عندما تبحث عن نفسك في زحمة العمران والحضارة الماديه هنا وهناك، عصر الإلكترونيات والرقم والكود والباركود والآب، تتزاحم عليك سحب التكنولوجيا، تمطرك وربما تجرفك إلى شواطئ بعيدة، أو تأخذك لمرافئ رهيبة وغريبة، محفوفة بمصطلحات لم تكن مألوفه من قبل، لتصبح هجيناً من الثقافات..
مثلاً عندما أرتشفُ الإسبيرسو، أو الأمريكانو، أو الكابتشينو ومثله الفريش وايت مثلاً،
يهمس في أذني هامسٌ: هل نسيت أنك تشرب القهوة قبل أن تصل إليك لفظة الارتشاف، وكنت تشرب الشاي في علبة فول أو بازيلاء، وأحيانا تلجأ لاقتطاع الجزء السفلي قنينة ماء بلاستيكية، وهي التي تقوم بالغرض في طقوس الشاي والقهوه وقبل كل ذلك تصلح كأساً للماء فوق زمزمية الماء التي تتشاركها مع صديقك أو زميل رحلتك.
يلاحقني ذلك الصوت البعيد، كما لو أنه يتنزل من الماضي المعلق فوق هشاشتي، أشعر حينها بلزوم التحايل على تلك اللحظة اللعينة، وأنا أتأمل عبوة المراعي والزبادي واللبن والجميد، سوف أمثّل أنني أتأمل تاريخ الانتهاء، لكنه يهمس في أذني مجدداً: ألا تتذكر رَيبَة الحاجَّه آمنه وهي تتلاطم في قنينة ماء (شملان) أو (حدّة) كنت تلتقطها من أقرب طريق..
يستمر ذلك الصوت البعيد في الاقتراب، مع المحافظة على هدوئه التام، يحاول أن يقول أشياء كثيرة على طريقته، وأنا أصغي للفلاش باك الذي يصف مدى التفاهة التي تختبئ خلف حضارة خاليه من القيم، وفي نفس الوقت استعرضت صورتي الجديدة وقد شببت عن طوق البدايات، وتقاليد القرية الحبيبه
لربما حاول مجدداً تحويل بوصلتي، والهمس في أذن مخيلتي:
لابد أنك تتذكّر رائحة قهوتك في صباحات القرية، حين كانت أدخنة البيوت تتطاول في السماء، تصعد دون انتظام، وهي تحفظ أصابع الأمهات حين تتشابك مع وقاحة الحطب، وتحاور وقاحة الشوك.. يتفاخر الأهالي في القرى بأمور بسيطة وغير معقدة، كأن يمتدح الرجال نساء البيوت التي يتصاعد دخانُّها أولاً، تستيقظ الشوفة (ربة البيت) على صياح الديوك، ثم توقظ أفراد البيت ابتداء من الإناث، وانتهاء بالذكور.. ستحصل معارك صباحية على الحلاوة والمشبك وأصابع زينب وبسكوت النارجيل، سيتحتّم على الأم أن تهرع، بعد أن تغمس يديها في صحن الماء الذي تحول لونه للأبيض أثناء الخبيز، لترى عن قرب ما الخطب، وتتعامل كقاضي نزيه، يفصل في خلافات الأطماع والسطو.
أتذكر الطريق المؤدي إلى المدرسة؟
كنت تعتبرُ نفسَك أحد أكبر سياسيي البلد، لأنك استطعت أن تخدعَ كلابَ الوادي، وتحوِّل طريقك إلى مكانٍ آخر، تقطعها أميالاً بلا مواصلات.
نعم كنت تعبتر نفسك من أكبر سياسيي العالم أيضاً، وإلا لماذا كنت تعمل على تكبير خطك؛ عندما كان المعلم يطلب منك كتابة صفحةٍ مّا عدة مرات، فتختصر الجهد والعدد.
نعم صديقي ما الذي تغيّر إذا كانت أعظم رائحةٍ تصلُ إلى أَنفِك دخان الكيروسين، حين تفرزُه جدران المنزل التي تتوسطها السراجات، أو الفانوس المعلق في السقيفه أو العشه بينما تضيع الآن حاسّتك الشميَّة وسط عروض شركات العطور العملاقة.
كنت تعتبر نفسَك وزير المالية، لمجرد أن تمسك القلمَ، لتكتب مقاضي الأسبوع في ورقةٍ مقطوعةٍ بشكلٍ طولي، لتذهب إلى السوق الأسبوعي صباح كل سبت، وللاحتياط ستأخذ القلم في جيبك، بغية التعديل في الطريق، والتأشير على المشتريات بنص القيمة، لكي توفر قيمة الفُرجه في قهوة يحيى مظيم، هناك في صحن سوق المحرق باعتبارها مُتنفسّاً للمنطقة، وترفيهاً يلبي أقصى طموحاتك اليومية.
يكفيك فخراً وأنت تُطقطِق بألوان قلم (أبو أربعة) بغية لفت انتباه زملائك في الفصل إلى بنطالك أو فانيلتك التي اشتريتها من مفرش إبراهيم دحدح، واستطعت بحنكتك وذكائك أن تغالطه في القيمة، والجزمة التي اشتريتها من دكان الرُحُومِي.. أين هي كمية الثقه التي كنت تملكها آنذاك، لمجرّد أن تسمع ردود الفعل الواو من بعض زملائك..
مالذي تغير صديقي أجبني.. أجبني قبل أن يضع عامل المقهى كاسة الـ سبانش لاتيه أمامك الآن.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية