التوطين المسرحي والتمشخير/بقلم:تجيب طلال

سـؤال الوقـت:

نعم الوقت ليس هو الزمن، والزمن ليس هو الوقت الذي يعـد ثروة مجتمعية وفردية كذلك،
تنظيمه واحترامه من أهمّ أسباب نجاح أيّ إنسان باختلاف توجُّهاته ومستواه الإجتماعي إنَّ“الوقت هو عمرك في الحقيقة”  كما لمح أبي حامد الغزالي في “البداية والهـداية” وعند أهل التصوف فالوقت قِـوامُه روحي وأخلاقي، وليس مجرد قياس. وفي هذا الباب إن: إضاعة الوقت أشد من الموت ؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة ، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها(1) سيبدو للقارئ المفترض ، هذا خطاب فقهي؟ لكن – ابن الجوزية – ” مجتمعي” خطابه مزدوج المعنى. وارتباطا بكل هذا:لماذا أغـلب المسرحيين لا يحترمون الوقت؟ سؤال فـرضته طبيعة التجربة لحظة حضور عـرض مسرحي أو لقاء( فكري) إلا وانتظار الجمهور وجمهور المهتمين سيد الموقف، هل هي حالة مرضية ؟ أم استهتار؟ أم نرجسية مفرطة؟ أم هـشاشة في القيم والأعـراف؟ ففي سياق ” التوطين التمشخير” أشرنا علنا سنخصص [ عما قريب]ورقة في الموضوع. وذلك التزاما بمبادئنا الإبداعية / الفكرية، وهاته الإشارة جاءت بناء على تدوينة مفادها”: رغم مقاطعتنا للعـديد من الأنشطة الثقافية،منذ سنوات خلت لأن أصحابها ومنظموها، أضحوا مستهترين أكثر من ذي قبل ! لا يحترمون(الوقت والمواعيد ) المحدد( ؟) ولا يقدرون انتظار”الضيوف” ورغم ذلك: حتى نظل بعيدين عن خانة العدمية، ولكي لا نسقط في مربع النرجسية.  حضرنا في وقته وساعته ، وانتظرنا أكثر من نصف ساعة لنشارك جسديا وروحيا إخواننا في موضوع ( الإخراج المسرحي والميديا) احتفاء باليوم العالمي للمسرح وفي إطار التوطين، لكن تبين أننا أمام ( التمشخير) فبين التوطين التمشخير، تشعـر أنك مسخرة/ أضحوكة، أمام هَـدر الوقت بدون مردودية معنوية..وأنك “كائن “تافه أمام الانتظار، انتظار من ؟ من هُـم ؟ ومن نحن؟ فإلى متى سنحترم الوقت؟ فإلى متى سنقدر الزمن الذي نعيشه ونفكر فيه؟ فالحديث عن ( الرقمنة) حديث عن الانضباط والتنظيم العملي، وبالتالي فاحترام- الوقت- احترام للذات أولا، وقيمة أخلاقية ثانيا . لكن أمام التأخير وانعدام تقدير قيمة الوقت: فالانسحاب سلاح وقائي من “التمشخير”حفاظا على نفسيتك ودم وجهـك، وكذلك كان.(الصور حجية كلام) (2) فالظاهـرة ” التمشخيرية” سنتعـقبها عبر السؤال الضمني ؟ من هُـم ؟ ومن نحـن؟ الذي هو صلب الموضوع ،وللوصول إليه لامناص من تفكيك التدوينة التي تنشطر لثلاث مستويات:

(أ) إدانة ذاتنا الحاضرة،بكل تجرد، وعيهها بالإستهترار الوارد تجاه التوقيت مئات المرات، وهذا من بين  الأسباب الجوهـرية التي أبعَـدتنا عن العـديد من الأنشطة الثقافية،منذ سنوات خلت. من خلال اليومي وتجاربه، تتشكل رؤية المرء نحو هو ما أنفع وأجدي، ليتشكل تلقائي،من(الدازين /Dasein  )أي:” أن الدازين هو الكائن الذي هو أنا نفسي في كل مرة، الذي كينونته هي لي في كل مـرة (3) مادامت لدينا إحساسات ومبادئ لطرح أسئلة على وجودي/ الأنطولوجي بشكل عام، وبالتالي فحينما نصنف أنفسنا ضمن أننا كائن تافه أمام الانتظار، فهو إدانة مبطنة لأصحاب التظاهرة أو النشاط،باعتبار:” أنا هـو وفي النهاية بأقوى ما يمكن، حين ( لا ) يكون هذا الكائن، وإذا كان قوام الـدّازين القاضي بأنه لي في كل مرة، وهو العلة في(4)لأن الانسحاب يعـدم كينونة التافه في نظرهم، بالعكس يقوي الكينونة.وهنالك أمثلة يصعب حصرها في مجلد( بالإستهترار بالوقت) ففي إحدى المهرجانات السينمائية بفاس، الافتتاح والتكريم كان مدرجا في (16 والنصف/مساء) فلم يبدأ إلى في الساعة(19 والربع/ ليلا) ومن عجائب الاستهتار بالوقت  انسحاب ” الجمهور” والمتتبعين للشأن السينمائي – ثانيا- ولا إشارة للاعتذار أو شرح أسباب ( التأخير) وبالتالي فالقة القليلة من تفهم ماهية الوقت بالشكل الصحيح، فربما يظنّ الكثيرون أنّ الوقت هو أمرٌ خارجٌ عن سيطرتهم وإرادتهم، وأنّه ليس بمقدورهم التحكم به، لكن باستحالة معرفة ماهية الوقت، سيستحيل علينا معرفة أمور مرتبطة ارتباطًا تامًّا بالوقت. وهذا يدفعنا:                                                     

(ب) التدوينة استفزت بعض القوم من بطانة ” سدوم” بدل النزول لنقاش معرفي أعمق عن الوقت وثقافته، اجتَـرحوا أسلوب الشتم والهروب من حقيقة الأمور، والإشكالية العظمى:” :” إن عقل الإنسان معـد كي يفتتن بالكـذب أكثر بكثير من افتتانه بالحقـيقة (5) والمسألة طبيعية جدا لارتباطها عمليا بضحالة فكرية ثقافية، في جبهات، وكذا شلل الحجية وضعف الجدل، وما خوفهم من مواجهة الحقيقـة، رغم أنها ضرب من الوهم  حـسب تعبير ” نيتشه” وإن كان في واقع الأمر لا نخاف الحقيقة بحد ذاتها، بل نخاف ما ستفعله بنا.باعتبارها تهدد استقـرارنا النفـسي ؛ وكذا تكشف عن الهشاشة السلوكية والمعـرفية ! لأصحاب الندوة ذات عنوان أكبر من حجم حقيقة إبداعهم وإبداع المسرح في المغـرب حاليا( الإخراج المسرحي والميديا: إعادة تشكيل الخطاب الجمالي والفرجة الرقمية) الذين سقطوا في فـخ أللاستقرار والهشاشة، وذلك بناء على غياب الهدف الواضح من ” الندوة” ومن ثمة يصبح الوقت بلا قيمة واضحة، فتتأخر أو لا تلتزم بالمواعيد سيان ، وذلك إثر غـياب مفهوم دقيق للوقت وطرق حسابه في حياتنا لكـن:” تحول الوقت عبر الزمن وذلك بفعل التطور الحضاري والوعي الثقافي العلمي والتطور التكنولوجي، من كـم مهمل إلى عبء مجتمعي، ومن عبء إلى ثروة شخصية ومؤسسية، ومن ثروة إلى أكثر الثروات ندرة وقيمة، هذا ما يجعـل طرق استخدام الوقت وكيفية استغلاله تغـدو من أهم العَـوامل المؤثرة في تنمية قدرات الفرد(6) وهذا يؤدي بنا :

 

(ج) صلب التمشخير:

 

