بقلم: محمد أبو الهيجاء
هذه قصيدة جميلة ومكثفة للشاعرة أحلام حسين غانم، تحمل عنوان “صمت الغرام”.
دعنا نقترب من عالمها الشعري
في قراءتي للقصيدة:
تبدو القصيدة كحوار داخلي عميق مع الذات، تساؤل وجودي وشعري في آنٍ واحد. تبدأ بنفي صارخ: “لا صرخة… لا حنطة…”، وكأن الشاعرة تبرئ نفسها من تهمة البوح المباشر أو حرق المراحل في الحب أو الكتابة. إنها ترفض أن تكون مشاعرها مجرد أداة أو أثر معلق.
بعض المحطات الرئيسية:
· صمت الغرام: العنوان المفتاح. ليس غياباً للمشاعر، بل حضوراً مكثفاً يصعب التعبير عنه بالكلمات، غرامٌ يختار الصمت كفضاء له.
· نفي الفعل المباشر: “أنا ما قيدت هواك في قلم / ولا أخطأت في سفر / ولا علقت أنفاسي على شغف النقاط”. هناك رفض لتحويل العاطفة إلى شيء مادي ملموس (كتابة، إهداء، تخطيط). الحب هنا حالة وجودية تتجاوز الأدوات.
· اللحظة الشعرية المنكسفة: “اللحظة انكسفت عيون الشعر”. إحساس بأن جوهر الشعر (أو القدرة على التعبير) قد أعيى أو انكسر أمام عظمة هذا الصمت العاطفي.
· الاعتراف والتجلي: “أعلنت للملأ الساكنين بقلبي: أحبّ..”. هنا تنقلب المعادلة. بعد كل هذا النفي، يفيض الاعتراف الداخلي اليقين، فيحرك سرب الشك (سرب الحمام) ويجعل الذات عارية أمام نفسها (“كشفتني المصابيح”).
· الطبيعة والشاعرية: تتحول المشاعر إلى عناصر طبيعية واستعارات شعرية خالصة: “مطر.. وخزامى / وذات امتلاء بليغ الكناية”. الحب هنا ليس علاقة بشخص بقدر ما هو حالة من الامتلاء المجازي.
· التساؤل الوجودي: “وكل الفراغ حياة / وكل المجانين أسرى”. مقاربة فلسفية ترى في الفراغ (ربما فراغ الصمت أو عدم التملك) حياة كاملة، وترى في العشاق (المجانين بحسب المنظور العام) أسرى لهذا العالم الداخلي الواسع.
· الخاتمة الطائرة: تنتهي القصيدة بصورة البدر الذي يبوح بأسراره للبحر، ثم يحمل أزمانه و”يطير”. هذا الختام يفتح باب التساؤل والدهشة: “تُرى، هل يطير؟”. إنه حلم بالتحرر الكامل، بأن يحمل هذا الصمت/الحب/الشعر كل الأزمنة وينطلق بها إلى فضاء لا نهائي.
أسلوبياً:
لغة الشاعرة شديدة التكثيف والانزياح عن المألوف،تستخدم المجاز بجرأة (“السنابل المحروقة”، “قلق الرياح”، “يطرح اسمي أحلامه”). الإيقاع داخلي ونثري بشكل عام، لكنه يحمل موسيقى عميقة نابعة من تدفق المشاعر وتصاعد التساؤلات.
خلاصة:
“صمت الغرام”هي قصيدة تأملية في طبيعة الحب والشعر معاً. إنها تصور الحب ليس كفعل تجاه الآخر، بل كحالة كونية داخلية تملأ الوجود، تكون فيها الصرخة صمتاً، والوصال هياماً داخلياً، والبوح قد يكون في عدم البوح. هي احتفاء بالعاطفة ككينونة مجردة وشديدة الخصوصية، تكاد تكون سراً من أسرار الوجود الشخصي الذي يشارك فيه البحر والبدر والرياح.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية