أشكال السرد وأدواته المختلفة في كتاب ” خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل ” القصصي

بقلم:بقلم:الناقد. عبد النبي البزاز. (يغداد _ العراق )

 

يتشكل كتاب ” خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل ” من 25 قصة موزعة بين قسمين : أول موسوم ب ” خَفْق إلى أعلى ” ، وقسم ثاني معنون ب ” خَفْق إلى أسفل ” ومنهما يتكون عنوان الكتاب ” خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل ” ، ورغم ما تزخر به قصص المدونة السردية من انزياحات صادرة عن اختلاف في الرؤية والنهج القصصيْن فإنها ظلت رهينة لعناصر القصة وثوابتها المعروفة من شخوص مثل : ” الرايس ” بقال الحي في القصة الأولى ” هَبَّة ” ، ورئيس تحرير جريدة وهو مغربي سبعيني ، والمخرج السينمائي الشاب المغربي ، والسيدة الأمريكية اللاتينية الأربعينية ، والطالب المغربي الذي يدرس الصيدلة بأوكرانيا الذين جمعتهم قصة ” رحلة ” ، ومنال وصديقتها وفاء في قصة ” شعاع ودائرتان ” ، والراوي وصديقه ” أَنَس ” في قصة ” فرح آخر ” ، وفؤاد ( مول التفاحة ) في قصة ” الجمال ” ، وعثمان في نص ” صديقي فلوبير ” . وعنصر المكان الذي تعددت محطاته . فضلا عن عناصر قصصية أخرى من وصف ، وحوار داخلي ( مونولوغ) ، وخارجي ، واسترجاع واستباق … وهو ما يؤكد امتلاك القاص لأدوات وعناصر السرد الأساسية ، واستعمالاته وتوظيفه لها بشكل يمنح متنه القصصي أسسه ودعائمه المعروفة والمتبعة . قبل الانتقال والخوض في أشكال أخرى تعبيرية ودلالية متمثلة في علاقة السارد بقصصه والتي ينساق لكتابتها بدوافع ونزعات مختلفة كما يصرح بذلك : ” وبقدر ما يحفزني شغفه على امتشاق القلم ، وكتابة القصة القصيرة التي أعشق … ” ص 68، والتي سببها عشق صديقه للرواية النابع من نرجسية محمومة ، ورغبة جامحة : ” كنت أستغرب من نرجسيته ، وحبه للرواية من أي شيء آخر ، أو شخص آخر .. يقرأها ، ويكتبها يوميا .. ” ص 68، وأيضا نفوره من دروس الجامعة الجافة والتي لا تتماشى وميولاته الإبداعية لما تخضع له من قيود منهجية ، وغزارة في المعلومات تلتزم التدرج المنطقي ، والكم الهائل من المعلومات … مما جعله يجنح إلى القصة دون غيرها لما تتميز به من حرية وتكثيف … إلا أن هذا الولع بكتابة القصة لا يخلو من معاناة وجَلًد للتمكن من استدراجها ، وتليين استعصائها وتمنعها ، وارتباطا بعلاقة الكاتب مع القصة تم طرح موضوع العنوان ، وما يشكله من قيمة داخل نسق الكتابة القصصية كما ورد في قصة ” العنوان ” حين بادرته الفتاة العشرينية السمراء داخل فضاء المقهى بسؤال عن عنوان قصته ، ومن ثمة الانتقال إلى عنوان حياته ، ويمضي السارد مستطردا في تحديد ماهية العنوان وقيمته الدلالية والرمزية : ” أحرجني سؤالها . ربما لا تعلم أن للعناوين سلطتها وهيبتها ، عتبتها عالية ، ومنحنياتها متعنتة وعرة … ” ص61، فيجيب عما تتطلبه العناوين من جهد ذهني ، وحيز زمني لتكتمل وتتحدد ، وعطفا على العلاقة بموضوع الكتابة القصصية يحضر الناشر الذي طلب من الراوي تغيير عنوان مجموعته القصصية ، وكان العنوان الجديد الذي استوحاه من خلال حوار جمعه بصديقه المتشائم الذي حدد زمن كتابة قصصه و قراءتها في الصيف ، فاهتدى إلى عنوان : ” قصص الصيف ” الذي راق الناشر واستحسنه ، وموقف صديقه العاشق لكتابة الرواية وقراءتها في قصة ” صديقي فلوبير ” ، من النشر : ” أظن أن القصص التي تنشرها لك بعض الجرائد الورقية ، مصحوبة بصورك ( السيلفي ) ، التي تلتقطها لنفسك، ستجعلك كاتبا معروفا ؟!…” ص69 ، كما وردت في قصص الكتاب موضوعات مثل الهجرة في قصة ” الجمال ” ، وما يرتبط به من أسباب اجتماعية ترى الرحيل عن الوطن خلاصا من أوضاع مزرية كما نقرأ في القصة : ” على جدار المدرسة المقابلة لبيت والديه للدار البيضاء … كتب مشاغبون : لا تأخذ قرضا لتشتري شقة في السكن الاقتصادي .. اجمع المال ، وهاجر … ” ص 44، وإن كان هذا الحلم المختزل في الهروب من موطن القبح إلى قارة الجمال : ” أين المال ؟ ولمن سأعطيه حتى أفلت من جحيم هذا القبح ؟ واعبر إلى قارة الجمال … ” ص44، يصطدم بعراقيل قاسية ومكلفة أحيانا تحول دون إطالة هدف المهاجرين المتمثل في بلوغ الضفة الأخرى ، فمآسي الهجرة تتعدد صورها ومشهدياتها في قصص أخرى مثل ” المنقذة ” ، و” المطرود ” كحلم يكشف انسداد أفق ،الراغبين في الهجرة ، داخل وطنهم الذي تقل فيه فرص شغل يضمن استقرارا ماديا ، وحياة كريمة إلا أنها مغامرة غالبا ما تصطدم بمخاطر وعراقيل مكلفة ومؤلمة . كما أن التفكير فيها ، والعزم على ركوب مخاطرها ، وتجشم أعبائها تعكس ما تعيشه مجتمعات الراغبين في مغادرتها من أعطاب واختلالات . وضمن الجانب الاجتماعي تناولت قصص الكتاب مواضيع أخرى مثل الزواج ، في نص ” شعاع ودائرتان ” ، بمشاكله العويصة والمعقدة ؛ كالخيانة في حال منال مع زوجها الذي اكتشفت خيانته لها رغم ما يسوقه من مبررات لم تعد تأبه بها ، فضلا عن سخريته واستخفافه من اهتمامها بالفن التشكيلي ، وما تبدعه من لوحات : ” زوجي لا يفهم في الفن شيئا ، ولا يكتفي بالإهمال واللامبالاة ، بل يسخر من اللوحات التي أبدعتها قبل أن ألد ابني الأول … ” ص 27 ، وصديقتها وفاء الإخصائية النفسية التي درست بفرنسا ، ولم تفكر في الزواج حتى بلغت سن الأربعين حيث تعرفت على شاب وسيم زارها في عيادتها قصد العلاج ، وتطور إعجابها به إلى اتفاق على زواج محفوف بتحدي كبير لأنه متزوج مما يحتم عليها القبول بان تصبح زوجة ثانية وهو اختيار دافعت عليه في البداية أمام رأي صديقتها منال ، إلا أنها عادت لتفكر بجد في إنهاء هذه العلاقة : ” ـ على كل حال ، سألتقيه اليوم ، ويبدو أنني سأقترح عليه الفراق … ” ص 31، وتناولت قصص الكتاب كذلك موضوع المرض متجسدا في كورونا ، وما أحاط به من مظاهر احترازية ، وسلوكات غيرت من طبيعة العلاقات بين الأفراد ، من توخي الحذر ، والتقيد بإجراءات من قبيل التباعد ، واستخدام للكمامة … وباء تطور إلى نوع آخر جديد عرف ب ” هيدنوفوبيا ” حسب ما أعلنته مقدمة الأخبار . وإلى جانب عشق الكاتب لجنس القصة ، وما نسجه معه من علاقات مختلفة ومتنوعة فإنه ابتكر لبعض قصصه نهايات تشذ عن المألوف كما في قصة ” العنوان ” ، والتي تجاهل فيها النادل طلب الراوي بإحضار ما تطلبه جليسته وما صدرعنه من استغراب وضحك ، وهو ما تكرر في نص ” حلم ” والتي كان سبب وفاة المحارب فيها هو الحلم بالنجاة : ” قرأ في سبب الوفاة : كان يحلم بالنجاة . ” ص75، كما ورد في سياق أحداث المتن القصصي ومجرياته ، ذكر أسماء أدباء من قبيل الروائي الأمريكي اللاتيني ماريو فارغاس يوسا وكتابه “حرب نهاية العالم ” التي انهمكت سيدة أربعينية من أمريكا اللاتينية في قراءته ، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وروايته ” مائة عام من العزلة الحاصلة على جائزة نوبل للأدب ، والروائي الفرنسي فلوبير في قصة يحمل عنوانها اسمه ” صديقي فلوبير “، والشاعر الفلسطيني محمود درويش : ” رهن هاتفها … لأن رنته قصيدة لمحمود درويش … ” ص 26، وبعض رموز الميتولجيا الإغريقية مثل ” إيروس ” وهو إله الرغبة والحب والجنس في نص معنون باسمه ” إيروس ” ص79 ، وقصة ” بروميتيوس ” ص82 ، وهو شخصية أسطورية يونانية من الجبابرة .
لنخلص إلى أن كتاب ” خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل ” يحتوي قصصا انبنت على علاقة القاص الخاصة والمختلفة مع نصوصه ، والتي أبدع في رسم مساراتها بأشكال خارج نسق الكتابة النمطية المعهودة ، رغم انضباطها لمقومات السرد المعروفة ، وأدوات تعبيرية مغايرة أكسبت منجزه القصصي سمات تجديد وخلق وابتكار.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

تعليق واحد

  1. طالب الفراية

    تحليل شافي وافي رائع كل الشكر

اترك رداً على طالب الفراية إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!