بداهة أن ” التمشخير” تعبير دارجـي/ شعبي، وظفه الإخوة ” المراكشيين” بكثرة بحكم طبيعتهم الفكاهية/ المرحة، حتى انتشر في ربوع الوطن، فهذا التعبير قد أزاح مفردة (تـَتـْفلا) ودلالتها متعددة: أبرزها الاستهزاء أو السخرية من شخص(ما) وفي سياق موضوعنا فمسألة التوطين(7) تجاوزنا نقاشه، لكن يلاحظ أنه أمسى يمارس[ “فيه وعليه”] التمشخير؛ وإن كان (أغلب) المستفيدين منه لم يفهموا أبعاده ومراميه في سياق سوق الشغل وفي أهداف الصناعة الثقافية، ذلك شأن فهمهم( !) الأهم عندنا هاهنا نفس الأسماء والوجوه يتكرر حضورها واستدعاؤها، ذلك شأن الساهرين على التوطين( !) الأهم عندنا لماذا يتم تفعيل ” التمشخير” في سياق التوطين المتعدد الأنشطة” حسب” دفتر التحملات. إذ لا قيمة للوقت،  رغم أنه ثروة لا تعوض، ولا قيمة للجمهور الحاضر الذي يظل ينتظر سراب المشاركين ! أو الشباب الذين يودون المشاركة في التدريب المسرحية. 

الإشكالية لا تكمن رأسيا في المنظمين بل فيما يسمى ( الأطر) لتنشيط ندوة (ما) أما بالنسبة لعـرض مسرحي فالمسؤولية تقع على عاتق ( المخرج). فكيف نبخس الوقت وقـْته بسهولة. ليمارس ذاك( الندواتي/ المحاضر/المؤطر/ المدرب/…) تمشخيره على المهتمين باستخفاف و بدون اعتذار وتقدير:” فحب الذات عند هؤلاء هو منبع السعادة لهم فقد تجد أحد أصدقائك يرى أنه أجمل الرجال وآخر يرى أنه أذكى رجل في العالم وآخر لا يفهم في الموسيقى أكثر مما يفهم حصاني وصوته أسوء من صوت الحمار، ويرى أنه أعظم مغني وأفضل ملحن والأعجب من هذا أن تجد من  يصدقهم فيما يدعون عن أنفسهم وكأنه يصدق نفسه (8) فمن هُم ؟ ومن نـحْن؟ سؤالنا المنطرح في التدوينة، كانت إجابته :”الإنسحاب” ليس حالة مرضية أو نرجسية بل تموقف إجرائي من تصرفات غير جدية أو عبثية في موقف يُفترض فيه الجدية. :”ومن جانبي دع الآخرين يذكرون رأيهم فيما كتبت وإنني أرى أن مدح الحماقة ليس من التفاهة. إن الحرية منحت لعقول الكل ليتعاملوا مع أخطاء البشر بذكاء(9) فبحكم ثقافتنا المقلوبة ما لم يفهمه البعض، بأن الذي يحضر لندوة أو مناظرة، ليس تلميذا قاصر الإدراك و عاجزا عن الفهم أو القول، بل لبلورة معارفه وأفكاره وازديادا في معلومات إضافية، وإن كنا جميعنا ننهل من نفس المنبع. 

لهذا فالذين يمارسون “التمشخير”في أي لقاء فكري / نظري. ويحضرون متى انتهت جلسة ” الجعة” إشكال سلوكي:” لإن هذه الكينونة- معا- الواحد- صحبة الآخر تذيب الدّازين الخاص بالكلية في صلب نمط كينونة الآخرين…نحن نستمتع ونرفه عن أنفسنا كما هـُمْ يستمتعون ونحن نقرأ ونرى ونحكم على الأدب والفن، كما هُـم يروْن ويحكمون، لكننا أيضا ننسحب من ” الجمع الغفير”كما هم ينسحبون(10) 

وطبقا للدازين؛ فالمعرفة والثقافة ليست حكرًا على أحد، بل هي طريق مفتوح لكل من يريد أن يسلكه. ولاسيما أنها ميراث إنساني مشترك،… لكن بحضورنا ضمنيا نضخّم صورة الآخرين ونُقلّل من أنفسنا، وذلك حينما لم يتم احترام الوقت، جدليا فكيف سيتم  احترامنا كمستمعين/ مشاركين ضمنيا ولنا في مقولة أبي حامد الغزالي؟ [وأوقاتك عمرك،وعمرك رأس مالك  وتجارتك] حكمة للناظرين :” أما المجتمعات التي اتجهت إلى إهمال الوقت وعدم الإكثرات به ؛ فإن الوقت أهملهـا أيضا، وتركها خلفه تعيش في زمن تجاوزه الزمن، تعاني التخلف بأبعاده الثقافية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والبيئية(11) ومن الصعـب أن يظل الوضع الاستهتاري هكذا، لأن عـدم احترام وقت ندوة أو عـرض المسرحي بمثابة ” التمشخير ” قصدي على الجماهير والعقليات. فكيف يمكن أن ندعم ندوة حضورها فردين أو ثلاث، وتداريب مسرحية حضورها خمسة أفراد ونيف، وعرض مسرحي بدون جمهور يذكر أو حتى نلتقط له صورة تذكار؟ إذ رؤيتي للدعم المسرحي، رغم قرب نهايته، وكذا لمسألة التوطين أن يوضع في سياقه و بيئته المناسبة، سواء كان فكرة، ظاهرة، أو حتى إنسان.أن يشترط شرطا زجريا بمذكرة  صارمة ومراقبة أشد صرامة، من لدن وزارة الثقافة، إسوة بمذكرة تذكير الأخيرة  من لدن وزارة الداخلية حول احترام ” الوقت” أو يكون شرط جزاء في ” دفتر التحملات”لأن ما يصرف هي أموالنا ، لم ترد إلينا “معنويا”بناء على التمشخير الذي يسلكه العديد من مستفيدي الدعم والتوطين والترويج.

إجمالا:

لنعلم جليا؛ بأن المسرحي المتخلق لا يتميز عن غيره إلا باحترام المواعيد المضروبة، والوقت المحدد لأي نشاط كيفما كان نوعه ومستواه، لأن  الوقت هو رأس المال: حسب رؤية الإمام أبو حامد الغزالي . باعتبار أن للوقت قيمة وقياس عملي  نوظفه ونستعمله لتنظيم الحياة. بدل الانجراف وراء نزوات تضع الذات بنفسها في خندق “التمشخير” ليصبح التمشخير مركبا والتوطين حماقة. وبين التمشخير والحماقة خيط رفيع لا يراه إلا الراسخون في العلم والتجارب، ولكن إجمالا:من المستفيد؟ لهذا :”فالآخرون قد انتزعوا منه الكينونة، إن مشيئة الآخرين تتصرف في إمكانات الكينونة اليومية للدازين. وهؤلاء الآخرون هم بذلك ليسوا آخرين بعينهم. بل على الضد من ذلك، إن كل آخر يمكن أن ينون عنهم، وليس بحاسم سوى هيمنة الآخرين غير اللافتة للنظر (12)

الاستئناس : 

1- الفوائد : لابن القيم الجوزية تحقيق: محمد عزيز شمس ص44 دار عالم الفوائد أثر ابن القيم عدد18

2- التوطين والتمشخير- في جداريتنا ” الفايس بوك بتاريخ 28/03/2026

3- الكينونة والزمان : لمارتن هيـدغـر- ت/ فتحي المسكيني- ص 238دار الكتاب الجديدة المتحدة /2012

4- نـــفـــســه ص-241

5- في مديح الحماقة: لأراسموس فون رودتردام- ت :أماني سعيد ص31 وكالة سفنكس- القاهرة- 2011

6- الثقافة ومفهوم الوقت ( ورقة) – لمحمد عبد العزيز ربيع-  ص6- يازورأكاديمي2022

7- في مسألة التوطين المسرحي: لنجيب طلال- صحيفة السؤال الآن بتاريخ 16/02/2026

8- في مديح الحماقة: – ص37/38

9- في مديح الحماقة: – ص6

10- الكينونة والزمان : – ص259

11- الثقافة ومفهوم الوقت –  ص6-

12- الكينونة والزمان : – ص258

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!