ذاكرة بيضاء/بقلم:لبنى القدسي

ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، لا يقطعه سوى نحيب عماد وهو جاثٍ عند قدمي أمه.
قال بصوتٍ منكسر:
“أنا عماد يا أمي… بكرُكِ… عدت من الغربة لأجلكِ. انظري إليّ… قولي إنكِ عرفتِني!”
رفعت سعاد عينيها نحوه. ابتسمت ابتسامة شاردة، ثم مضت نظرتها بعيدًا، كأنها ترى شيئًا خلف الجدران. في عينيها بحرٌ بلا مرافئ ، ذاكرةٌ بيضاء مسح المرض سطورها، فلم يبقَ فيها وجهٌ واضح.
ضحكات قديمة، عرسٌ بعيد، أطفال يركضون… صورٌ مبعثرة تعبر خاطرها، لكنها لا تمسك بشيء.
اقترب أحمد.
جلس إلى جوارها وقال برفق:
“هذا عماد يا سعاد… أول فرحتنا. أتذكرين كيف كنتِ تحملينه وتطيرين به؟”
ارتفع صوت عماد بالبكاء، وضرب الحائط بقبضته:
“يا الله… أين دعواتها لي؟ أين قلبها الذي كان يخفق حين يراني؟”
دخلت جميلة، صديقة عمرها.
قال أحمد محاولًا:
“انظري يا سعاد… هذه جميلة، ابنة خالتك تقية.”
ضحكت سعاد بخجل طفولي:
“خالتي تقية رحلت… بعيدًا جدًا.”
لم تكن تدرك أن جميلة تقف أمامها؛ ففي قاموس ألزهايمر يسكن الراحلون في الداخل، ويصبح الحاضرون غرباء.
سحبت سعاد جسدها الواهن، وأرخت رأسها على فخذ أحمد، كما اعتادت كلما خافت. مرّر يده على شعرها، فأغمضت عينيها مطمئنة. وحده وجهه بقي محفوظًا في خرائط قلبها، حين تاهت بقية الوجوه.
نظر أحمد إلى ابنه، ودمعة ثقيلة تنحدر على وجنته:
“هي وطني الذي يُهدم أمامي… ولا أملك إلا أن أحرس أنقاضه.”
غادر عماد الغرفة باكيًا، وساد الصمت.
عاد أحمد بذاكرته عقودًا إلى الوراء..
عندما قصد بيت الشيخ في القرية المجاورة ،ليبيع قطعة أرض تملكها أمه، ليتمكن من شراء تأشيرة سفر ويتزوج ابنة عمه. وعندما طلب ماءً بعد عناء الطريق.
جاءته سعاد بكوب الماء فكان عذبا كأنه الشهد،
لم تكن شربة ماء فقط؛ كانت بداية انقلاب العمر.
نظرة واحدة منها بدّلت وجهته. نسي السفر، ونسي ابنة العم، ولم يعد يرى في الدنيا إلا تلك العينين.
طلبها للزواج، فاشتعلت العواصف.
أبوها شيخ القرية، وهي ابنته المدللة.
أمه خافت من بطش الشيخ.
الناس ثاروا.
اعلنت سعاد الحرب لأجله،
حُبست في مخزن أسفل الدار. قُيّدت. مُنعت من الخروج.
لكنها هربت بمساعدة أختٍ كانت تضمر غير ما تُظهر. لجأت إليه، فتبرأ منها أبوها، واعتبرها المجتمع خارجة عن أعرافهم.
حتى أمه ترددت، وخشيت “الفتاة الهاربة”.
لكن أحمد لم يتراجع.
عقد عليها في قرية أخرى، وتنقلا طويلًا هربًا من العيون والهمس، حتى استقرا في مدينة بعيدة، وبنيا حياتهما من لا شيء… إلا من حبٍّ عنيد.
جاءها الزهايمر مبكرًا، ضيفًا ثقيلًا لا يغادر.
فجأة فتحت عينيها ، وهمست باسمه:
“أحمد…”
انحنى يقبّل جبينها، وهمس:
“نامي يا حبيبتي… أنتِ اشتريتِ الحب لأجلي يومًا، وأنا اليوم أشتري العمر لأجلكِ. كنتِ سندي، وسأبقى عائلتكِ.”
عادت لتغرق في بياضها.
ظل أحمد جالسًا، يحرس أنفاسها المنتظمة.
في الخارج ابنٌ مكسور، وفي الداخل زوجٌ يحرس ذاكرةً تذوب.
حكاية بدأت بشربة ماء،وانتهت بوفاءٍ لا يمحوه النسيان.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!