بائعة  اللوز/بقلم :عارف محمد الهجري

 

بدأت أشعة الصباح تمد ذراعيها المنتشيتين على  مدينة تعز موحية بميلاد يوم جديد . الضباب المستلقي في هضاب جبل صبر بدأ يتحول إلى سراب . الناس لتوهم يتجولون هنا وهناك . أخذ الباعة في البسطات والمحلات أماكنهم في منظر الفته المدينة كعادتها في سريان حياة .
الساعة تشير إلى الثامنة الآن وهو الموعد الذي تاتي معه بائعة اللوز إلى شارع محمد علي عثمان عند مدخل المسبح لتبيع فيه بعد أن تاخذ مكانها بجوار إحدى البقالات   فقد أصبحت معروفة لدى الجميع  . كانت تبدو وكأنها عنقود شعاع ذهبي جاءت به الشمس من عليائها لتملأ المكان ضياء وبهاء .
حل أحمد ضيفاً على المدينة فقد جاء من القرية للنزهة ولأول مرة يشاهد ناهد بائعة اللوز التي تجلس بجوار بقالة صاحبه الذي ينزل عنده منذ جاء من القرية  …
جلس بالقرب منها ينظر اليها وهي جالسة وأمامها كيس تبيع فيه اللوز كانت عيناها واسعتين ذات كحل رباني هندسها بديع الصنع في جمال متفرد.. ويدان مخضبتان وشعر يتكتل خلف غطاء في عنبورة تسبي العين .. تقفز إليها النظرات ولاتعود ..رابطة رأسها بعصبة صبرية منمقة بنقش جميل ..
ويعلو ثوبها ذلك الحرير الملون بالألوان الزاهية  إنه الزّي التعزي الجميل
كان خداها متوردين بحمرة الدم المزين لوجنتيها  ليزيد جمالها ينعة وبلوغا .. عنقها الطويل يبدو مكشوفاً مثل زجاجةً متوهجة  يكاد بياضها يضيء  ..وفي صدرها قنديلان  يوحيان بالأنوثة وعنفوان الشباب يشعلان الروح لهباً .

كانت تنادي في المارة حب العزيز..حب العزيز بلهجتها الصبرية وكان صوتها الاسطواني يموسق الخلجات . جلس أحمد ينظر اليها بإعجاب شديد إنها في منتهى الملاحة والصبا  كانت كلما تبسمت بان من ثغرها وميض أشبه بسناء خاطف  ..ظل فترةً طويلة شارد الذهن يتأمل في ذلك الجمال المثير .. والناس يبتاعون منها ، كانت كلما تبسمت في وجه من يشترون منها تبسم هو معها بطريقة لا إرادية  . نظر إليه صاحب البقالة   .. وقال له أحمد  أعجبتك ..ردعليه تجنن ياصديقي .. سبحان الخالق ..  ..تبسم صاحب البقاله  ثم أنشغل عنه ببيع الحاجيات من بقالته للمشترين . .
ظل أحمد يتابعها و يرسل  نظراته إليها . فقد شدته تلك الحلقة الهائلة من الحسن الساحر . وكم تعلقت عيناه بابتساماتها التي تحاكي الروح وتخالط النفس .. وخصوصاً عندما تتمازج مع نظرات عينيها  في جمال ملائكي نادر .
نظرت إليه متبسمة وقالت له مالك ..قال لها ..ها لا لاشي ..لأول مرة  أشاهدك هنا  .. هل يقرب لك إبراهيم؟ .. نعم هو  ابن خالي .. تشرفنا ..ثم عادت لتبيع ماتبقى من اللوز ..وكانت تنظر إليه أحياناً وتعلو وجهها إبتسامة رقيقة . وكان كلما نظر إليها أبعدت عينيها عنه موحية بعدم الإكتراث به . .
كان يحدث نفسه وهو يتامل في رونق جمالها ..
نظراتك الخاطفة تتغلغل في أعماقي وتنبت الورد في قلبي وتبعث في نفسي حياة جديدة . إلى أين ترسلين سهامك القاتلة هذه فأنا لا أحتمل  ..
كان أحمد مفتول العضلات ذو شارب خفيف ووجه وسيم بري  ..
نظرت إليه هذه المرة وتبسمت إبتسامة طويلة  ..ثم لملمت شفتيهها المحمرتين إلى داخل فمها في حركة زادتها أنوثة واغراء   ..بادلها الإبتسامة وعلق عينيه بها .  فطاطأت رأسها خجلاً . ثم أقترب منها وقال لها تسمحي لي …أدارت وجهها قليلاً وقالت له ماذا تريد؟  تفضل ..من أين أنتِ ؟ أجابته من جبل صبر ..وهل يحوي جبل صبر كل هذا الجمال ..أشتد وجهها إحمراراً فوق حمرته فلم يعد هناك فرق بينه وبين تلك الورود الحمراء التي تزين وجهها ..مالك ! ..لا ولاحاجة أخجلتني ..قال لها لست أدري لماذا لايحق للواحد منا أن يعبر عن مشاعره عندما يرى وردة جميلة ومثلك لايمكن للواحد أن يصمت دون قول .. قالت له ماذا أجننت !؟
. أنا المجنون أفضل من عقلاء المدينة من لم يـدركوا هذا الملكوت .. أنت فائقة الحُسن ..وفي منتهى الرقة ..للنسيم الأبرد أن يغار منك ..
كانت ناهد قد أكملت بيع اللوز ولم يبق  معها سوى القليل  ..قال لها سأشتري منك بخمسمائة ريال ..قهقهت وقالت له هو نصيبك لم يبق معي غير ماطلبت ..تراجع وقال لها خلاص إذا كنت ستبيعيني  ماتبقى و ستذهبين لا أنا أريد بمائة فقط ..قهقهت هذه المرة حتى شرغ الدمع عينيها الكحيلتين ..وبان محياها كهالة صبح جميل.. ثم قالت له خذ إذاً  ماتبقى هدية مني لك ..
دعني أعود إلى منزلي فقد تاخرت هذا اليوم .. لملمت كيسها وأعادت الكرسي إلى إبراهيم صاحب البقالة ثم أومت لأحمد بطرفها الساجي مع تلميح بيدها كسلام ووداع..   فكاد قلب أحمد أن يخرج منه لشدة نبضاته ..أشارت إلى الباص وصعدت عليه تاركة تنهيدة طويلة في خلجات أحمد كانت تكبر في داخله مثل بركان ساخن لاتتوقف نيرانه  ..
رفعت مآذن تعز صوت آذان الظهر . أتجه أحمد وصديقه ابراهيم إلى المسجد للصلاة ومن ثم إلى سوق القات جوار فندق ديلوكس وعادا لتناول الغداء في منزل ابراهيم .. الحمد لله سفرة دائمة أخي إبراهيم ربنا يخلف عليك بالخير .. أكيد سوف نقيل في البقالة . نعم نعم في البقالة ..هناك نبتاع ونشتري ونخزن . وفي المقيل قال له إبراهيم كان هذا اليوم إستثنائياً وجميلاً يا أحمد .. رايتك مبتهجا وسعيدا ..نعم صدقت يا أخي هى تعز هكذا جميلة وتبعث الانشراح دائماً .. ضحك ابراهيم وقال له ؛ تعز وإلا اللوز الذي فيها ثم ضحكا معاً وأستمرا في المقيل والحديث بينهما لاينتهي ..
الساعة تشير إلى السادسة كيف يمضي الوقت في تعز ولاتشعر به يالجمال وروعة جو هذه المدينة الحالمة . تختلف عن كثير من مدن الجمهورية . .هكذا كان يحدث أحدهم وهو يجلس على الرصيف في جولة المسبح  أمام البنك البريطاني بعد أن أكمل فترة المقيل منذ الخامسة  .
بدأت أضواء النيون تتغلب على ماتبقى من ذراعي الشمس الكسلى في منظر أخاذ وكأن المدينة تستعد لمهرجان ليلي حافل . .صعد أحمد إلى شرفات منزل صديقه مستلقياً على فراشه حيث الجو المنعش والهواء العليل ينظر إلى جبل صبر في مشهده الليلي الساحر والأضواء تتوزع فيه وفوق منازله وعلى روابيه حيث بدا له وكأن النجوم تنام على قممه وسفوحه ليلاً ..هناك تعانق النجوم القمم وتستلقي الشابورات على روابيه كي تغط في نوم عميق  في جمال بديع ومشهد توحد فردوسي رائع .
أخذ يحدث نفسه كم فيك من السحر والجمال ياصبر .. ياترى أي من هذه المنازل المتوهجة تكون بيت ناهد .. كان القمر في اكتماله وقد أقترن بكوكب المشتري في أقتران نادر الحدوث .وكان لايزال يحدث نفسه..  ذلك البدر هو وجه ناهد وأنا ذلك النجم الملتهب بجواره ..ياااه دعيني أحدثك عن حبي ياناهد في السماء حيث لاتدركنا سوى عيون العاشقين السهارى .. دعيني أوزع قبلاتي على وجنتيك .والثم شفتيك الذابلتين من نضوج .وأقص عليك أحجياتي  ..صعد إليه إبراهيم وقال له مقاطعاً حديث عشقه ..ها يا أحمد أراك في هيام ومن يدري علك تقول شعراً .. هل أعجبك منظر جبل صبر ..أم صادتك ناهد ثم قهقه بصوت عال .. والله  صدقت ياعزيزي لقد صادتني تلك الغزالة بسهامها .. أي ملاحة تمتلك .. صبية يا إبراهيم منتهى الغنج والدلال .. قال له ابراهيم والتحافة يا أحمد .نعم والتحافة أيضاً ..أرأيت ذلك القوام السمهري الذي يعتليه وجهً أشبه بذلك البدر الذي في السماء .رد عليه إبراهيم والله من صِدقك هايم .أين جاءت عمتي  بدرية تشوف ابنها .. بس تدري يا أحمد صعب الواحد يتزوج من جبل صبر وذلك لغلاء المهور بشكل كبير .. وهذه تعد مشكلة كبيرة عندهم .لايتزوج من هناك إلا من لديه من المال الكثير فهو يحتاج إلى إمكانات أيضاً  .. وناهد هذه هي الجوهرة الثمينة هناك .. يعني عليك أن تبيع ماخلفه لك والدك من أرض في القرية للتزوج بها  وربما لا تكفي يامسكين .. المهر.. والذهب.. والتكاليف ..الله يعين الشباب هناك . وبعدين مسرع صرعتك هكذا ..صلاتك على النبي  نم أيها العاشق المجنون نم .. لاتتعب نفسك .. ولاتشغل بالك . تصبح على خير يا ابن عمتي .. وأنت من أهله حبيبي ..
لم ينم أحمد ليلته فقد بات مستغرقاً في تفكير طويل ناظراً إلى القمر تارة وتارة أخرى يخاطب الجبل مخاطبة العاشق المغرم .. ويلح على الليل في الانزياح لتأتي معشوقته المدينة ..
بدأ الصباح يقبل ثغر مدينة تعز الحالمة .وبدأت طيور الجبل تخرج من أكمامها محلقة في سماء المدينة وماهي إلا سويعات حتى وصلت بائعة اللوز لتجلس في موقعها كعادتها مزينة باكليل من الورد تتحدى جمال الدنيا وفتياتها واضعة هذه المرة على أنفها الكبريائي حبة صغيرة من الذهب الخالص فكانت محل فتنة فائقة وأغراء آســر .. أغمض أحمد عينيه وقال في نفسه  ياه ما لهذا السحر المبين يُبين ..  لافكاك ياناهد ..نعم والله لافكاك لقد أصابني أملدك وقتل ..
نظرت إليه وقالت له صباح الخير ..مالك اليوم . أين شارد من الصبح .. عاد الناس يصبحون .. يقولون حاجة .. كانت تحدثه بوجهها البشوش الطلق . .. قال لها نعم والله وأنتِ الصادقة أنا منتظر من الفجر من أجل أن أصبح عليك  لكنني  سبحت  في هذا الملكوت السابي للقلب .. والإشراقة التي لاتشبهها طلوع شمس ..تبسمت وقد أخرجت طرف لسانها الصغير الأحمر من بين ثناياها هذه المرة لتكتمل هنا  اللوحة بروعتها وجمالها  رافعة حاجبيها متعجبة من كلامه الجميل وفصاحته وقالت له مهلاً مهلاً أهذا شعر أم غزل ! .. يالله الرضا والكلام الحالي  .. من أين أ تيت لي أنت ؟
أقترب منها وقال لها لعمري إنك ولدتي من رحم وردة في ربيع مُسقى بالهثيم  .
سأقول لك من الآخر ياناهد..  مثلك لم تر قط عيني  فاعذريني
..لم تتمالك نفسها فوقفت أمامه وكلها أنوثة وعذوبة ..فكانت مثل غصن يتدلى بثماره اليانعة ..وربما أشبه بقمر خالط شعاع شمس في نهار  ليوسوس فيه فضول الشباب ..كانت رائحة العطر تفوح منها مثل وردة أستفاقت في الغبش المطلول ..لم يتمالك نفسه أخذ حبة من اللوز محاولاً وضعها في فمها المغري ..قالت له انتبه نحن في الشارع أنسيت ..والله انك مجنون .. أجابها مجنون منذ رأيتك ..  آسف قد طيرت عقلي  .. حاولت أن تتخطى الموقف حتى لايشعر أحدً بما حدث . ونادت حب العزيز حب العزيز . ثم قالت له أتريد حب العزيز  ..أجابها لا بل أريد بائعته هذه المرة  ..تبسمت ورفعت حاجبيها النونيين  ها  ..غير مصدقة ماتسمع منه ..إلى ماذا ترمي ….
قال لها نعم ماتسمعينه  الآن ..أتقبلين بي زوجاً لك …؟
أنتهت
————————
قصة الأستاذ عارف محمد عبدتلجليل الهجري
15 يوليو 2019

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!