رماد يغني للريح/بقلم: عبدالرحمن الجعمي

رحلة في عمق الذات
الأيامُ تتقاذفني أوراقًا لا اسم لها إلا في فم الريح التي ولدتني خريفًا.
شاطئُ الوهم لا يحرس البحر،
بل يُخفي ضلوعي عن الماء حتى أنسى أنني كنتُ قاربًا.
اخترتُ أن أغرق، فانشقَّ الصدر مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن فمًا، بل ساعةً رمليةً مقلوبةً داخل النبض.
ابتلع البحر الطفولة أولًا:
تلك اليد الصغيرة التي كانت تمسك حبل النجاة،
دون أن تعرف أنه مشنقة.
ثم ابتلع الشباب، حين كنت أسبح باتجاه شاطئ ثبت أنه وهم مرسوم على الماء.
في اللحظة التي اخترت الغرق،
انفطرت الندبة فمًا،
وانفطرت السماء فوق المدينة فمًا آخر،
فصار كل شيء يبتلع ويُبتلَع في الوقت نفسه.
صارت الضلوع رمادًا يتساقط كثلج أسود
على ذاكرة مدينة لم تعد تعرف اسمي.
وصار الصمت ملحًا يتسلل إلى الكلمات قبل أن تولد،
فيفككها حتى تصير تنفسًا مشلولًا،
تنفسًا يشهق اسمه ولا يجد صدرًا يحمله.
لا شاطئ.
لا ناجٍ.
لا أنا بعدُ.
الرماد الذي كان يسبح داخلي بدأ يتسرب إلى الخارج،
يغطّي وجوه الناس في الشارع،
ويذيب أعينهم كما ذابت عيني.
الآن يخاف الآخرون مني،
لأنهم يرون في صدري البحر الذي ظنّوه خارجهم.
ويصبح الخوف الذي كان يابسطي بحرهم،
ويبتلعهم ببطء كلما حاولوا إنقاذي.
لم أعد أسبح.
صرت الماء الذي أتنفسه ملحًا،
وصرت الصمت الذي يحوّل الخوف إلى أغنية للظلام،
الذي يغني للنور.
النجاة ليست الوصول إلى شاطئ،
النجاة أن يصبح الجسد البحر الذي كان يخافه،
ثم أن يصبح الخوف نفسه بحرًا يخاف من الجسد الذي صار هو.
وأنا —
أخيرًا —
لم أعد أسبح ولم أعد أغرق.
صرت الشق الذي يجعل العالم كله يتنفس ملحًا،
ويغنّي
بصوت الريح التي مزّقت شراعي قبل أن أُبحر.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!