.
ورأى الدجاجة العتيقة التي ربّتها جدته،
تخطو وسط التراب بخفة،
وبجوارها خمسة فراخٍ كبروا فجأة،
كأنّ الزمن نفض عنهم الطفولة دفعة واحدة.
مدّ يده نحوهم ولم يلمس شيئًا،
أراد أن يقول للدجاجة شيئًا…
لكن الكلمات خذلته،
فهمس لها بعينيه:
“كُوني بخير… فليس في هذا المكان من سيحميك بعدي.”
ثم تذكر فجأة وكأن السؤال انفجر من داخله:
اين الفرخ السادس لماذا لم يكبر، هل مازال صغيرا..؟
وجاء الجواب سريعا. سرى صوتا في اعماقه:
انت الفرخ السادس والسابع ايضا، عليك ان تحلق بجناحيك الان
تقدّم بضع خطوات،
ثم التفت.
رأى رجال الشيخ،
كانوا يشرعون للتوّ في حفر بئرٍ جديد،
في المكان ذاته الذي ضُربت فيه النخلة بالبرق،
وما بقي منها إلا جذعٌ أسود ممدّد على التراب،
يشبه كثيرًا فؤاده بعد موت فاطمة…
موت جدته…
موت الحكايات.
فكر:
“كيف تحفرون الحياة في قلب ما احترق؟
لكن… أليست البئر نفسها حنينًا إلى الماء؟”
**
رفع عينيه مجددًا.
كانت الريح تهبّ من جهة الغرب،
محمّلة برائحة أشياء لا تُرى.
رمى بنفسه في مهبّها…
ومضى.
**
خطوته الأولى كانت خفيفة،
كأن الأرض لا تريد أن تثقله بشيء،
خطوته الثانية كانت مترددة،
كأنه ما زال يرى ظلّ جدته قرب الباب.
ثم… بدأ يمشي.
**
تسلل بين الأشجار،
ربّت على جذع التين الذي لطالما جلس تحت أغصانه،
لامس بيده حجرًا صغيرًا،
هو نفسه ذاك الحجر الذي رسم عليه وجه فاطمة حين كان في السابعة.
ثم همس للحجر:
“لا تنسني…
سأحمل ذكراك في صدري،
وأتركك هنا تحرس هذا المكان.”
**
في اللحظة التي جاوز فيها المزرعة،
سمع أصواتًا… ليست من البشر،
بل من الأشياء:
صوت المنخل الذي في المطبخ وهو يصطكّ خفيفًا بفعل الهواء، صرت اسمعه الان
وصوت باب غرفة جدتي يُفتح قليلاً ثم يُغلق، وخوار البقرة التي نسيت أن أودعها
وصوت السكين الذي اعتادت جدته استخدامه لتقطيع أوراق الكبزرة،
وصوت إناء الماء يناديه…
وكأن المكان يهمس له: لا ترحل.
لكن الريح قالت:
“دعهم… إنهم يعرفون طريق الوداع أكثر منك.”
**
الآن،
هو في العراء،
السماء تتفتح فوقه كالصفحة الأولى من كتابٍ لا عنوان له،
والأرض تحت قدميه تحوّلت من تربةٍ مألوفة إلى سؤال.
“إلى أين؟”
لا أحد يعرف.
لكنه شعر بخفةٍ عجيبة،
كأن الذكريات ذاتها تحررته…
كأن قلبه صار قابلاً للسفر.
**
هكذا يبدأ الترحال،
ليس بخريطة،
ولا بوجهة،
بل بكسر الظل الأول،
وبوعدٍ لم يُكتب… أن ذلك”الحيّ بانتظارك”
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية