الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائـر
مهاد:
إن التّخطيط اللُّغوي يتصل بشتى الجوانب المتعلقة بوضع سياسة لغويّة تتسم بالشمولية، وتوضع من خلالها مختلف الرؤى والأفكار التي تبيّن مكانة اللُّغات المستخدمة على مستوى الساحة؛ فهناك لغة محلية، ولغة رسمية، ولغة وطنية، وقد وصفه(التّخطيط اللُّغوي) العديد من المفكرين بأنه يرمي إلى تحديد خطة مستقبلية لوضع اللُّغة من أجل استخدامها من خلال برامج، وتشريعات، وقرارات، وهو مجموعة من التدابير التي تُتخذ من أجل تنفيذ هدف معيّن، وذلك عن طريق وجود غاية يُراد الوصول إليها، ولذلك يجب وضع التدابير المُحدّدة لبلوغ ذلك الهدف، أو وضع مجموعة من التصورات الواضحة التي تربط بين السياسة التعليمية وعمليات التصوّر الشامل لما تقتضيه عوامل التغيير، والمراجعة المُستمرة في مجال إيجاد مجموعة من الآليات الحركية(1). ويكاد يقع الإجماع على أنه يرتبط بتسطير ووضع سياسة لغوية معينة؛ وهو ينضوي تحت لواء علم اللُّغة التطبيقي، أو اللّسانيات التطبيقية، وهناك من يصفه بأنه مرحلة تطبيقية تُجسد السياسة التي تنتقيها الدولة؛ وقد فرّق ثلة من العلماء بينه وبين التهيئة اللُّغوية؛ التي وصفها نخبة من علماء علم اللُّغة التطبيقي بأنها وضع قواعد كتابية معيارية، من نحو، ومعجم؛ قصد توجيه الاستعمال الشفهي، والكتابي داخل جماعة لغوية غير متجانسة(2)، وقد ورد في معجم: «علوم التربية» بأنه: « …العملية التي يتمّ فيها تصنيف واختيار، وتركيب المعلومات ذات العلاقة من مصادر عدة؛ من أجل تصميم تلك الخبرات التي ستساعد المتعلمين على تحقيق أهداف المنهج، وتأخذ العملية بعين الاعتبار الأهداف العامة، والخاصة المخطّط لها، والأسس النفسية والفلسفية، والمعرفية، والاجتماعية للمنهج، وغيرها من المعايير المُهمة في تخطيط المنهج نفسه»(3). ويرمي التخطيط اللّغوي إلى جملة من الأهداف؛ من بينها تحقيق الأمن الثقافي واللُّغوي، حيث إن اللُّغة بوصفها حدثاً تواصلياً تؤسّس النشاط الإنساني الاجتماعي، وتتوسّطه، ويذهب المفكر الجزائري (عبد المجيد مزيان) إلى أن كل مفهوم للأمن يقتضي شعوراً بالخطر، واستفساراً، ودفاعاً ، وهجوماً، ويقتضي كذلك تصنيفاً للأعداء، ومعرفة لمخططاتهم، وأهدافهم، وإحصاءً لأسلحتهم المختلفة، وليس الكلام عن الأمن الثقافي العربي في ظروفنا الحالية بأقل أهمية من الأمن العسكري، ولعل المعركة في الثقافة أكثر عمقاً وامتداداً في الأزمنة، والميادين من كل المعارك الأخرى، ويجب التأكد من أنه لا يُمكن مقابلة أي غزو لغوي، أو ثقافي، بمجرد إغلاق الأبواب عليه، ولا بالتقلص الثقافي الذي يستمر في مضغ التراث دون انفتاح، كما عبّر عن هذا الأمر المفكر (عبد المجيد مزيان)، وعلى الرغم من أن أسئلة الأمن اللُّغوي كثيراً ما ترتبط بتهديد الكيان الفردي، أو الجماعي؛ كون الجانب الأمني يتصل دائماً بغريزة البقاء، وإن اتسعت رُقعتها من الحفاظ على الحياة، إلى المحافظة على القيم المتعلقة بالتضامن بين الجماعات فاللُّغة؛ تُشكل رابطاً رئيساً من الروابط الضامنة لتماسك الجماعة، والفرد؛ إذ تمثل اللغة في الزمن الراهن شرعية للنضال السياسي، إما بالانفصال عن جماعة سياسية، كما تجلى هذا الأمر في بعض مطالب الأكراد، أو للوحدة، كما تجلى هذا الأمر في المشروع القومي العربي؛ الذي تأسس على الرابطة اللُّغويّة العربية؛ بصفتها مشروعاً يُواجه المشروعية الدينية، التي كانت تُركز عليها السلطة العثمانية؛ لتبرير حُكمها للشعوب العربية، وتعاني اللغة العربية في هذا الصدد من عدة مهددات؛ فهي إما أنها تُستخدم بصورة أداة في الآلة الحربية الغربية لاختراق الجسم العربي، أو أنها تُواجه تنامي اللُّغات العامية، بتشجيع من الدول القطرية التي تُبرر بقاءها خارج الدولة العربية؛ بسبب خُصوصية لهجاتها، ويؤكد جملة من المفكرين في ميدان علم الاجتماع اللُّغوي، والمهتمين بقضايا السياسات اللُّغويّة على أن اللُّغة ستكون رهاناً مفصلياً في الحروب القادمة، إذا لم يقع التخطيط الدقيق لتعزيز الأمن اللغوي(4). و تُعرف السياسة اللُّغويّة بأنها جُملة من الطرائق التي يتمُّ من خلالها التصرف مع اللُّغة وفق جملة من الخيارات التي تنهض بين اللُّغة والواقع الاجتماعي؛ لذلك فهناك صلة وشيجة بين السياسة اللُّغويّة واللّسانيات الاجتماعية، إذ يُعبِّر الأداء اللّغوي عن مستوى الفرد، ويكشف النّقاب عن اختلاف المستويات الثّقافية، والطبقات الاجتماعيّة، ودرجة الكفاءات العلميّة؛ ذلك أن اللّغة(5) ظاهرة اجتماعيّة؛ فوجودها يشترط وجود مجتمع(6)، ولا يُمكن أن نُلفي نظاماً لغوياً بمعزل عن جماعات إنسانيّة تستخدمه، و تتعامل به؛ فهناك صلة وثيقة بين اللّغة، والمجتمع، وبين علم اللُّغة(7)، وعلم الاجتماع(8)؛ ولذلك عُرف علم اللّغة الاجتماعي بأنه دراسة للّغة في علاقتها بالمجتمع، وبذلك تتبدّى مختلف جوانب بنية اللّغة، وطرائق استعمالها، إذ لا يتأتّى فهم اللُّغة وقوانينها بمعزل عن متابعة تحولات المجتمع، وحركته؛ إذ أن اللّغة تعدُّ من أبرز وأصدق الوسائل التي تُميط اللّثام عن طبيعة المجتمعات، وسماتها الحضاريّة؛ ولذلك فقد ركّزت اللّسانيات الاجتماعيّة (9)اهتماماتها على قضايا التّنوع اللّغوي، والدّراسة الوصفيّة للأوضاع اللّغوية(طرائق، وأساليب الكلام)، والازدواجيّة اللّغوية، والتّعدد اللّغوي، وتعدّد اللّهجات، وغيرها.
أهم محتويات الكتاب:
في كتاب:« السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة» والذي يقع في:463صفحة، والصادر حديثاً بالجزائر خلال شهر سبتمبر2023م، وهو بمنزلة موسوعة علميّة شاملة تُعالج قضايا متنوعة ذات صلة بالسياسة اللُّغويّة؛ يُقدم الباحث الأستاذ الدكتور صالح بلعيد العديد من الأفكار العميقة التي تتصل بالسياسة اللُّغوية وموقع لغة الأمة؛ التي تعددت التعريفات المُقدمة بشأنها من لدن نخبة من الباحثين في مجال اللّسانيات، حيث يذهب الباحث(عبد العلي الودغيري) إلى أننا حين نضع العربية(في مجموعها الكلّي: فصحى ولهجات) إزاء مُواطناتها من اللُّغات المحلية غير العربية، من زاوية أخرى؛ نجد أن العربية تظل وحدها القابلة لأن تحوز بكل تجرُّد وموضوعية لقب(لُغة الأمّة) في مقابل كل لغة أو لهجة أخرى من اللُّغات واللهجات الوطنية التي يصدق عليها أن توصف بلغة الأُمّ عند من يتكلمها ويستعملها سليقة في أُسرته وقبيلته وعشيرته، أو منطقته الجغرافية المحدودة؛ وذلك باعتبار أن العربيّة هي اللُّغة التي تشترك في التفاهم بها مُكوِّنات الأُمَّة كلُّها بمختلف شعوبها، ودُولها ولغاتها(10) .
إن كتاب:« السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة» عبارة عن مجموعة من الأبحاث العميقة، والمقالات، والمحاضرات؛ التي كان الكاتب وعالم اللِّسانيات المعروف الأستاذ الدكتور صالح بلعيد؛ رئيس المجلس الأعلى للّغة العربيّة بالجزائر، قد ألقاها في بعض المؤتمرات العلمية، والمناسبات الثقافية، ثم قام بتجميعها وتحريرها، والإضافة عليها ليمنحها نسقاً موحداً تنتظم فيه، حيث يشير إلى هذا الأمر في المُقدّمة العامّة بالقول: « إنّها مُحاضرات وكلمات ومقالات أُلقيت بمُناسبات، وبعض موادّها سبق أن تشكّلت رُؤاها في أعمال علميّة ومُلتقيات وندوات واجتماعات وأفكار مُتلاحقة؛ منها ما أُشير له في كتب منشورة، وشكّلت لنا مادة مُهمّة؛ رأينا جمعها من مظانها والإضافة إليها، وتحيين بعض مُحتواها، في هذا الكتاب الذي يتناول الكلام الجادّ عن اللّغة العربيّة/اللُّغة الجامعة وما نراه من واجباتنا تُجاهها، وماذا يُمكن أن نُقدّمه لها في هذا الظّرف الذي يشهد التّغوّل اللّغويّ، ويُنذر بزوال/ موت الكثير من اللُّغات، وفي ذات الوقت نشهد حروب اللّغات… »(11) .
مؤلف الكتاب هو الباحث الدكتور صالح بلعيد؛ أستاذ اللّسانيات واللُّغة العربية، يتميز بكفاءة عالية في مجال البحث اللُّغوي، وقضايا علم اللُّغة، والسياسة اللُّغوية، واللّسانيات العامة، واللّسانيات التطبيقية، وقد أصدر عدة كتب في هذا الميدان؛ أثارت الانتباه إلى قضايا مهمة جداً، ونذكر من بينها: « دروس في اللسانيات التطبيقية»، و«التراكيب النحوية وسياقاتها المختلفة عند الإمام عبد القاهر الجرجاني»، و«المؤسسات العلمية وقضايا مواكبة العصر في اللُّغة العربيّة»، و«مقالات لغوية»، و«اللغة العربية العلمية»، و«مقاربات منهاجية»، و«علم اللغة النفسي»، و«نظرية النظم»، و«في الأمن اللغوي».
والحقيقة أن جهود أستاذنا الباحث الدكتور صالح بلعيد في مجال: «السّياسة اللّغويّة والتّخطيط اللّغويّ» هي جهود كبيرة جداً، وتمتد لسنوات طويلة؛ ففي موضوع له وسمه بـ: « رأي في تخطيط لغوي للمُواطنة اللُغويّة»، نبّه إلى عدة قضايا تكتسي أهمية بالغة، ولا يُمكن أن يغفلها كل مهتم بقضايا التخطيط اللُّغوي، حيث يقول في مستهله: « إنّ موضوعي الذي أعددته في هذا اليوم هو رأي يطرح تخطيطاً لسياسة لغوية تعمل على الانسجام الجمعي في إطار تعدّدية لغويّة وطنيّة، وقد بصرتُ بها وأنا أشرف على أبحاث في التّخطيط اللغويّ، وكانت لديّ تجارب في هذا المجال، وأروم طرحها أمامكم باختصار أمام بحثة، ونخبة وطنيّة علّهم يستفيدون، أو ينتقدون؛ للوصول إلى تقديم أفكار مشتركة في تخطيطنا اللغويّ المُشترك؛ لبناء منهج علميّ في تراتب اللُّغات الوطنيّة»(12).
ويُضيف الدكتور صالح بلعيد، وهو يُبدي رأيه في تخطيط لغوي للمواطنة اللُّغويّة، بالإشارة إلى أنه لتجسيد المواطنة لا بدّ أن يكون الحوار، وقبول الآخر للتّحاور وفق رؤى حضاريّة تؤدي إلى لا فرض ولا شرط إلا وفق مقتضى الأهداف الجامعة، والمرجعيات الوطنيّة والحضاريّة والتاريخيّة، ووفق ذلك تحصل المواطنة في شكلها العاليّ تنظيراً، وممارسة، وفق المساحة المشتركة التي تُحقّق السّلام الشّامل على ما يفهم الآن من الانسجام، ومن الاستقرار؛ فالدولة لا تنال غايتها من الانسجام الدولي إلا إذا تمتع أفرادها بنعمة الأمن والطمأنينة في ما بينهم (13)، وبالنسبة إلى المواطنة اللُّغوية التي تجمعنا في اللُّغة المشتركة، والتي هي قسيمنا المختار من قبل الأجداد، يقول الدكتور بلعيد: « إنه خيار استراتيجيّ مرن؛ حيث المازيغيون تعرّبوا وبقوا على مزوغتهم، والعرب تمزّغوا وحافظوا على عروبتهم، وكان من وراء ذلك الانصهار الجمعيّ الذي أدّى إلى فتح الأندلس دون نكاية، ولا شكاية، والكلّ وراء الفتح الإسلاميّ الذي اشتعلت فيه الآفاق من أجل الدين الإسلاميّ المصحوب بلغة العرب، و ما لا يفهم به فهماً جيّداً يحتاج إلى لغة التنزيل، وهي العربية العدنانيّة التي انصهر فيها الجميع بالمحافظة على الخصوصيات التي لا تُخلّ بالمواطنة اللغويّة التي تعني في أحد أوجهها ربط الفرد بدولته وبقوانينها، وجميع أبناء الوطن يتمتعون بتلقي لغات الوطن دون أي تمييز، مع المحافظة على التراتبيّة اللُّغويّة، وهي من متطلّبات الثلاثي العالميّ: الحوار، والتسامح، والسلام؛ لتحقيق خريطة طريق تعمل على تحقيق التخطيط اللُّغويّ المطلوب» (14).
ويقترح الباحث الدكتور صالح بلعيد(15) تعزيز التعاون بين المؤسسات في الوطن الواحد في المجال اللُّغوي، وتوفير الدّعم الماديّ الكافيّ للتكامّل اللغويّ، وتطوير سبل التّخطيط اللغويّ في مستّجدات العصر، وحماية التّراث اللغويّ والثقافي الوطنيّ، وإبراز دوره في الهُويّة الوطنيّة، وفي إثراء شخصية الإنسان (16).
يضم كتاب: « السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة» ما يزيد عن عشرة أقسام تُعالج قضايا متنوِّعة ترتبط بالسياسة اللُّغويّة ولغة الأمّة، ويضعنا هذا الكتاب من خلال هذه الأقسام أمام مُقاربة جديدة ومُتعمِّقة لمسائل تكتسي أهمية بالغة، ويتميز الكتاب ببنائه المُحكم ومعماره المُتقن؛ حيث تبدو فصوله منسجمة ومترابطة مع بعضها في نسق متقن، وقد استطاع الباحث الدكتور صالح بلعيد في مقدمة الكتاب الشائقة بأسلوبها، والمتميّزة بلغتها الجميلة، والشاملة بمعانيها؛ أن يأخذ القارئ إلى أهم مضامين الكتاب، حيث يذكر في مستهلها أن هذا الكتاب يحمل أفكار« بناء مدرسة الحداثة/ مدرسة الجودة؛ مدرسة تطوير لغة الأمّة؛ لأن العُمدة في صناعة النّجاح يعود إلى المدرسة والرّهان عليها، والاستثمار فيها؛ لنُشدان التّغيير الإيجابيّ فإذا ربحنا مدرسة الحداثة؛ ربحنا مقام لغة الأمّة، وربحنا مجتمعاً حديثاً يتكيّف مع المُتغيّرات، وينشد الأفضل…»(17) .
ويُعبِّر عن رؤيته لهذا الكتاب الجديد، والذي يُضاف إلى عدد غير قليل من مؤلفاته الرصينة، بالقول: « ويبدو لنا بأنّ هذا الكتاب إضافة إلى منتوجنا الفكريّ في ما مضى من الزّمان ويحمل مجموعة مُحاضرات أعمال علميّة
، وترجمات قمشناها من القراءات اليوميّة باعتماد مصادر ومراجع أسفل الورقة، وبعضها وُضع بين شولتين، والبعض الآخر ينطبق عليه(المعاني مطروحة في الطريق…)فهي ملك مشاع، نظراً لكثرة دورانها… واللّغة عند أعراف الأمم من الشّأن العامّ. وهذه غايتنا في هذا العمل الأكاديميّ المنافح للّغة الأمّة(السّياسة اللّغويّة ومقامُ لغة الأمّة) لنقول: إنّ خير ما يُمكن أن نُقدّمه لهُويتنا اللُّغويّة العربيّة أن نكون في مستوى استيعابها وإتقانها والدّفاع عنها بالذّكاء الذي يجعلنا نستفيد من تجارب غيرنا ونجاحاتهم، ونعمل على احتذاء بعض مناويلهم في خدمة المُشترك اللّغويّ؛ بما يعمل على ضمان الانسجام الجمعي، والتّطوّر العلميّ في ظلّ لُغة مُوحّدة في المرجعيات والتّوجّهات المُستقبلية…كما لا نُخفي أننا استلهمنا مجموعة النّجاحات والأفكار من البلاد الأجنبيّة، ومن السّياسات اللّغويّة التي اعتمدتها الشعوب النّهضة أو الشّعوب الحيّة التي تمّوت في لغتها، ورأيناها كيف قامت، ونهضت وأبدعت بلغاتها، وصارت لها المكانة العالميّة؛ بما لها من توظيف وتطوير لغاتها، وكان الفعلُ نبيلاً، وذلك ما نريد أن يكون لنا عبرة لتطوير لغتنا بما لها من مُقوّمات النهوض. كما نريد أن يكون ذلك الفعل دافعاً اعتبارياً نستلهم منه الدّروس»(18) .
كما يتساءل الدكتور صالح بلعيد في المُقدّمة العامة للكتاب: هل السّياسة التربويّة الوطنيّة العربيّة لها تخطيط الرّفع من قدرة استيعاب التلاميذ دون مراجعة طرائق التّدريس، ومُحتوى الكتاب المدرسيّ؟ كيف يُمكن مُواجهة(الهدر اللُّغويّ) ونحن نشهد انحسار المُستوى اللّغويّ؟ أما حان الوقت لإعداد استراتيجيات التغلّب على(فقر التّعلّم)؟
ويُقدم الدكتور صالح بلعيد العديد من المقترحات التي تتصل بهذا الموضوع، ومن بينها:
-ضرورة توصيف الوضع اللّغويّ من سنوات الإصلاحات التّربويّة العربيّة إلى وقتنا الحالي؛ وهذا بُغيّة وصف الواقع المزري الذي يقع عليه تسليط دراسات ميدانيّة بمنهجيات اللّسانيات التّطبيقيّة.
-التّنبيه إلى ضرورة التّخطيط للأزمات والنّوازل، وكلّ الظّروف الاستثنائيّة التي تُعيق عمليّة التّعليم العاديّ.
-منح الأولويّة لتعليم المهارات الأساسيّة في المرحلة القاعديّة: السّماع+القراءة+الحوار+الكتابة. وما يتبع ذلك من ضرورة الإشباع اللّغويّ بالعربيّة الفصيحة؛ ويعضدها تدريس الحساب والمنطق والفلسفة وحفظ ما يكثر دورانه؛ وبخاصة الشّعر الفصيح.
-تنبيه المُتعلِّم في عملية التّعليم لتفعيل المُتعلَّم في مُبادرات تُعالج(فقر التّعلّم) بأنشطة تربويّة تفاعليّة في داخل الصّفوف، أو خارجها؛ لجعل المُتعلّم يعيش الحمّام اللّغويّ الاصطناعيّ في المدرسة وفي خارج المدرسة. وهذا في عمليات التّعليم عن طريق السّياحات اللّغويّة/ أعمال التّطوّع/ المُناسبات الوطنيّة/ العالميّة بخصوص الاحتفاءات بأيام اللّغة العربيّة. وهو نوع من إشراك المُتعلم في عمليات التّحسين اللّغويّ(19) .
ويتساءل المؤلف: ماذا عسانا نفعل في أوطاننا؟ ويذهب في إجابته إلى أنه كان علينا استنهاض الهمّة لعلاج المخاطر، وهذا بتشكيل لجان ومؤسسات مُختصّة لمواجهة هذا القصور الذي يستدعي الاستثمار في مدى المقروئيّة، وحصص القراءة في المنظومة التّربويّة، وتخصيص ساعات للقراءة الخارجيّة والتّشجيع على مُبادرات قرائيّة على غرار: تحدّي القراءة العربي، ومُسابقات القراءات النّموذجيّة، وما يتبع ذلك من استعمال الوسائل الحديثة للسّماع للفصيح: قرآن+حديث+شعر+بودكاست+لغتنا الجميلة+حديقة الحروف+حديقة النّحو+قُل ولا تقُل، حقائب القراءة، صحّح لغتك..
ويقترح المؤلف كذلك أن يتمّ إعداد برامج ودراسات لمُواجهة أزمة التّعلّم لضمان التّعلّم التأسيسيّ، وتحويله من تلقين إلى إشراك المُتلقّي لمادة التّعليم، ويُقصد بالتّعلّم التّأسيسي غرس اللّبنات الأساس لجميع مهارات التّعلّم والمعرفة والمهارات العليا الأخرى التي يحتاج الأطفال إلى اكتسابها خلال مراحل التّعليم.
في القسم الأوّل من الكتاب، وتحت عنوان: «السّياسة اللّغويّة والتّخطيط اللّغويّ»، تطرق المؤلف إلى قضايا مهمة جداً ترتبط بهذا المجال؛ الذي عرّفه بأنه تلك القوانين والأنظمة والاستراتيجيات المُتعلّقة باللّغة وعلاقتها بالمُجتمع(تنظير)؛ في حين أن التّخطيط اللّغويّ(تطبيق)، ويذهب في هذا الصدد إلى أن السّياسة اللّغويّة تقتضي وجود جماعة/ جماعات لغويّة تهتمّ بوضع سياسة لغويّة ناجحة، أو إحياء لغة بغرض استعمالها، أو العمل على إيجاد آليات التّعايش بين اللّغات المُوظّفة في البلد الواحد، وهذا يقتضي وجود تخطيط لغويّ+ إرادة سياسيّة+ هيأة تنفيذيّة+وسائل ماديّة+مُدة زمنيّة مُحدّدة. وتخطيط السّياسة اللّغويّة تعني الخيار الجمعي للمُجتمع.
ويعتقد الباحث الدكتور صالح بلعيد أن العبرة ليست في القوانين، وإنّما في تطبيقها، وليست العبرة في كثرة جمعيات حماية/ دفاع/ تنميّة اللّغة العربيّة، دون هامش من الحريّة للمُبادرات والإبداع لهذه الجمعيات، وليست العبرة في كثرة المؤسّسات ذات العلاقة بتطوير العربيّة؛ بل العبرة في تفعيلها وفتح الأبواب لنشاطاتها المُختلفة، وإعطاء مساحة من الحريّة للصّحافة في المُرافعات ذات العلاقة باللّغة العربيّة، ولابد من وضع منهجيات القوّة النّاعمة لتحبيب العربيّة والتّرغيب فيها، والعمل على تطويرها وفق خُطط إنمائيّة.
ويصف المؤلف لغة الأمّة بأنها: «هُوية المرء ومحور منظومته اللّغويّة والثّقافيّة، هي الجنسيّة العربيّة، وهي الوطن العربيّ في دوله العتيدة، هي الوطن الكبير، ومن لا لغة له لا وطن له…، لغة الأمّة هي الثّورة الداخليّة التي يحملها كلّ مُواطن غيور على وطنه؛ يعني غيور على لغته، وفي ذات اللّغة ثورة أخرى تحثّ على إصلاح المجتمع بإصلاح لغته، وكلّ شيء يبدأ من اللّغة؛ لأنّ أيّة لغة لا تخلو من التّحيّز، ومنها تبدأ إمكانات الفعل الثّوريّ/ التّغييريّ، ومن ذلك يخرج فعل التّوجيه الذي تتّخذه الدّولة بتضافر مفردات ومسكوكات تمَّ صوغها لصالح الإعلام والتّعليم وما له سلطة القرار في الدّولة والحكومة والأمن»(20) .
يُركز الدكتور صالح بلعيد على العلاقة التي تجمع مابين السّياسة اللّغويّة ولغة الأمّة، حيث إنه يتساءل: السياسة اللّغويّة ولغة الأمّة أيّة علاقة؟ و يذهب في بحثه عن هذه العلاقة إلى أن مفاهيم السّياسة اللّغويّة قد تحدّدت في ذلك التّخطيط اللّغويّ الذي يُبنى على الإجراءات المنهجيّة والعمليّة للسّير الحسن للشّأن اللّسانيّ في أيّ بلد؛ وهذا من شأنه أن يعود بالنّفع العامّ في نسق الانسجام الوطنيّ دون هضم الحقوق اللّغويّة، وذلك حينما يستند إلى مُنطلقات ومرجعيات وغايات؛ تُقرّ بها الأعراف الاجتماعيّة والقانونيّة والاقتصاديّة والتّاريخيّة، وينجم عن ذلك سياسة لغويةٌ تلتزم بها الدولة، وتُعمِّم تطبيقها في شتى مجالات الحياة، ويكون للّغة موقع خاصٌ باعتبارها وسيلة التّفكير والتّعبير، والتّواصل والتّفاهم، وتراكم المعلومات وتوارثها، وهذه غايات وأهداف التّخطيط اللّغويّ؛ الذي يستهدف تحقيق التّنميّة البشريّة بما يجمعها على لغة مشتركة تحقيقاً لسهولة التّواصل، وتشكيل ثقافة(21) وقيم مُشتركة تُسهم في الإحساس والانتماء الوطنيّ ووحدة الهُويّة ووحدة الوطن، وجميعها تنصهر وتذوب في القاسم الجمعيّ الذي تُحققه لغة الأمّة؛ باعتبارها الضمان لوحدة الوطن، ولذلك تحرص الأمم على تخطيط السّياسة اللّغويّة التي لا تُدمر البلد، وعندما تتباين الألسنة تختلف الرّؤى والتّوجّهات، وتحصل القلائل التي تُعطّل التّنميّة، كما يختفي الاستقرار السّياسيّ، ولا يحصل التّقدّم المنشود؛ نظراً للأزمات اللاّحقة من ضعف تأسيس المُؤسّسات، والإضرار بها إن وُجدت(22) .
ويُنبِّه الدكتور صالح بلعيد إلى أن بعض السّـياسات اللّغويّة قد تعتمد على نظام التّعدّديّة اللّغويّة، أو الاستعانة بلغة المُستعمِر السّابق وتضع للّغات الأجنبيّة موقعاً، ويحصل في الحقيقة فراغ الهُويّة، بما للّغات الأجنبيّة من مقام في الجوانب العلميّة، وهنا يبدأ الخلل في المكانة الاجتماعيّة لألسن الهُويّة؛ ووفقاً لرؤية الدكتور بلعيد فهذا نوع من التّدمير الذاتي الذي يجعل الجيل القادم يخرج من الجغرافية وتاريخ بلاده، وما ينتج من أوضاع النّخبويّة، والاضطرابات الاجتماعيّة، بسبب سلّم التّنميّة البشريّة التي لم تكن مُنسجمة؛ نظراً لغياب سيطرة لغة الأمّة، وهذا ما يقتضي ضرورة استعمال اللّغة المشتركة في تلك القطاعات الحيويّة، وجميع المجالات من أجل تحقيق تنميّة بشريّة عادلة، وهذا ما تُقرّه تقارير التّنميّة البشريّة التي تنص على حماية اللّغات الأمّ، وتعميم التّعليم الإلزامي باللّغة الأمّ من أجل عدم حصول الطّبقيّة؛ التي تجعل لغة الآخر تنال مكانة أفضل من لغة الأمّة، ولاسيما ما نراه في دولنا العربيّة من تدنّي مقام لغة الأمّة(الفصيحة)المشتركة التي تقاسمتها المؤسّسات وأضاعت دمها في القرارات، ودون رجع الصدى(23).
ويخلص الدكتور صالح بلعيد إلى القول: «وهكذا نرى العربيّة/لغة الأمّة في سؤال التّعدّد اللّغويّ في أوطاننا العربيّة أنّها تعيش ضرّات جعلتها تُعاني الفقر بسبب الإهمال، لما للّغات الأجنبيّة من حظوة؛ وهي ليست من لغات الحظوة رغم أنّها لغة الأمّة، وذلك ما جعلنا تابعين لا منتجين، مُستهلكين لا زارعين…حيث الشّخصنة غائبة في وتر الغيرة على لغة الأمّة، ونحن نفتقر إلى الانسجام المُجتمعيّ»(24).
ويرى الباحث الدكتور صالح بلعيد أن أمن اللِّسان من أمن لغة الأمّة؛ ولذلك نُلفيه يُقدم مقاربة دقيقة عن دور التعليم والإعلام في تحقيق أمن اللُّغة العربيّة، وقد حدد المُصطلحات في البداية بدقة، وشرح بدقة دلالات الأمن اللّغويّ، والأمن اللّسانيّ، والتّمكين اللّغويّ، وتعميم استعمال اللّغة العربيّة؛ الذي يشرحه بأنه يعني«العمل على أن تنال اللّغة العربيّة مساحات في كلّ المجالات وأن تكون لها السّيادة في المُجتمع؛ باعتبارها لغة التّلاغي في كلّ المناحي. ومن هنا تُقيم بعضُ الدّول مُؤسّسات تهتمّ فقط بهذا الأمر، وهذا على غرار فعل الجزائر في تأسيسها المجلس الأعلى للّغة العربيّة، ويستهدف هذا المجلس التّنسيق مع القطاعات غير المُعرّبة، لاستعمال اللّغة العربيّة وتعميمها بدل استعمال اللّغة الفرنسيّة، وكذلك فعل موريتانيا في تأسيسها(مجلس اللّسان العربي) ويُؤدّي تقريباً نفس مهام المجلس الأعلى للّغة العربيّة في الجزائر؛ وهما نوع من أنواع حماية اللّغة العربيّة من اللّغات الأجنبيّة(الفرنسيّة) على وجه الخصوص»(25).
وقد تحدث الدكتور صالح بلعيد بعمق عن مُهدّدات الأمن اللّغويّ؛ حيث إنه يؤكد على أنه لكي يحصل الأمن اللّغويّ علينا إدراك مُهدّداته ودراستها من أجل الخروج بوسائل الوقاية، وهي لا تخرج عن ضعف أداء العربيّة؛ وهذا يرجع إلى جملة من العوامل من بينها أنها ليست لغة علميّة في الواقع الاستعماليّ، ولا تُمارس في العائلة، ولا في المُحيط، كما لا يحصل فيها تطوير في مناهجها التّدريسيّة إلاّ في الأمور السّطحيّة، ويُضاف إلى هذا الأمر عدم إيلاء الأهميّة للعربيّة وسط الزّحام الانجليزي/الفرنسيّ، والعمى الحضاريّ الذي جعل العرب ينبهرون باللّغات الأجنبيّة، وكذلك طغيان اللّغات الأجنبيّة؛ وهذا حاصلٌ في كلّ الدّول العربيّة، حيث نلفي أن لغة المستعمر هي الفضلى والتي تنال مقامها في دواليب الدّولة، رغم ما تنصّ عليه النّصوص والدّساتير والمواثيق ومختلف النّصوص التّشريعية من مقام اللّغة الرّسميّة(26)، كما يشير الدكتور بلعيد إلى التّهجين اللّغويّ، ويصفه بأنه:«واقع جديد يفرض استعمال لغات محلية؛ بالمزج بينها وبين اللّغات الأجنبيّة أو العربيّة الفصحى، ويُسميه البعض: العرنسيّ/العربزيّ…وهذا ما هو حاصل الآن في وسائط التّواصل الاجتماعيّ من كتاباتsms بالحرف اللاّتينيّ والمضمون العربيّ الخليط، ويُمكن أن يحصل التّهجين عن طريق توظيف المحليّات والفصحى والأجنبيّات، وهو نوع من التّخليط اللّغويّ الذي يدخل في القهر اللّغويّ والمسألة الآن نعيشها في بعض القنوات العربيّة، وبخاصّة الفضائيات الجديدة. وهذه مسألة جدّ خطيرة سوف تُلحق الأضرار اللّغويّة في واقع لغتنا الفصيحة، ويؤدّي بالعربيّة إلى تهديم بناها الداخلية »(27).
توقف الدكتور صالح بلعيد مع ضعف أداء لغة الإعلام، ويدعو بوضوح إلى ضرورة التّصدّي علمياً لهذه المخاطر من خلال؛ تفعيل العربيّة في التّربية والتّعليم، إذ أن العربية هي بحاجة إلى نظرة جديدة في المنهج؛ على اعتباره حصيلة تفاعل مستمر لمجموعة متشابكة من العوامل، وتحقيق وحدة اللّغة في المنهج وإكساب المُتعلّمين المهارات اللّغويّة إرسالاً في المُحادثة، واستقبالاً في الاستماع والقراءة، كما تحتاج العربيّة في أهدافها إلى إكساب المُتعلّم المهارات اللّغويّة، وتنميّة قدرته على التّفكير العلميّ والتّحليل والنّقد والحوار، إضافة إلى المرونة في اختيار طرائق التّدريس في ضوء الأجواء العلميّة والتّربويّة ومُستويات المُتعلّمين، كما يقترح الباحث الدكتور صالح بلعيد أن يتم إعداد الطّفل بلغته وفي لغته، وإعداده سيكولوجياً وعقلياً وأخلاقياً، وإعداده لمُواجهة العولمة المتوحّشة، وإعداده لمواجهة التّقنيات، وكيفية الإفادة منها، وتحصينه من الاستلاب الثّقافيّ، ومن غزو الصور، وتوجيهه وجهة نفعيّة في استعمال الحاسوب، ويُنبِّه كذلك إلى ضرورة حفظ الحقوق اللّغويّة للطفل؛ حيث إن الهُويّة اللّغويّة تتشكّل في مراحلها الأولى لدى الطّفل، وتُبنى بالفعل والقوّة، ويُشكل الأطفال في عصر العولمة المنطقة الأكثر حساسية وخطورة فيما يتصل بالتأثيرات الثقافية(28).
لقد قدم الدكتور صالح بلعيد دراسة شائقة ومُوسعة عن تعزيز الهُويّة اللُّغويّة من شتى الجوانب، وقد انطلق من مسألة لغة الطّفل، حيث إن الأمن يحصل عن طريق حفظ الحقوق اللّغويّة، وهذا ما تنشده الأمم؛ نظراً لما يحصل بلغاتها من آداب على مُستوى عال من الرّفعة والرُّقي، وفئة الأطفال هم العمود الفقري في ترسيخ اللُّغة بمُختلف أنماطها؛ فالذي يدرس اللّغة العربية يطّلع على معلومات أوسع تفوق دائرة اللّغة المجرّدة التي هي في مقدور الطّفل؛ أي أنّ الدّارس للّغة العربيّة إنّما في واقع الحال يتنزّه في بساتين الثّقافة والأخلاق والسّلوكيات والسّجايا الطّيبة دون المساس بصُلب لغة الطّفل، أو الممارسة العفويّة للّغة؛ أي بعيد عن لغة القاعدة التي نحن بحاجة إلى ترسيخها في منظومة فكر التّلميذ(الطّفل)باعتبار لغته تأتي من وسط طبيعيّ عفويّ مُباشر، ويخلص الباحث إلى أنه إذا ما وقع الاهتمام بلغة الطّفل؛ فإن هذا الأمر سيجنبنا دائرة الخوف من حُروب اللّغات وتضييق الرّؤى؛ وهذا هو الأمن اللّغويّ المنشود الذي يعني في ذات الوقت حماية هُوياتيّة فيشعر الفرد بالأمان عندما يسمع لغته يُتلاغى بها في كلّ موقع، بل عندما يسمعها من أفواه مسؤوليه، وهناك يُحسّ بالقيمة المُضافة التي تعطيها اللّغة الوطنيّة للفرد والانسجام الجمعيّ للساكنة، ومن الصعب أن يتحقّق الانسجام الجمعيّ إذا وقع التّسامح اللّغويّ، ومن الصعب أن يحصل بالمحلّيات أو بالأجنبيّات، وهذا ما بيّنته الدراسات، وأظهرته العديد من الأبحاث؛ فالدول المُنسجمة لسانياً دول مُتقدّمة، والدّول غير المنسجمة لسانياً دول مُتخلّفة، ووفقاً لنظرة الباحث الدكتور صالح بلعيد أن هناك إمكانية للاستدراك بالتّخطيط اللّغويّ وبتطبيقات اللّسانيّات في كلّ من: الإصلاح اللّغويّ/ التّقييس اللّغويّ/ تحديث المُفردات/ وضع المُصطلحات/ الغوص في عالم الحاسوب، ويذكر الباحث صالح بلعيد العديد من التجارب لدول انطلقت من الصّفر، وعلى مدى ثلاث عشريات أصبحت مُتقدمة، وهذا بتخطيط فقط، من خلال اعتماد الأهمّ قبل المُهمّ، من مثل: مسح احتياجات الوطن الاستعجاليّة، واستقدام الكفاءات الأجنبيّة للإفادة منهم، والاعتماد على اللّغة الوطنيّة، وتأسيس الجمعيات العلميّة، وإجراء التّجارب الدائمة وتحسينها المُتواصل، والاعتماد على الكفاءات الوطنية في التّطبيق، وقبول النّقد والتّفعيل داخله بغية التّطوير(29)، ويُنبّه الدكتور بلعيد إلى قضية مهمة تتصل بمراعاة البيئة التي يجري فيها التّخطيط، فهذا أمر ضروري، ولا يُمكن تبنّي تجربة دولة ناجحة؛ لأن لكل بلد خصوصياته، كما أنّ مُراعاة الفكر العلميّ التّغيّيريّ الذي تطرحه النّخبة العلميّة والسّياسيّة هو أمر مهم جداً، ولا يُمكن أن تنجح تجربة عن طريق الاستيراد أو الاستنساخ، بل من خلال الإبداع الذي يكون باللُّغة الوطنية، إذ نرى دولاً حصلت فيها الطّفرة التكنولوجيّة كان ذلك بفعل الذات الوطنيّة واللّغة الوطنيّة، ولم تكن تلك الدول منغلقة على ذاتها؛ بل انفتحت على الخارج انفتاحاً انتقائياً، ولم يُنسها ذلك المُحافظة على تراثها، ولا على لغتها، بل إنها ازدادت تمسّكاً بمُقوّمات الأجداد، وذلك ما منحها إلهام الإبداع(30)، ويتساءل المؤلف: هل يُمكن أن يحصل عندنا في العالم العربي؟، ويذهب في إجابته إلى القول: «من الصّعوبة بمكان أن يحصل هذا عندنا، حيث أبانت التّجارب على أنّ دُولاً عربية لم تعرف الاستعمار، وأنّ دُولاً عربيّة أخرى أضحى عُمر استقلالها يقرب للقرن، ولكن الأمور تتراجع باستمرار، ولم تُحافظ تلك الدّول حتى على مكتسبات القرن التاسع عشر، بينما عُمر الدّول النّاميّة غير العربيّة لا يتجاوز الخمسين سنة(50)حقّقت النّجاح، والدّول العربيّة لم تعرف النّهضة، فالخلل يكمُن في الجانب النّفسيّ؛ فنحن لا نريد التّغيّير؛ حيث البحث العلميّ لم يول حقّه، وما هو معمول به لم يُقدّم نتائج يمكن التّعويل عليها؛ فالاستنساخ عندنا أجدى من الإبداع، كما أنّ الفكر الخرافيّ لا يزال يعشعش في أمخاخنا، يرمي لغتنا بعدم العلميّة، إذاً لا مجال للعمل فيها وبها، ولا نعلم أنّه يأتي التّغيّير إلاّ بلغتنا، ولكن لا يجب أن نيأس، فإذا وفّرنا شروط النّجاح، يحصل التّغيّير، وهذا في أهمّ مجال وهو البحث العلميّ، وهو ما يُعطي للأمّة الأمان»(31).
تحت عنوان: «تفعيل العربيّة في التّربية والتّعليم»، يرى الدكتور صالح بلعيد أن العربيّة تحتاج إلى نظرة جديدة في المنهج؛ على اعتباره حصيلة تفاعل مُستمر لمجموعة متشابكة من العوامل، وتحقيق وحدة اللّغة في المنهج وإكساب المُتعلمين المهارات اللّغويّة إرسالاً في المُحادثة، واستقبالاً في الاستماع والقراءة، كما أن العربية تحتاج في أهدافها إلى إكساب المُتعلّم المهارات اللّغويّة، وتنميّة القدرة على التّفكير العلميّ والتّحليل والنّقد والحوار، كما يدعو المؤلف إلى الاهتمام بلغة وسائل الإعلام؛ حيث إنّ العربيّة في واقعنا اليوم بحاجة إلى تفعيل وتحريك وفق استراتيجيّة مُعاصرة تأخذ وسائل التّواصل الاجتماعيّ، لتكون وسيلة إشهاريّة، وتُعبّر بلغة راقيّة فصيحة؛ وصولاً إلى وضع ركائز التّبليغ الرّشيدة في بناء لغويّ متنوّع؛ حسب ما تقتضيه كلّ وسيلة من تلك الوسائل، ويعتقد أن على المدرسة ووسائل الإعلام تركيز النظر في قضايا مهمة جداً، هي: الاعتزاز اللّغويّ؛ الذي يعني المُحافظة على اللّغة، والمُحافظة على الأرض، ومُحاربة الغُربة اللّغويّة، ويؤكد على أن اللّغة العربيّة لغة علميّة، وخوض عالم الحوسبة، ومن أبرز النتائج التي دبّجها المؤلف، الإقرار بمجموعة من النقائص ومنها: نقص في المرجعيّة العلميّة، وضمور أدوات البحث في اللّغة العربيّة، وعدم إقامة معرفة لسانيّة مُتقدمة، وعجز المُعرّبين عن تدبير شؤون العربيّة، وعدم التّغلّب على إشكال علاقة التّراث بالحداثة، وعدم اعتماد المُعرّبين على مرجعيات ومناهج واضحة، كما يُقر المؤلف بمجموعة من المحاسن، ومن بينها: اللّسان العربيّ يجمعنا، وبروز اللّغة العربيّة كلغة شاملة: ولقد شكلت العروبة اللّغويّة تحوّلاً في تاريخ اللّغة العربيّة، والعربيّة لغة تواصل عالميّة لكتلة بشريّة هامّة، ويُوصي المؤلف بضرورة الاستثمار في التّنميّة البشريّة، وتحريك وسائل الإعلام في تخصيص حصص ثقافية وندوات؛ بخصوص ترقيّة اللّغة العربيّة، وضرورة استصدار القرار المُلزم بالتعريب الشّامل، وتحديد آجال الانتهاء منه، وتعريب المعارف الكونيّة، التّجريديّة والتّقنيّة على الخصوص، وتفعيل المؤسّسات والمجامع العربيّة، والسّرعة في علاج الظواهر المُخلَّة بسوء أداء العربيّة لوظائفها التّعبيريّة والعلميّة، والعمل بالمشاريع الكبرى، والخروج بقرار عربيّ بخصوص الأعمال العربيّة المشتركة على غرار المعجم التّاريخيّ للّغة العربيّة والذّخيرة العربيّة.
خصص الباحث الدكتور صالح بلعيد المجال الثاني من الكتاب للحديث عن: «سوق اللُّغات»، وركز على العربيّة ومقامها في السّوق اللّغويّة، ومن أهم الأفكار التي نالت حظاً وافراً من المُعالجة والتحليل في هذا القسم: اللُّغة والاقتصاد؛ حيث ترتبط اللّغات والاقتصاد ويتمّ الاهتمام في هذا الصدد بالإنتاج والمردوديّة والرّبح والبزنسة والتّواصل والتّبادل من أجل خلق أسواق لغويّة عن طريق استعمال اللّغات الوطنيّة، أو اعتماد التّرجمات، ولذلك تُعتبر اللُّغة عُملة قابلة للتّبادل والسّيولة؛ واستعمالها يُقوّي رفع فوائدها وتعلّمها، ويُدرّ عُملة فكريّة وماديّة وثقافيّة، ويجلب لها الزّبائن الذين يطلبون ودّها لتعليمها أو التّرجمة منها، وتكون اللّغة الأقوى بالتّرجمة منها، وتكون اللّغة الأضعف بالتّرجمة إليها، ويذكر المؤلف أن اللُّغة المشتركة فاعل اقتصاديّ في الإنتاج الصّناعيّ(32)، وقد ناقش الدكتور صالح بلعيد قضايا كثيرة ذات صلة باللّغة والسّيادة، واللّغة والسّياحة والحاجة والإعلان، والسّوق اللّغويّة ووظيفيّة اللّغة العربيّة، وقد خلص في ختام معالجته لهذه الإشكاليات العلميّة المُهمّة إلى أن التّسويق اللّغويّ بالعربيّة يعمل على تطوير آليات اللُّغة العربيّة، وإنه عندما يتعاضد القرار السّياسيّ بالعمل الجديّ، ولما يتعاقد مُنتج الأفكار مع صاحب القرار ستكون النّواتج مطمئنة لخدمة المُواطنة اللّغويّة، ووفقاً لهذه الرؤية يجب الحديثُ عن تحدّي تنامي الفرنسيّة أو تماهي استعمالها في السّياحة كلغة لها أولويّة في الجزائر، وهذا ما يخلق ارتباكاً في المواقف على اعتبار أنّها عنصر إثراء وغنى، وفي ذات الوقت يُعتبر ذلك عنصر استلاب وتبخيس وانكماش واختزال للهُويّة اللّغويّة العربيّة، ويبقى تفعيل المأسسة اللُّغويّة ضمان نيل العربيّة مقامها في سوق الطلب، ولا يُمكن أن تُعالج المسألة بالحياد اللّغويّ للدّولة؛ كي تبقى العلاقة وطيدة بين الدّسترة والمأسسة للرّفع من الحقوق اللّغويّة والثّقافيّة؛ باعتبارها عنصراً لا يتجزأ من عناصر حقوق الإنسان، وركيزة من ركائز المُواطنة(33).
وتطرق الدكتور صالح بلعيد إلى مسألة وجود العربيّة في شمال أفريقيا قبل الفتح الإسلاميّ، وساق العديد من الحُجج التي تذهب إلى وجود استعمال العربيّة بشكلها البسيط لقضاء الأغراض التّواصليّة؛ ومن بين هذه الحجج ما أشارت إليه كتب التّاريخ أنّ الجزيرة العربيّة واليمن مقصد العلماء، وبخاصّة ما تأكّد في القرن الخامس الميلاديّ الذي عرف مدنيّة، وقد كانت العربيّة راقيّة في أساليبها ومعانيها وتراكيبها وأمثالها وحكمها، ويضاف إلى هذا الأمر عامل الهجرات، وكانت هجرة العرب إلى أفريقيا قديمة قدم اختلاط الشّعوب واحتكاكها، ولا غرابة في أن يكون عامل الهجرة حجة دامغة في إيصال العربيّة إلى أفريقيا، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الهجرة إلى بلاد الحبشة، والتي لم تكن لتحصل إلاّ بمُمهدّات سابقة، وقد كان انتشار العربيّة بمُصاحبة الهجرات، كما عالج المؤلف في قسم خاص العديد من القضايا التي تتعلق بعولمة اللُّغة العربيّة، حيث يقول في مستهل هذا القسم: «سنتحدث في هذا المجال عن موضوعات تعود إلى موقع العربيّة في ما مضى من الزّمان حتى أصبحت لغة العولمة بمفهومها المُعاصر الذي يُطلق على الانجليزية، وكان النّموذج فيها أنّها تعولمت في القارات، وأخذت مداها بمُصاحبة الدّين الإسلاميّ، وكان لها أثر كبير في قارة أفريقيا/العربيّة لغة قارة أفريقيّة، ثمّ انحسر دورها بعد القرن XVII ، وبقي خطّها معولماً في لغات أفريقيا، حتى XX ، وفي هذا المجال نستشرف عودتها من جديد في دراسات مُستقبلية بصُرنا بها »(34).
إن الباحث الدكتور صالح بلعيد يعتقد اعتقاداً راسخاً لدى حديثه عن العربيّة في أفريقيا بأنّ الانكماش الذي عرفته يرجع إلى الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة، وما فرضه الاستعمار من منع تدريسها واستبدال حروفها بالحرف اللاّتينيّ، إضافة إلى وضع مُخطّطات رهينة للفرنسة المُصاحبة بالتّبشير، ومن أهم ما لاحظه لدى دراسته لهذا الموضوع؛ أن الأفارقة تمسّكوا بالعربيّة وعضّوا عليها بالنّواجذ، ونقرأ الكثير من إسهاماتهم العلميّة، وهذا ما يؤكدّ أنّ أفريقيا ستكون القارّة الأولى للّغة العربيّة في لاحقٍ من الزّمان، وأثر العربيّة في اللّغات المحليّة بارز بالقوّة، وهذا ما نلمسُه في ظاهرة الاقتراض اللغويّ نظراً للثّقل الحضاريّ والروحيّ الذي تتمتع به العربيّة في كلّ البلاد الأفريقيّة، ويُضاف إلى ذلك عولمة الحرف العربيّ باعتباره أداة لتدوين لغاتهم المحليّة، وهذا يُمثّـل جانباً مُهماً من الارتباط الحضاريّ والوجدانيّ بين العرب والأفارقة، وقد أبدع الأفارقة في الشّعر العربيّ الفصيح، كما أبدعوا في المنظومات العلميّة أو النّظم التّعليميّ، وأبدعوا في العلوم الإسلاميّة أيّما إبداع، وهناك صحوات أفريقيّة مُعاصرة تدعو إلى العودة لكتابة لغاتها بالحرف العربيّ على غرار فعل الأجداد، ويجب تسجيل جهود(الإسيسكو) في مجال وضع برمجيات لكتابة كلّ اللّغات الأفريقيّة بالحرف العربيّ(35).
ومن بين الأسئلة التي سعى الباحث الأكاديمي الدكتور صالح بلعيد إلى الإجابة عنها من خلال هذا الكتاب: ماذا ينتظر منّا الافارقة؟ فمن المُسلم به أن الإسلام كان اختيارهم الاستراتيجيّ، واصطحب معه لغة الإسلام؛ فأضحت شبه إلزاميّة لفهمه فهماً صحيحاً بدل التّرجمة التي لا تفي بالأغراض مهما اتسمت بالقوة، وكثير من البلاد الأفريقيّة تعوربت في سوقها وفي قضاء مصالحها، والعربيّة جزء من ثقافتهم اليوميّة، وهم يطلبون في هذه الظّروف المُعولمة مزيداً من عقد النّدوات لتدريبهم في النّطق الصّحيح للعربيّة مع تصميم المناهج التّدريسيّة الحديثة التي تجعلهم يعيشون الغمر اللّغويّ العربيّ في التّواصل عامّة، وقد كان علينا تزويدهم بالكتب العربيّة من قبل المجامع والمُؤسسات والجامعات ليعيشوا الواقع اللّغويّ المُعاصر، ويؤكد الدكتور صالح بلعيد أنهم يحتاجون منّا؛ إدماجهم في عضويّة المجامع والمُؤسّسات العربيّة، ودعوتهم لحضور أمثال هذه الفعاليات، والإغداق على علمائهم وتكريمهم ليزيدوا في الإنتاج، وطبع الكتب والدّراسات اللّغويّة الجديدة الخاصة بتعليم العربيّة للأفارقة؛ بالاعتماد على اللّغات الأمّ، وتبني مشاريع عربيّة أفريقيّة في مجال إنجاز القواميس/ المعاجم/ الأدلّة/ لغة المُحادثة، إضافة إلى تعزيز وتقوية ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغاتهم الأمّ، ومُساعدتهم على الاحتفاء بالمُناسبات اللّغويّة العربيّة والعالميّة من مثل: اليوم العربيّ للّغة الضاد، واليوم العالميّ للّغة العربيّة، والعيش معاً بسلام، والتّنوّع الثّقافي، وتكريم علماء أفريقيا بإسداء أوسمة استحقاقيّة نظير جهودهم في خدمة العربيّة خارج مواطنها(36).
ويقترح الأستاذ الدكتور صالح بلعيد أن تقوم المجامع اللّغويّة العربيّة بمُساعدة الأفارقة المُستعربين لمُواصلة جهودهم في نشر العربيّة في أفريقيا، يكون الابتداء من خلال تحديد خريطة طريق لهذا الأمر، وأن يُعضد بأفكار المجمعيين، وأعضاء المؤسّسات المُلحة باتّحاد المجامع؛ لتحقيق تواجد العربيّة التّربويّ في المقام الأوّل في أفريقيا، وهذا وفق جملة من المقترحات:
1-اقتراح برامج تعليميّة للمُعلّمين بمناهج حديثة تشمل التّدريبات التّربويّة اللاّزمة للمُعلّمين.
2-صياغة برامج تربويّة للمُتعلّمين تثير اهتمامات المُتعلّم، وتجعل منه عضواً فعّالاً يتجاوب مع البيئة من حوله، ومع الظواهر المُختلفة التي تدفعه لحبّ الاستطلاع والاستكشاف، ومُحاولة إيجاد الحلول للمُشكلات المُختلفة.
3-توفير المعاجم اللّغويّة المُناسبة لمُستويات الطّلاب، وتعريفهم بأهميّتها ووظائفها وخصائصها وطرائق استعمالها، ويجب أن تكون هذه المعاجم سهلة ومُبسّطة، ويُستحسن أن تكون من المعاجم التي تصف فيها المُفردات اللّغويّة بحسب ترتيب الحروف الهجائيّة في اللّغة، ليتمكّن التّلميذ من الرّجوع إليها والاستفادة منها والتّعرّف على جميع المُختصرات والرّموز والمُصطلحات المُستخدمة فيها.
4-العمل على توفير وسائل التّعليم الحديثة في المدارس؛ كالتّلفزيون التّعليميّ الذي كان في مُقدّمة الوسائل التي تشترك في تجسيد اللُّغة وتقريبها وإيصالها أو نقلها عن طريق الحواس المُتعدّدة بشرط أن تتوافر المادّة التّعليميّة النّافعة والتّخطيط السّليم في العرض والتّوجيه السّديد في الاستخدام؛ لئلا تتحوّل هذه الإثارات إلى وسيلة ترفيه بحتة، وأدوات لتمضية الوقت.
5- الاعتماد في تعليم العربيّة على المُمارسة والمُحاكاة والإكثار من التّدريب الذي يُساعد التّلاميذ على اكتساب المهارة اللّغويّة، واستعمال اللّغة استعمالاً صحيحاً بغير تكلّف(37).
كما يدعو الباحث الدكتور صالح بلعيد إلى تقديم العربيَّة إلى أفريقيا في صورتها الكليَّة المُستوعبة للوعاء الحضاريّ، والاستثمار الحقيقيّ في وسائل التَّواصل الرَّقميّ المُعاصر، وإلى تأسيس مُنظّمة عربية تهتمّ بمظاهر الاستعراب، وتعتني بقضايا العربيّة في كلّ العالم؛ وبخاصّة أفريقيا، ويكون لها فروع في القارة الأفريقيّة؛ لإعادة ربط التّواصل العربيّ الأفريقيّ والاهتمام بالتّنميّة البشريّة، ويؤكد كذلك على ضرورة دعم المشاريع الأفريقيّة التي تعود بالنّفع على اللّغة العربيّة؛ كإنشاء المجلات والمنشورات والصّحف والفضائيات الموضوعاتيّة التي تعمل على نشر العربيّة وثقافتها، والعمل على حُسن توظيف الفُرص التي يُتيحها عصر العولمة من تكثيف في التَّواصل والأخذ والعطاء بين الثَّقافات، والسّرعة في نشر المعلومات، وشيوع الوسائل التّكنولوجيّة، ودعم اللّغات الإفريقيّة الكبرى القريبة من العربيَّة، كالسّواحليَّة، والهوسا، والصُّوماليَّة.
وبالنسبة إلى طرائق الاستثمار في اللُّغة العربيّة تساءل الدكتور صالح بلعيد: كيف نستثمر في اللّغة العربيّة؟ وأشار إلى عدة قنوات يُمكن الاستثمار فيها، ومن بينها قناة الاستثمار في السياحة، ويرى أنه يجب وضع استراتيجيّة سياحيّة لغوية ترمي إلى النّهوض باللُّغة العربيّة، وتمكينها في القطاع السّياحي، ويقترح أن يم وضع سياسة لغويّة سياحيّة واضحة على الصّعيد العربي، وإصدار القرار السّياسي اللازم لتطبيق هذه السّياسة وفق تصوّرات نظريّة وتطبيقيّة، وأن بتم توفير منظومة قانونية تُلزم استعمال اللّغة العربيّة في المجالات السّياحيّة ومُطالبة الشّركات الفندقيّة العالميّة العاملة في البلاد العربيّة بوجوب التّعامل بالعربيّة أولاً، ثمّ باللّغات الأجنبيّة، وإعداد معجم عربي جامع لكلّ المُصطلحات السّياحيّة على غرار معاجم اللّغات الأجنبية الأخرى؛ بحيث يشمل تعريب الألفاظ، والأسماء؛ والمعاني، والمفاهيم والأمثلة، والنّماذج، والرّؤى، والحوارات حتى يمكن استثماره بفعاليّة في التّنميّة اللّغويّة، ويستوعب كلّ الموضوعات المُتداولة في الفنادق والمطاعن ووكالات السّفر والإرشاد السّياحي، وفي المطارات والقطارات والأسواق، مع ضرورة استحداث مُصطلحات سياحيّة عربيّة في كلّ ما يتعلّق بالخدمات السّياحيّة(شراب، إيواء، نقل، مشتريات…)، وترجمة المراجع الأجنبيّة المُتخصّصة بالفكر السّياحي إلى اللّغة العربيّة، وذلك لما للتّرجمّة من إغناء وإثراء للغتنا ومعارفنا وثقافتنا، وتسهيل الاطلاع على ما أنتجه الفكر البشري دون الحاجة إلى إتقان اللّغات الأجنبيّة التي كتبت بها، وفتح آفاق البحث الّغوي الخاصّ بالسّياحة، ولاسيما في الجوانب التّطبيقيّة والوظيفيّة(38).
ينفتح كتاب:« السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة» على مجموعة من القضايا التي فرضتها الاحتفاءات العالمية باللُّغات؛ حيث جعل الباحث الدكتور صالح بلعيد المجال الثالث للحديث عن الأعياد العالميّة للّغات وماله علاقة، وتحدث بعمق عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، واللّغة العربية وتكنولوجيا التّحوّل الرّقميّ؛ ويعتقد أن السّبيل الأقرب إلى ردم الفجوة الرّ
قميّة يكون من خلال الخروج من التّبعيّة اللغويّة، ويكون من خلال استعمالها وتمكينها في العلوم، ولابد من تدريس العلوم بها وفيها؛ لمُواجهة هذا الاتّساع، ومُسايرة ركب الحضارة والمُستجدات العلميّة والفكريّة بالعربيّة، والعرب يحتاجون أكثر من أيّ وقت إلى التّماهي في الرّقمنة، بملامح التّنميّة البشريّة المُستديمة مُمثلة في الجوانب الاقتصاديّة والتّكنولوجيّة والابتكار، وعماد هذا كلّه تمكين المُجتمع العربيّ من اكتساب المعارف العلميّة واستثمارها بالعربيّة، ويقترح المؤلف أن يتمّ إنشاء المُؤسّسة العربيّة للمُحتوى الرّقميّ، وتكون هذه المُؤسّسة قيمة مُضافة تدعيميّة لمُؤسّسات جامعة الدّول العربيّة، ومُهمّتها اقتراح برامج عمل للتّغيير التّكنولوجيّ وتجسيد مشاريع كبرى في الرّقمنة، وإنشاء المُدوّنة اللّغويّة العربيّة، وتجدر الإشارة إلى أن من أبرز التعريفات التي نجدها عن المحتوى الرقمي العربي؛ هو كل محتوى مطروح بشكل رقمي على الانترنت أو على أقراص مدمجة، أو أقراص الفيديو، أو غيرها باللغة العربية، ويتضمن مواقع الانترنت والخدمات الإلكترونية، والبوابات، و المحتوى السمعي والمرئي باللغة العربية، والبرمجيات المعربة، وقواعد البيانات، ومحركات البحث، وغيرها.
وفي الجزائر؛ عمل المجلس الأعلى للُّغة العربيّة على تجسيد الرّقمنة على مستوى منشوراته بصورة كاملة، وهي في سبع شبكات عالمية؛ يُمكن قراءتها وتحميلها بالمجان، والرّقمنة أصبحت قيمة متزايدة لمؤسسات المعلومات على اختلاف أنواعها، ويعتقد الباحث الدكتور صالح بلعيد أن رسم سياسّة لغويّة تربويّة جديدة؛ تعمل على فكّ الأسر والسّماح للعربيّة بالازدهار يقتضي سدّ الفجوات التالية:
1-سدّ فجوة المحتوى الرّقميّ العربيّ.
2-العمل على توطين العلم باللُّغة العربيّة.
3-تعزيز الدّراسات في مجال هندسة اللّغات.
4-تكثيف الجهود في مجالّ المعاجم الحاسوبيّة.
5-تكثيف الأعمال العلميّة في المحتوى الرّقميّ.
6-إنتاج برمجيات ومحلّلات صرفيّة ونحويّة ذكيّة للمعالجة الآلية.
7-التّوسّع في استخدام ذخائر النّصوص المحوسبّة.
ناقش الدكتور صالح بلعيد في قسم خاص قضايا ترتبط بالتّعريب بين واجب العُلماء واهتمام الدّول، وقد أشاد المؤلف بالتجربة السورية في الوطن العربي؛ التي يدعو إلى الإفادة منها، حيث نجده يقول: « ويكفينا كلّ الفخر أنّ تجربة التّعريب في سورية جبّارة، فكانت في البدء تجربة، وأصبحت مشروعاً كبيراً لقيادة الوطن العربيّ بما أولته للعربيّة من مكانة، فأنعِم بها من مشروع فذ، على أنّ هذا لا يتعارض ووجوب التّضلّع من اللّغات الأجنبيّة تدعيماً للتعمّق العلميّ والفكريّ على الصّعيد العالميّ، وكلّ هذا يستدعي منّا وضع تصوّر مبنيّ على دواع لغويّة وتربويّة واقتصاديّة واجتماعيّة فضلاً عن المُبّرر الدّينيّ»(39).
وقد أشار الدكتور صالح بلعيد إلى الاستفتاء الذي أنجزه مكتب تنسيق التعريب في سنة:1966م، وقد أظهر الاستفتاء اتّفاقاً على ضرورة وأهميّة التّعريب، مع رفع الأسباب المُعوّقة لإنجاز مشروع التّعريب، وهي: غياب القرار السّياسي المُلزم على المُستوى الجماعي للدّول العربيّة، وضعف التّنسيق بين المُؤسّسات التي تتحمّل مسؤوليات التّعريب ومُؤسّسات التّعليم العالي والإعلام والثّقافة، وهناك نوع من عدم الثّقة لدى بعض القيادات والمُثقفين وبعض أساتذة الجامعات، في قدرات وإمكانية اللّغة العربيّة لاستيعاب العلوم الحديثة، وتأخّر المجامع في إعداد وإخراج المعاجم اللّغويّة والتّاريخيّة والعلمية التّخصّصيّة المُعاصرة والمُتّسقة مع حركة وسرعة المُستجدات العلميّة والثقافية وتقنيات المعلومات، وتأخّر وضع المُصطلحات وإقرارها، وما يصحبها من اختلاف وخلافات، وطول الإجراءات التي تمُرّ بها عمليات وضع المُصطلح وإقراره من قبل الجهات المعنيّة، وعدم وضع خُطط مُتكاملة ومنهجية للتّعريب، وتحديد أجهزة أو مُؤسّسة في كلّ دولة عربيّة تكون مسؤولة عن التّعريب، ومُرتبطة بمكتب تنسيق التّعريب، وقد تساءل الدكتور صالح بلعيد: ما هي العلاقة بين التّعريب والتّنميّة؟ وقد حصر إسهامات التّعريب في التّنميّة المُستديمة في أن التّعريب يُؤدّي إلى وحدة فكريّة، وذلك يُسهم في وحدة ثقافيّة للأمَّة العربيّة ومنحها شخصيّة مُتميّزة وكياناً غير قابل للذّوبان، والتّعريب يربط ربطاً ثقافياً وعملياً ماضي الأمّة وحاضرها ومُستقبلها، وييُسّر لها الاستفادة من تراثها الحضاريّ الهائل، ويمنحها نديّة للحضارات البشريّة الأخرى، ويُكسبها الاحترام العالميّ، والتّعريب يؤدّي إلى استيعاب العلم، ويُساعد على محو الأميّة العلميّة، وهذا شرط للثّورة العلميّة الصّناعية التّكنولوجيّة، بما يُوفّـر من كوادر بشرية مُؤهّلة، والتّعريب يؤدّي إلى مُجتمع مُتعلّم مثقّف، يُقدّر دور العلم، ويكون القاعدة الأساسيّة لمُجتمع صناعيّ مُتقدّم قادر على المُنافسة العالميّة، كما يرفع التّعريب من مُستويات التّعليم الجامعيّ والبحث العلميّ، ويُسهم في رفد اللّغة العربيّة، ولغات الشعوب الإسلاميّة بالمُصطلحات العلميّة والتّقنية(40)، ويُعيد للّغة العربيّة مجدها وانفتاحها على اللّغات الأخرى، ويُقوّي الرّوابط العلميّة والثّقافيّة بين الشّعوب الإسلاميّة، والتّعريب يُسهم في توفير أموال طائلة تُنفق على استيراد الكتب الأجنبيّة الغاليّة الثّمن، ويُؤدّي إلى تكنولوجيا عربيّة مُتقدّمة في الطّباعة، وإخراج الكتب والنّشر وتوسيع آفاق الثّقافة والمعرفة.
خاتمة:
إن كتاب: « السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة» للباحث وعالم اللّسانيات الأستاذ الدكتور صالح بلعيد، يُعدُّ دراسة جادة وثمينة، تُعبِّر عن اجتهاد بحثي نوعي في ميدان السّياسةُ اللُّغـويّةُ والتّخطيط اللُّغويّ في الوطن العربي؛ حيث إن الكتاب يبني تصورات شاملة عن اللُّغة العربية والتخطيط اللُّغوي تتسم بالتميُّز والجدية والعمق، ويُقدم المؤلف معالجات معرفيّة تستحق الدراسة والبحث والتأمل في مجال التّخطيط اللُّغويّ في الوطن العربي؛ الذي يقتضي سنّ سياسة لغويّة وفق المنهجيات والمرجعيات الوطنيّة والحضاريّة والتّاريخيّة لكل دولة، ويفرض إقرار سياسة لغويّة واضحة المعالم والأهداف، ومن ورائها سياسة تربويّة يقع فيها الرّبط بين الأمل والطموح.
وهناك قضايا كثيرة جداً ومُهمة توقف معها الباحث الأستاذ الدكتور صالح بلعيد بالمُدارسة والتحليل في هذا الكتاب المُتسم بالكثافة المعرفية العميقة؛ والذي هو مثال على كتاباته المتأخرة التي يُحاول فيها نشر رؤيته الخاصة التي تتصل بالسياسة اللُّغويّة، ومن بين القضايا التي عالجها بدراية ووعي وعُمق: سوق اللُّغات، وكيف نستثمر في اللُّغة العربية؟، ونماذج من التجارب اللّغويّة الناجحة، والتّعريب بين واجب العُلماء واهتمام الدّول، والعربيّة بين التّجاذبات والمضايقات، ولغة الأمّة: استثمار في الذكاء الاصطناعي، واللّغة العربيّة والتّواصل الحضاري، وعبقريّة اللّغة العربيّة، وواقع النّشر العلمي باللّغة العربيّة في المجلات الدّوليّة الرّصينة، والتّعريب بين واجب العُلماء واهتمام الدول، وتاريخ العلوم باللُّغة العربيّة، واللّغة العربيّة قيمة حضارية، ولا شك في أن هذا الكتاب من خلال مجالاته الواسعة ومضامينه الشائقة؛ يفتح آفاقاً واسعة جداً لدارسي السياسة اللُّغويّة في الوطن العربي، ولا ريب في أن هذا السفر الذي تقارب صفحاته الخمسمائة صفحة سيصبح بلا شك مرجعاً مُهماً للباحثين في هذا الميدان.
الهوامش:
([1])د.صالح بلعيد: دروس في اللسانيات التطبيقية ،منشورات دار هومة للطباعة والنشر، ط:03، الجزائر،2000 م، ص:91.
(2)د.صالح بلعيد: محاضرات في قضايا اللُّغة العربية، منشورات دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر،1999م، ص:277.
(3)عبد اللطيف الفاربي وآخرون: معجم علوم التربية: مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، منشورات دار الخطابي للنشر، سلسلة علوم التربية(9-10)، ص:268.
(4) د.عبد المجيد مزيان: مفهوم الأمن الثقافي العربي بين الواقع والتصور، مجلة الثقافة، مجلة تصدر ها وزارة الثقافة بالجزائر، العدد:76، رمضان-شوال1403هـ/يوليو-أغسطس1983م، ص:12.
(5) توصف اللغة بأنها :« كيان عام يضم النشاط اللغوي الإنساني في صورة ثقافية منطوقة،أو مكتوبة، معاصرة، أو متوارثة،باختصار: كل ما يُمكن أن يدخل في نطاق النشاط اللغوي من رمز صوتي،أو كتابي،أو إشارة ،أو اصطلاح».
(6) للمجتمع تعريفات كثيرة جداً، فهو يتشكل من مجموعة من الأفراد الذين يقطنون بقعة جغرافية معينة، ومحددة من الناحية السياسية، ومعترف بها، ولها«مجموعة من العادات،والتقاليد، والمقاييس، والقيم، والأحكام الاجتماعية، والأهداف المشتركة، والمتبادلة التي أساسها الدين، واللغة، والتاريخ، والعنصر، والمجتمع هو جميع العلاقات بين الأفراد، وهم في حال تفاعل مع منظمات، وجمعيات لها أحكام، وأسس معينة، وهو الشبكة المعقدة من العلاقات الاجتماعية التي قام الإنسان بتنظيمها، ورسم معالمها، وهو مجموعة من الأفراد تكون في حال اتصال دائم، ولها أهداف، ومصالح مشتركة، ومتبادلة، وهو كل جماعة، أو عدد غير محدود من الناس تربط بعضهم علاقات دائمة، أو إلى أمد غير محدود، وهو كذلك كل جماعة مؤلفة من أفراد بينهم رابطة نفسية ».ينظر: د.صلاح الدين شروخ: علم الاجتماع التربوي، منشورات دار العلوم للنشر والتوزيع، عنابة، الجزائر، 2004م، ص:110 وما بعدها.
(7) يجمع الدارسون على أن اللسانيات هي الدراسة العلمية للغة البشرية، وهي تركز أبحاثها على اللغة، وتتخذها موضوعاً رئيساً لها، وتنظر إليها على اعتبار أنها غاية وليست وسيلة، وقد اشتهرت دعوة سوسير إلى دراسة اللغة لذاتها وفي ذاتها، وهذا ما اعتبره العديد من الدارسين فتحاً علمياً جديداً.
(8)علم الاجتماع هو الدراسة العلمية للبنية الاجتماعية، والتي تتكون من المؤسسات الاجتماعية، والجماعات، فالمؤسسات الاجتماعية،مثل: النقابة، والنادي، والشركة، وفريق كرة القدم، وغيرها، أما الجماعات فيُمكن أن تكون جماعات رسمية، مثل:النقابات، أو غير رسمية، مثل: مجموعة من الأصدقاء، أو الجيران، أو الأسرة، أو عصبة من المراهقين، ولا يختلف اثنان في أن المؤسسات الاجتماعية لا توجد دون جماعات، بيد أن الجماعات يُمكن أن توجد دون وجود المؤسسات الرسمية الخاصة. يُنظر: د.خير الله عصار:مبادئ علم النفس الاجتماعي،منشورات ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1984م، ص:12.
(9)تنطلق اللسانيات الاجتماعية من التأكيد على أن المشكلات اللغوية تتصل اتصالاً وثيقا بالمشكلات الاجتماعية، ولذلك هناك من يضم علم اللغة إلى العلوم الاجتماعية، فوجود اللغة هو من وجود المجتمع، فهي مؤسسة اجتماعية، وتأسيسها يرجع إلى المجتمع، والإنسان، ووظيفة اللغة التخاطب، والتواصل، وإقامة الصلات مع الجهات الاجتماعية، وهناك تداخل بين اللسانيات، وعلم الاجتماع، ولذلك تركز اللسانيات الاجتماعية على تأثيرات اللغة في المجتمع، وتأثيرات المجتمع في اللغة من خلال جملة من القضايا، وثمة دراسات كثيرة تندرج في إطار علم اللغة الاجتماعي، وتسلط الضوء على الخصائص الكلية للاتصال الإنساني، ومن ذلك:بنية الحديث، والمحادثة، ودور اللغة في المجتمع لم يعد يقتصر على علماء اللغة،وعلماء الاجتماع فقط، بل تناوله كذلك علماء النفس،وقد أعطى علماء اللغة اللسانيات الاجتماعية الدور الأكبر لاكتشاف جملة من القوانين الاجتماعية التي تنهض على تحديد سلوك المجموعات اللغوية التي تستعمل لغة محددة. ينظر: د.صادق يوسف الدباس: دراسات في علم اللغة الحديث، منشورات دار أسامة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، ط:01، 2012م، ص:157-158. ود.غازي مختار طليمات:في علم اللغة، منشورات مكتبة دار طلاس، دمشق، سوريا، 1997م، ص:23.
(10)د.عبد العلي الودغيري: لُغة الأُمّة ولُغة الأُمّ عن واقع اللّغة العربيّة في بيئتها الاجتماعيّة والثقافيّة، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،2014 م، ص:4.
(11)د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، منشورات مطبعة زاد تي تي للنشر والتوزيع، الجزائر، 2023م، ص:14.
(12) د.صالح بلعيد: رأي في تخطيط لغويّ للمُواطنة اللغويّة،كلمة أعدت بمناسبة اليوم العالمي للعيش معاً بسلام(16مايو من كل سنة)، وقد احتفى المجلس الأعلى للغة العربية بهذه المناسبة بعقد ندوة علمية بعنوان: (المواطنة اللغوية ودورها في تعزيز سبل التّعايش السلمي بين اللغات الوطنية في الجزائر)،وذلك بالمكتبة الوطنية الجزائرية،في:26-27جوان2019م،ص:01.
(13) د.صالح بلعيد: رأي في تخطيط لغويّ للمُواطنة اللغويّة، المرجع نفسه، ص:02.
(14)المرجع نفسه، والصفحة نفسها.
(15 المرجع نفسه، ص:4.
(16) المرجع نفسه،ص:5 وما بعدها.
(17)د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، منشورات مطبعة زاد تي تي للنشر والتوزيع، الجزائر، 2023م، ص:8.
(18)د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، منشورات مطبعة زاد تي تي للنشر والتوزيع، الجزائر، 2023م، ص:13 وما بعدها.
(19)د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، ص:13.
(20)د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، ص:27.
(21) يرى عدد كبير من المتخصصين في مجال الثقافة والحضارة أن هناك جملة من المغالطات التي تقع بين المفهومين، فهناك الكثير من الدارسين الذين يخلطون بين مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة، حيث يذكر في هذا الصدد الباحث سيد غدريس هاني أن الحضارات هي هويات ثقافية في التقليد الأنثروبولوجي الأمريكي، وهم نادراً ما يُفرقون بين الثقافة والحضارة، وقد اعتادوا في الترجمات ذات الأصول الأمريكية أن يترجموا الثقافة بالحضارة، والحضارة واحدة والثقافات متعددة. (ينظر: د.أحمد طالب الإبراهيمي : الإسلام والغرب كتاب العربي العدد:49، منشورات وزارة الإعلام بدولة الكويت يوليو2002م، ص : 116).
(22)د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، ص:25.
(23)د.صالح بلعيد: المرجع نفسه، ص:26.
(24)المرجع نفسه، ص:26.
(25)المرجع نفسه، ص:31.
(26)المرجع نفسه، ص:32.
(27)المرجع نفسه، ص:33.
(28)المرجع نفسه، ص:35 وما بعدها.
(29)د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، ص:38.
(30)د.صالح بلعيد: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.
(31)المرجع نفسه، ص:39.
(32)المرجع نفسه، ص:65.
(33)المرجع نفسه، ص:69.
(34)المرجع نفسه، ص:88.
(35)د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، ص:96 وما بعدها.
(36)د.صالح بلعيد: المرجع نفسه، ص:102 وما بعدها.
(37)المرجع نفسه، ص:103.
(38)المرجع نفسه، ص:135.
(39)د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، ص:295.
(40)د.صالح بلعيد: المرجع نفسه، ص:295.
قائمة المراجع:
المصدر: د.صالح بلعيد: السّياسةُ اللُّغـويّةُ وموقعُ لـغـة الأمّـة، منشورات مطبعة زاد تي تي للنشر والتوزيع، الجزائر، 2023م.
أ-الكتب والمعاجم:
1-(بلعيد) صالح: دروس في اللسانيات التطبيقية، منشورات دار هومة للطباعة والنشر، ط:03، الجزائر،2000 م.
2-(بلعيد) صالح: محاضرات في قضايا اللُّغة العربية، منشورات دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر،1999م.
3-(جبرون)أمحمد: انشقاق الهُويّة: جدل الهُويّة ولغة التعليم في المغرب الأقصى من منظور تاريخي، دراسة منشورة في كتاب: اللُّغة والهُويّة في الوطن العربي: إشكاليات تاريخية وثقافية وسياسية، منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط:01، الدوحة، قطر،2013م.
4-(الجزائري) محمد بن عبد الكريم: الثقافة ومآسي رجالها، شركة الشهاب للنشر والتوزيع، الجزائر (د.ت).
5-(الجندي) أنور: اللغة العربية بين حماتها وخصومها، منشورات موسوعة معالم الأدب العربي، والمكتبة الأنجلو المصرية (د،ط)، القاهرة، 1965م.
6-(جوزيف) جون: اللُّغة والهُويّة: قومية إثنية دينية، ترجمة: عبد النور خراقي، منشورات عالم المعرفة، سلسلة كتب ثقافية شهرية يُصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، العدد:342،رجب1428هـ/أغسطس2007م.
7-(حمدان)نذير : بحوث في الغزو الفكري :المجالات-المواقف( اللغة العربية)، منشورات دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، المملكة العربية السعودية، ومؤسسة علوم القرآن، بيروت، لبنان، ط:01، 1410هـ/1990م.
8-(الدباس) صادق يوسف: دراسات في علم اللغة الحديث، منشورات دار أسامة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، ط:01، 2012م.
9-(زرارقة) فيروز مامي وحكيمة عدال: الاغتراب اللغوي في الوطن العربي بين المرجعية الدينية وعصر المعلوماتية، دراسة منشورة ضمن كتاب:الأنساق اللغوية والسياقات الثقافية في تعليم اللغة العربية، أعمال المؤتمر الدولي الأول لتعليم العربية بالجامعة الأردنية:22-24/4/2014م، مج:02، منشورات دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، ومركز اللغات بالجامعة الأردنية، عمّان، الأردن، 2014 م.
10-(شروخ) صلاح الدين: علم الاجتماع التربوي، منشورات دار العلوم للنشر والتوزيع، عنابة، الجزائر، 2004م.
11-(طليمات) غازي مختار: في علم اللغة، منشورات مكتبة دار طلاس، دمشق، سوريا، 1997م.
12-(عصار) خير الله: مبادئ علم النفس الاجتماعي، منشورات ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1984م.
13-(الفاربي)عبد اللطيف: معجم علوم التربية: مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، منشورات دار الخطابي للنشر، سلسلة علوم التربية(9-10)، د، ت.
14-(معين) حمزة وعمر بزري: العرب وتحدّيات التحوّل نحو المعرفة والابتكار، منشورات مؤسسة الفكر العربي، بيروت،لبنان،2020م
15-(هنتنجتون) صمويل: صراع الحضارات..إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة: طلعت الشايب، ط2، 1999م.
16-(الودغيري) عبد العلي: لُغة الأُمّة ولُغة الأُمّ عن واقع اللّغة العربيّة في بيئتها الاجتماعيّة والثقافيّة، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2014 م.
ب-المجلات وأعمال الندوات:
1-(بدوح)حسن: هُوية اللُّغة…لغة الهوية-في الخلفيات الثقافية للغة العربية-،مجلة الرافد، مجلة شهرية ثقافية جامعة تصدر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة،الإمارات العربية المتحدة،العدد:224،جمادى الآخر/رجب1437هـ،ابريل2016م.
2-(بغورة) الزواوي : الهوية والعنف في الخطاب الثقافي الجزائري، مجلة العربي،مجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت،العدد:599،شوال1429هـ/أكتوبر2008م.
3-(بلعيد) صالح: رأي في تخطيط لغويّ للمُواطنة اللغويّة،كلمة أعدت بمناسبة اليوم العالمي للعيش معاً بسلام(16مايو من كل سنة)،وقد احتفى المجلس الأعلى للغة العربية بهذه المناسبة بعقد ندوة علمية بعنوان: (المواطنة اللغوية ودورها في تعزيز سبل التّعايش السلمي بين اللغات الوطنية في الجزائر)،وذلك بالمكتبة الوطنية الجزائرية،في:26-27جوان2019م،ص:01.
4-(بن رمضان) صالح :اللغة العربية :نحو أي مستقبل؟، مجلة جذور،مجلة فصلية تصدر عن النادي الأدبي الثقافي بجدة بالمملكة العربية السعودية،العدد:21،مج:9،رجب1426هـ،سبتمبر2005م.
5- خالد(أحمد): تحديات العولمة ورهانات الثقافة، محاضرة قدمت في المؤتمر الدولي السادس الذي نظمته جمعية بيروت التراث أيام 8-10 ديسمبر 2003، و جمعت أعمال المؤتمر في كتاب : بعنوان التراث و المعاصرة و حوار الثقافات.
6-خطة عمل حول دور الثقافة في الحفاظ على الهويّة العربية:فلسطين نموذجاً، والتي اعتمدتها الدورة(14) لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي بصنعاء(الجمهورية اليمنية)،سنة:2004م، منشورة في المجلة العربية للثقافة،مجلة تصدر عن المنظمة العربية للتربية،والثقافة والعلوم(إدارة الثقافة)،تونس،العدد:54،مارس2009م.
7-(الربيع) محمد بن الرحمن: اللغة العربية و تأثيرها في لغات الشعوب الإسلامية ، مجلة الحرس الوطني،مجلة عسكرية ثقافية شهرية تصدر عن وزارة الحرس الوطني السعودي بالرياض في المملكة العربية السعودية،العدد:364،ربيع الأول1438هـ-ديسمبر2016م.
8- (السوداني)حسين :لماذا عمّرت العربية ومات غيرها؟، مجلة العربي، العدد:710، ربيع الآخر1439هـ-يناير2018م.
9-(الشهاوي) صلاح عبد الستار : لغة الضاد…حضارية علمية عالمية، مجلة الحرس الوطني ،العدد:357، ذو الحجة1436هـ-سبتمبر2015م.
10-(العسكري)سليمان إبراهيم: العربفونية في زمن العولمة، مجلة العربي، العدد:613، محرم1431هـ-ديسمبر2009م.
11-(العسكري)سليمان إبراهيم :لغتنا وتحديات الثقافة المعاصرة، مجلة العربي، مجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت،العدد:656،شعبان1443هـ/يوليو2013م.
12-(عيد)محمد عبد الباسط: الثقافة..التراث والهوية-مقاربة ظاهراتية-، مجلة الرافد،مجلة شهرية ثقافية تصدر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة،الإمارات العربية المتحدة،العدد:216،شوال1436هـ/أغسطس2015م.
13 – (مزيان) عبد المجيد: مفهوم الأمن الثقافي العربي بين الواقع والتصور، مجلة الثقافة، مجلة تصدر ها وزارة الثقافة بالجزائر، العدد:76، رمضان-شوال1403هـ/يوليو-أغسطس1983م.
14-(نويوات)مختار: اللغة العربية واستيعاب الثقافات، مجلة اللغة العربية، مجلة نصف سنوية محكمة تصدر عن المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر، العدد:06، 2002م
15-(الهرش)عايد حمدان سليمان :الحاسوب وتعلم اللغة العربية،مجلة العلوم الإنسانية، مجلة تصدر عن جامعة منتوري بقسنطينة،الجزائر،العدد:12، ديسمبر1999م.
16-(اليعقوبي)علي يوسف: اللغة العربية الكونية أو الفناء، مجلة بونة للبحوث والدراسات، الجزائر، العدد المزدوج: 25/26، ربيع الثاني1437هـ/يناير-جانفي 2016م.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية