كتب: الشاعر أمين المَيْسَري
أحمد رامي (1892م – 1981م) وجه من وجوه الشعر المصري كما عرف عند العوام بالشعر الغنائي. وخاصة في كتابته لأغاني أم كلثوم.
ولكن أحمد رامي شاعر فصحى في المقام الأول. كتب شعراً فصيحاً جميلاً.ولو استمر في ذلك لكان أمير الشعراء بعد شوقي.
عموما الشعر الغنائي والشعر الفصيح كلاهما فيهما موسيقى الشعر.
نص(أذكريني) وقد جاء على بحر الرمل
أذكريني كلَّما الفجر بدا
ناشراً في الأفق أعلام الضياءْ
يبعث الأطيار في أوْكارها
فتحيِّيه بترديد الغناءْ
قد سهرتُ الليلَ وحدي
بين آلامي وسُهْدي
وانجلى الصبح وهلاَّ
وانطوى الليل وولَّى
فتذكّرتُ الذي كان وراحا
حين أفنيناه أُنساً ومِراحا
وجرى دمعيَ من فرْطِ حنيني
فارحمي قلبي وحنِّي واذكريني
أذكريني كلما الطيرُ شدا
مرسلاً في الدوحِ ألحان الصفاءْ
يُنصت الزهرُ إلى أنغامه
فيحيِّيه ببشْرٍ وانحناءْ
قد ظللتُ اليوم أبكي
من أذى دهري ومنكِ
وشدا الطيرُ وغنَّى
وتناجى وتهنّى
فتذكّرتُ الذي طاف بسمعي
إذ مزجت الكأس في كفِّي بدمعي
وهفا قلبيَ من طولِ أنيني
فارحمي دمعي وغنِّي واذكريني
اذكريني كلّما الليلُ سجَا
باعثاً في النفس ذكرى الأوفياء
يعرض الماضي ويجْلو صفحةً
أشرق الإخلاصُ فيها والولاءْ
قد سقيت الحبَّ وُدِّي
ورعيتُ العمرَ عهْدي
وبدا لي ما ألاقي
من تباريحِ الفراقِ
فتذكرت ليالينا المواضي
بين شكوى وَتَجنٍّ وتراضِ
واشتكتْ روحيَ من نار شجوني
فصِليني بالتَّمَنِّي واذكريني
(نبذة مختصرة عن أحمد رامي)
*****
(أحمد رامي (1892 – 1981) أحمد رامي شاعر ومترجم مصري، وُلد في 9 أغسطس 1892 وتوفي في 5 يونيو 1981. يُعد من روّاد الشعر الغنائي العربي في القرن العشرين، وقد اقترن اسمه بفنّ أم كلثوم، إذ كتب لها أكثر من مئة أغنية شكّلت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الطربية العربية، منها: “جددت حبك ليه”، و”الأطلال”، و”رق الحبيب”، و”هجرتك”. كما كتب أيضًا لمحمد عبد الوهاب وعدد من كبار المطربين في عصره. تميّز رامي باستخدامه لغة شعرية رصينة في قالب بسيط ومباشر، مما جعله قادرًا على التعبير عن أرقى المشاعر بأسلوب قريب من الناس. وكان له دور بارز في الارتقاء بالكلمة الغنائية، حيث مزج بين الأصالة والحداثة، متأثرًا بثقافته الواسعة التي تعززت بإتقانه عدة لغات، خاصة الفرنسية والفارسية. إلى جانب نشاطه الشعري، عمل مترجمًا، ومن أشهر أعماله ترجمته لرباعيات الخيام من الفارسية إلى العربية، وهي الترجمة التي لاقت رواجًا واسعًا واعتُبرت من أبرز ترجمات الأدب الفارسي إلى العربية. كما تولّى مناصب ثقافية مرموقة، منها عمله في دار الكتب المصرية ومكتب العلاقات الخارجية بوزارة المعارف. نال أحمد رامي عدة تكريمات وجوائز، من أبرزها جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1967، ووسام الفنون والآداب من الحكومة الفرنسية، تقديرًا لعطائه الثقافي والأدبي. وقد لُقِّب بـ”شاعر الشباب” في بداياته، إلا أن مسيرته الممتدة وثراء تجربته جعلاه واحدًا من أعمدة الشعر الغنائي العربي الحديث.(1)
لُقّب أحمد رامي بشاعر الشباب لكتابته قصائد الحب ولرقة عاطفته وعذوبة شعره الغنائي.
في شعره الغنائي نجد سهولة الكلمات وصياغته لها على طبق من ذهب.
نص كلمات(عودت عيني) وقد لحنها الموسيقار رياض السنباطي
عودت عينى علا رؤياك و قلبى سلم لك امرى
اشوف هنا عينيا فى نظرتك ليا
و القا نعيم قلبى يوم ما التقيك جنبى
و ان مر يوم من غير رؤياك ..ان مر يوم من غير رؤياك
ان مر يوم من غير رؤياك..ان مر يوم من غير رؤياك
ما ينحسبشى
ما ينحسبشى من عمرى
…..
قربك نعيم الروح و العين
و نظرتك سحر و الهام
و بسمتك فرحة قلبين
عايشين علا الأمل البسام
و ان غبت يوم عنى
افضل انا و ظنى
يقربك منى و يبعدك عنى
يقربك منى و يبعدك عنى
و احتار فى امرى معاه و معاك
و ان مر يوم من غير رؤياك ..ان مر يوم من غير رؤياك
ان مر يوم من غير رؤياك .. ان مر يوم من غير رؤياك
ما ينحسبشى
ما ينحسبشى من عمرى
…..
لو كنت خدت علا بعادك كنت اقدر اصبر و استننا
و اسهر علا ضى ميعادك لما الزمان يجمع بينا
ابات علا نجواك و اصبح علا ذكراك
و اسرح و فكرى معاك لكن غالبنى الشوق فى هواك
و ان مر يوم من غير رؤياك .. ان مر يوم من غير رؤياك
ان مر يوم من غير رؤياك .. ان مر يوم من غير رؤياك
ما ينحسبشى
ما ينحسبشى من عمرى
…..
زرعت فى ظل ودادى غصن الأمل و انتا رويته
و كل شئ فى الدنيا دى وافق هواك انا حبيته
و مهما شفت جمال و زار خيالى خيال
انتا اللى شاغل البال و انتا اللى قلبى و روحى معاك
و ان مر يوم من غير رؤياك ..ان مر يوم من غير رؤياك
ان مر يوم من غير رؤياك .. ان مر يوم من غير رؤياك
ما ينحسبشى
ما ينحسبشى من عمرى
…..
و يوم ما تسعدنى بقربك الاقى كل الناس احباب
و يفيض علا نور حبك اقول مفيش فى الحب عذاب
الحب كله نعيم لا فيه عزول بيلوم..ولا فيه حبيب محروم
يا ريت يدوم للقلب صفاك و اقضى طول العمر معاك
دا ان مر يوم من غير رؤياك..ان مر يوم من غير رؤياك
ان مر يوم من غير رؤياك..ان مر يوم من غير رؤياك
ما ينحسبشى
ما ينحسبشى من عمرى
في مقدمة ديوان أحمد رامي يكتب صديقه الشاعر صالح جودت:
(ما أحببت في حياتي شاعراً قدر ما أحببت رامي.
ولا حاربتُ في حياتي شاعراً قدر ما حاربت رامي.
وقصة هذه الحرب، أنه من ربع قرن، كان كلما لقيني، قال لي:
-أهلا بالشاعر الذي لم يزجل.
ذلك أنني إلى ذلك العهد لم أكن قد مارست فن كتابة الأغنية الدارجة بعد، وكنت أحس أن رامي بي إذ يقول لي عبارته تلك، وأحس في الوقت ذاته أنه حزين النفس، إذ أضاع زهرة العمر في نظم الأغنية الدارجة، وهي ضرب من الزجل، حتّى عرفه الناس بها أكثر مما عرفوه شاعراً، على حين أن الله قد خلقه شاعراً وأجزل له العطاء في موهبةالشعر، ولمع اسمه في أوائل العشرينات، حتّى خيل للناس أن لاخليفة لأمير الشعراء غيره)(2)
طبعت الأعمال الكاملة للشاعر أحمد رامي عن دار العودة في بيروت،وقد وصلت طبعاته إلى الحادية عشرة وهي بحوزتي ،دون تاريخ الطبع. وضمّت كل أعمال الشاعر الفصيحة والعامية في مجلد واحد.
نص(إلى أم كلثوم)
ما جال في خاطري أنّي سأرثيها
بعد الذي صُغتُ من أشجى أغانيها
قد كنتُ أسمعها تشدو فتُطربني
واليومَ أسمعني أبكي وأبكيها
صحبتُها من ضحى عمري وعشتُ لها
أدفُّ شهدَ المعاني ثمّ أهديها
سُلافةً من جنى فكري وعاطفتي
تُديرها حول أرواحٍ تُناجيها
لحناً يدبُّ إلى الأسماع يَبْهَرُها
بما حوى من جمالٍ في تغنيّها
ومنطقاً ساحراً تسري هواتفُهُ
إلى قلوب مُحبّيها فتَسبيها
وبي من الشَّجْوِ.. من تغريد ملهمتي
ما قد نسيتُ بهِ الدنيا وما فيها
وما ظننْتُ وأحلامي تُسامرني
أنّي سأسهر في ذكرى لياليها
يا دُرّةَ الفنِّ.. يا أبهى لآلئهِ
سبحان ربّي بديعِ الكونِ باريها
مهما أراد بياني أنْ يُصوّرها
لا يستطيع لها وصفاً وتشبيها
فريدةٌ من عطاياهُ يجود بها
على براياه ترويحاً وترفيها
وآيةٌ من لُدُنْهُ لا يمنُّ بها
إلا على نادرٍ منْ مُستحقّيها
صوتٌ بعيدُ المدى.. ريَّا مناهلهُ
به من النبرات الغرِّ صافيها
وآهةٌ من صميم القلبِ تُرسلها
إلى جراحِ ذوي الشكوى فتشفيها
وفطنةٌ لمعاني ما تردّدهُ
تجلو بترنيمها أسرارَ خافيها
تشدو فتَسمع نجوى روحِ قائلها
وتستبينُ جمالَ اللحنِ من فِيها
كأنما جَمعتْ إبداعَ ناظمها
شِعراً وواضعِها لحناً لشاديها
يا بنتَ مصرٍ ويا رمزَ الوفاء لها
قدّمتِ أغلى الذي يُهدَى لواديها
كنتِ الأنيسَ لها.. أيّامَ بهجتها
وكنتِ أصدقَ باكٍ.. في مآسيها
أخذتِ منذ الصِّبا تطوينَ شقَّتَها
وتبعثين الشَّجا في روح أهليها
حتى رفعتِ على أرجائها عَلَماً
يرفُّ باسمكِ في أعلى روابيها
وحين أَحدَقَ بالأرضِ التي نَشَرتْ
عليكِ أفياءها شرٌّ يُعنّيها
أهبتِ بالشعبِ أنْ يسعى لنجدتها
بالمال والجهد.. إحياءً لماضيها
وطُفْتِ بالعُرْبِ تبغين النصيرَ لها
والمستعانَ على إقصاء عاديها
حتى إذا صدقتْ في العون همّتُهم
وجاءها النصرُ وانجابتْ غواشيها
عاد الصفاء لها وارتاح خاطرها
بعد القضاءِ على ما كان يُضنيها
وأقبل الغربُ يسعى في مودّتها
لما رأى من طموحٍ في أمانيها
يا من أسِيتُم عليها بعد غيبتها
لا تجزعوا فلها ذِكرٌ سيُبقيها
وكيف تُنسى؟ وهذا صوتُها غَرِدٌ
يرنُّ في مسمع الدنيا ويُشجيها
أضفى إلهي عليها ظِلَّ رحمتهِ
وظَلَّ من منهل الرضوانِ يسقيها
تبلى العظامُ وتبقى الروحُ خالدةً
حتى تُردَّ إليها يومَ يُحييها
أمين الميسري
25رمضان1447ه
14مارس2026م
هوامش:
(1)موقع الديوان
(2)مقدمة صالح جودت في الديوان ص الأولى
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية