تنقسم غالبا تشكلات الحوادث الابداعية في الشعر حاليا ، خاصة في قصيدة النثر ، الىٰ تشكلين رئيسيين اولهما تشكل تتأسس فيه الحادثة الشعرية خارج اللغة في الواقع ذاته ومن ثم يصار الىٰ تصديرها او ترحيلها بالاحرىٰ الىٰ اللغة حيث تتعالق هناك وكائنات الالفاظ والمعاني وتأخذ صيغتها الفنية التجنيسية . التي قد تكون مجرد صيغة لغوية تقريرية وثائقية او تسجيلية عن التجربة الواقعية غير وثيقة العلاقة مصيريا بالابداع وانزياحاته .
وثانيهما قد يتشكل صيغة فنية تضيف الىٰ التجربة الواقعية طاقات اللغة التأثيرية من موسيقىٰ وصور ومجاز بغية تأجيج بودقة ابداعية خلاقة من التحام الواقع ذاته بوعي الشاعر تستكشف وتكرس ما وراء الجوانب الثلاثة التجربة واللغة ووعي الشاعر من حقائق جوهرية فلسفية او تاريخية او سياسية او نفسية او اجتماعية او غيرها ، ربما ، متفرقة او مجتمعة في تعالقية ابتداعية يجوز الاصطلاح عليها بالتعبيرية اشارة الىٰ تعالق فني ابتداعي مكثف عكس الجانب الاول غير الابتداعي بطبيعة الحال .
ولقد اظهرت الشاعرة المميزة السيدة رجاء الغانمي في ( للرحيل .. ارث ونعش ) مقدرة تلقائية في تخطي التقريرية تماما و مزاولة النهج الفني التعبيري برتب عالية التراكب والملاقحة الخلاقين بين التجربة الوجدانية _ الواقعية واللغة التصويرية المجازية ووعي التاريخ بخاصة ونظرات في الفلسفة والنفس وبعض المدركات السياسية بعامة .
والاكثر أهمية من ذلك بتصوري ، رغم قيمته العالية ، انها من جهة موازية تقريبا انطلقت من اللغة ذاتها في غير قليل من العقد الصورية ضاغطة بمقدرة ابتداعية مميزة علىٰ ضرورة ايجاد الحادثة الانزياحية الشعرية الجوهرية في صميم الاداة التي لا تتوقف عند حدود الحدث التعبيري بقدر ما تتمدد او ترتقي الىٰ الحدث الرؤيوي ” عالما واقعيا معادلا ” قائما بذاته يتصف ناطقيا بكامل صفات الكائن البشري الحي من شعور ولاشعور وطاقة باعثة خلاقة اعتبارية ووجودية وكأن اللغة ، باحتهاد السيدة الغانمي ، وهي تتصير شعرا في عقدة النص هذا ” تعادل الحياة ” الانسانية موضوعيا توافقا منها مع تعبير الشاعر الكبير تي . اس . اليوت .
مع ابلغ التثمين .
للرحيلِ
إرثُ نعش…
وكم انحنيتُ
لألتقط بقايا عمري،
فلم أجدْ سوى سرابٍ.
نعشُ أبي فارغٌ، يا إخوتي.
مَن ارتهن؟
ومَن باع؟
ذاك الإرثُ القديمُ مِلكي.
ذاتَ مرّةٍ
خلعتُ قُرطي—
هديةَ الولادة—
فضاع.
كلُّ الزوايا تكذب،
حتى خزانةُ أمي.
حولَ معصمي
يدورُ الوقتُ
شتاتًا،
لا مُقبِلًا
لا منصرفًا،
لا يتذكّرُ ملامحَ الساقية.
وإن هدأتِ الريحُ شمالًا،
فمَن يوقظُ الجنوب؟
سيري، أيتها الشمس،
وحدّثيني عن نجمةٍ بَعُدَت.
أنا للرحيل
أمسيةٌ قمريةٌ
ذابت منذُ أوّلِ لحنٍ.
وكأنّ ما نكتبه اليوم
تمحوهُ ذاكرةُ الغد.
في الغد
نصحو…
ونغدو
شواهدَ
دونَ أثر….
رجاء الغانمي
العراق
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية