( البنية الروحية والإيقاعية في شعر الشيخ عبد الرحيم الشاطر وقصيدته يا نبي سلام عليك )

 

دراسة وإعداد : نوار أحمد الشاطر

إن مجموعة قصائد الشيخ عبد الرحيم الشاطر تمثل إنعكاساًالتي تمثل انعكاساً عميقاً للتجليات الروحية التي عاشها الشيخ عبد الرحيم، ذلك المتصوف المحبّ لحضـرة النبي(، حتى غدت تجربته الروحية مصدراً خصباً لشعره، حيث تُظهر هذه القصائد والموشحات كيف تحوّلت لحظات الصفاء والتأمل إلى صور شعرية نابضة، تتجاوز حدود التعبير التقليدي لتلامس جوهر التجربة الصوفية في بعدها الإنساني والروحي.
من الناحية الموسيقية، تتسم القصائد بتنوع لافت في بنيتها الإيقاعية، إذ يستند بعضها إلى الأوزان الكلاسيكية التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي، ما يمنحها طابعاً تقليدياً راسخاً، بينما يحاكي بعضها الآخر فن الموشحات الأندلسية، بما تحمله من تنوع لحني وتعدد في القوافي، وهو ما يعكس تأثر الشيخ بالتراث الإنشادي العربي، لا سيما الأناشيد الدينية التي كانت شائعة في زمنه .
هذا التداخل بين الوزن الخليلي والموشح، إلى جانب ظهور بعض القصائد التي تمزج بين أوزان متعددة، يدل على أن التجربة الشعرية للشيخ كانت في طور التشكّل والنضج، حيث تتجاور المحاولات الفنية مع لحظات الإشراق الروحي، في توليفة تعكس صدق التجربة أكثر من اكتمال الشكل.
أما من حيث المضمون، فإن القصائد تعبّر عن حالة روحية سامية، تتجلى فيها ملامح الورع والتقوى، وتنبثق منها رؤى صوفية عميقة، تجعل من القصائد والموشحات مرآةً لحياة الشيخ الذي أجمع معاصروه على صلاحه وسموّ أخلاقه.
إن هذا البعد الروحي لا يُقدَّم في شعره بوصفه موضوعاً مجرداً، بل يُستحضـر من خلال صور شعرية نابضة، تستلهم من التراث الشعبي والوجداني، وتعيد صياغته بلغة تتراوح بين البساطة التعبيرية والعمق الرمزي.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن هذه القصائد لا تُقرأ بوصفها إنتاجاً شعرياً مكتملًا فنياً فحسب، بل بوصفها وثيقة روحية وثقافية، تكشف عن تفاعل الذات المتصوفة مع محيطها، وتُظهر كيف يمكن للتجربة الدينية أن تتحول إلى خطاب جمالي يحمل في طياته ملامح من التراث، ويعيد تشكيله في سياق وجداني خاص.
كان يكتب القصائد والموشحات وينشدها في حبّ الله ورسوله الأكرم، واشتهر بقصيدة يا نبي سلام عليك التي كتبها ولحنها بنفسه، وأنشدها المنشد توفيق المنجد، ونقشت كلماتها على شاهدة قبره لتبقى شاهدة على حبّه العميق لحضـرة النبي وآله الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين .
عن سر نجاح وانتشار هذه القصيدة يقول المنشد الملحن الأستاذ عبد الرحمن الساسة :
قصيدة يا نبي سلام عليك وُضعَ لها القبول في أرجاء المعمورة، وأصبحت تنشد في محافل كثيرة، بألحان شتى وأصوات عذبة، قد لحنت كلّ ألحان هذه القصيدة على قالب لحني معروف هو : الطقطوقة، حيث تمتاز الطقاطيق بخاصية فريدة هي احتوائها على مذهب مستقل يتكرر بين المقاطع الغنائية، وعادة تعرف الطقطوقة بلحن مذهبها، فإن نجح لحن المذهب نجح اللحن كلّه، والعكس بالعكس، لهذا يكرس الملحن أكبر جهده للتركيز الشديد في لحن المذهب الذي هو مفتاح النجاح .
استخدم هذه الميزة أيضاً الشعراء، فحاول كلّ منهم وضع أقوى ما يمكن من الألفاظ المؤثرة والتعبيرات الجذابة، في كلمات المذهب للسبب نفسه، لذلك كان مذهب قصيدة :
يــا نبي ســلام عليك
يا رسول سلام عليك
يا حبيب سلام عليك
صلــوات الله عليـك
هو سر نجاحها في رأيي، لما فيه من خير عظيم وهو إلقاء السلام على سيدنا وحبيبنا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود : (ما من أحدٍ يُسلِّم عليَّ إلا ردَّ اللهُ عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام)، وهذا الحديث حسن في رتبته .
فكم من مسلم ردد ويردد هذا النشيد، وفي كلّ مرّة يقول فيها المنشد يا نبي سلام عليك يرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم السلام عليه، فلذلك كان من عظيم بركة هذه القصيدة، هو رد السلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كلّ مرّة تقال .
الموشح :

يا نبيّ سلامٌ عليكْ
يا رسول سلامٌ عليكْ
يا حبيب سلامٌ عليكْ
صلـــواتُ اللهِ عليكْ
يا نبيّ جئتُ إليكْ
راجياً بــــرَّ يديـــــكْ
فأغثْ مَــن جــا إليكْ
بالــذي صلّى عليـكْ
أنتَ كهفٌ للنزيل
أنتِ حصنٌ للدخيل
أتحفِ العبـــــدَ الذّليل
بالندى من راحتيكْ
أنتَ نورٌ للقلوب
أنتَ جالٍ للخطوب
بكَ تفريــــجُ الكروب
فازَ مَـــن صلّى عليكْ
رَوِّحِ العاني الفقير
نشــر جدواكَ العطير
وامنحِ الجانـــي الكسير
قبلةً مــــن أخمصيكْ
أنتَ بابٌ للوصول
أحمدُ البـــرّ الوصول
جُـــدْ وأنعـــمْ بالقبول
وصِلَنْ مَن جا إليكْ
أنـــتَ رحمى العالمين
ومـــلاذُ المرســـلين
وشــفيـــعُ المذنبيـــن
يومَ عرضهم عليكْ
خصّكَ البرُّ السّـــلام
بالصّلاةِ والسّـــلام
ثـــم للآلِ الكــــرام
ما تغنتْ ورق أيكْ
شاملاً فضلَ الكريم
صحبَ هادينا الرّحيم
ما شدا عبدُ الرحيم
يــا نبيّ سلامٌ عليكْ
وعُمّ بالفضلِ العميم
كــــلّ محبٍّ للكريم
ما قامَ عبدٌ للرحيــم
يرجو رضا المبدي المعيد

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!