قراءة نقدية لقصة مالم يمت للقاصة عائشة ابو ليل/بقلم:نضال الخليل

قبل أن تقرأ “ما لم يمت”  لعائشة أبو ليل تذكر أن الحرب هنا لا تهدم الجدران فحسب لكنها تضغط على الإنسان ذاته

يوسف ليس طفلًا هو بقايا الإنسان حين يُسلب كل شيء: البيت، الطفولة، اللغة، المعرفة

الدمية والكتاب امتداد لوجوده والركام ليس خلفية بل جسد يثقل صدره والمدينة صمت يضغط على قلبه القصة تجربة في مقاومة الزوال حيث الإبقاء على الأشياء الصغيرة والكلمات والذكريات يصبح فعل وجودي والصمت ذاته صرخة تقول:

  • نحن هنا… وما لم يمت يستمر

 

 

عائشة أبو ليل – ما لا يموت

جلس يوسف بين الركام، والمدينة تتنفس فوقه بصوت ثقيل كصدر مثقل بالألم . في يده اليمنى دمية قماش مهترئة، وفي اليسرى كتاب مدرسي أكلت أطرافه النار. ضمّهما إلى صدره كما لو كان يحمي آخر ما تبقّى من عالم يتهاوى. الهواء مشبع برائحة الغبار والرصاص المحترق، وصوت الطائرات يقطع الصمت كصفير يتردد بين الجدران المثقوبة

لم يعد هناك بيت، ولا نافذة تطل على البحر. الأب ترك معطفه معلّقًا قبل أن يغيب، والأم رحلت مع الجدار الأخير حين سقط. بقي يوسف وحده، يتنفس غبارًا ممزوجًا بملح البحر ورائحة الإسمنت المحترق، كل نفس يوقظه إلى واقع مرّ . شعور الفقد اختلط بخوفه، لكنه أحس بقوة غريبة تدفعه للمضي .
أغمض عينيه قليلًا، وحين فتحهما لمح زهرة حمراء صغيرة تشقّ الخراب. اقترب هامسًا: «هل أنتِ معي؟». لم تتحرك، لكن داخله سمع صوتًا خافتًا: «أنا هنا… لا تخف». ارتجف قلبه، لكنه شعر بأن الحياة ما زالت تنبض في الأماكن الصامتة

كان أحمد، المصوّر الصحفي، يزحف بين الأنقاض، كاميرته تتدلّى على صدره كقلب إضافي، يلتقط الحياة في لحظات الموت. لمح يوسف جالسًا، يعانق دميته وكتابه، فابتسم وقال بصوت واهن: «تمسّك بهما». لم تكتمل الكلمة؛ انفجار قريب هز الأرض، ارتجّت الحجارة وسقطت على جانبه، واستقرت الكاميرا على حجر، عدستها شاخصة نحو السماء المفتوحة، كأنها تراقب الكون بعين ثابتة.
يوسف لم يصرخ. فقط ضمّ دميته بقوة، وفتح كتابه على صفحة نصفها متفحّم. وسط السواد كانت هناك جملة مكتوبة بخط غريب: «سنعود». لم يعرف من كتبها — أبوه، البحر، أم الكتاب نفسه. لكنه شعر أن الكلمات تضيء قلبه مثل نجوم بعيدة، كأنها نبضات حياة صغيرة لا يمكن للقصف أن يمحوها.
الليل هبط ببطء، والظلال تسلّقت الجدران المثقوبة. تخيّل يوسف الأطفال الغائبين يلعبون بينها. رفع دميته عاليًا كأنها تلوّح لهم. التفت إلى الزهرة، فرأى بتلاتها ترتجف تحت الريح، لكنها لم تنحنِ، صامدة وسط الدمار.
جلس على حافة الركام، وغاص في أفكاره: «هل سأمشي وحدي؟ هل من يسمع صمتي؟». كانت الدمية تنظر إليه بصمت، والكتاب مفتوح أمامه، وكأنهما صديقان صامدان في وجه الخراب. بدأ يحكي لهما، بصوت داخلي، كل ما شعر به: الخوف، الوحدة، الحزن، والأمل.
مع الفجر، حين خف هدير الطائرات، خرج بخطوات حذرة. في يد دميته، وفي الأخرى كتابه، وعلى ظهره معطف أبيه. مر بالكاميرا التي تركها أحمد، رفعها قليلًا، ثم أعادها إلى مكانها، كأنها شاهد صامتاً لا يجوز نقله. كل خطوة كانت ثقيلة، وصدى الركام تحت قدميه كقلب ينبض ببطء.
وصل إلى الشاطئ. البحر مظلم، والأفق محاصر بسفن غريبة. جلس على الرمل، الكتاب فوق ركبتيه، والدمية بين ذراعيه. البحر كان يهمس كقصيدة ناقصة، لكنه هذه المرة شعر أنه يفهمها. تلاعبت الأمواج بأصابع الرمال، تجرح، تمسح، وتعيد البناء، تمامًا كما كان يحاول هو.
همس: «سأمشي… سأمشي معكِ». لم يكن يخاطب أحدًا بعينه؛ ربما الدمية، ربما الكتاب، ربما الزهرة التي تركها خلفه. وربما الحياة نفسها التي لم تمت بعد، رغم كل شيء. تذكر صوت أحمد، والضحك الذي بقي في الهواء قبل الانفجار، وعد الصمت الذي ظل شاهدًا.
جلس قليلًا، وأخذ نفسًا عميقًا، يشعر بكل الريح على وجهه، بكل الأمواج التي تتلاطم. ثم نهض، وحمل أشياءه الثلاثة كوصايا صغيرة، ومضى يمشي بين الركام. لم يعرف إن كان هو من يحملها، أم أنها هي التي تحمله. كل خطوة كانت تقول بصوت لا يُسمع: «نحن هنا… وسنظل هنا». كل خطوة كانت تضيف لحظة حياة جديدة وسط الخراب ، وكلما تقدّم، شعر بأن صمته يروي حكاية أكبر من ذاته، حكاية وطن لم يزل ينتظر العودة.
وهكذا، ظل يمشي، والسماء تتفتح تدريجيًا، والبحر يهمس، والركام يتنفس، والدنيا كلها تراقبه بصمت .

 

 

ما لم يمت مقاومة اللغة قبل مقاومة الحدث

ليست هذه قصة لكنها بقايا صوت نجا من سقوط اللغة ما كُتب هنا لا يقيم في الحكاية بل في الشق الذي خلفته الحكاية حين مرت الحرب ونسيت أن تغلق فمها

يوسف لا يُقدم بوصفه طفلًا بل بوصفه ما تبقى من تعريف الإنسان بعد أن خسر الأسماء والبيت والجهة.

الركام ليس خلفية بل جسد يتنفس فوق الجسد

المدينة لا تُدمر لكنها تُصاب بربو حجري وتجلس على صدر طفلها كما لو أنها أم فقدت القدرة على الفكاك

هنا المكان لا يرمز لكن يضغط وهذا الضغط هو السياسة وقد تخلت عن خطابها وصارت فيزيولوجيا

الدمية والكتاب لا يُمسكان باليد لكنهما يُمسكان بالوجود – الدمية ليست طفولة هي ذاكرة الطفولة حين تُطرد من الزمن

والكتاب ليس معرفة هو محاولة يائسة لترميم المعنى من أطراف محترقة

بينهما يوسف ليس حاملًا لهما لكنه محمول بهما كما يُحمل الجرح بجلده لا بضماده

هذا نص مقاومة لأنه يرفض أن يتكلم لغة المقاومة لا يرفع راية لكنه يرفع أشياء صغيرة تربك القتل:  لعبة … صفحة …  معطف …

المقاومة هنا ليست فعل مواجهة هي فعل إبقاء .. إبقاء ما كان يجب أن يُمحى… إبقاء ما لا فائدة عسكرية منه لكنه يربك فكرة الإبادة ذاتها

الزهرة التي تشق الركام ليست استعارة أمل لكنها خطأ في حساب الموت هي الحياة حين تنبت دون إذن حين تقول «أنا هنا» بلا جمهور هذه الجملة — «أنا هنا» — هي جوهر النص وهي جوهر أدب المقاومة حين يفقد صوته العالي ويكتشف أن الهمس أطول عمرًا

أحمد المصور لا يموت بقدر ما يُسحب جسده من المشهد وتترك عينه الكاميرا التي تبقى شاخصة نحو السماء ليست أداة توثيق لكنها شاهدًا يتيمًا

حين يُقتل من يرى تستمر الرؤية هذه ليست مفارقة فنية لكنها  بيان وجودي:

  • الشهادة لا تحتاج صاحبها حيًا

الجملة المحترقة في الكتاب — «سنعود» — لا تُقرأ كوعد لكن كأثر كتابة بلا يد – من كتبها؟ لا يهم  لأن العودة هنا ليست حركة هي عناد لغوي ضد الإغلاق

النص لا يؤمن بالعودة كحدث لكن كقدرة الجملة على البقاء مقروءة بعد الحريق.

البحر المحاصر لا يمنح خلاصًا هو قصيدة ناقصة لأن الوزن يُقصف قبل اكتماله

هكذا يفعل النص بأدب المقاومة نفسه: يجرده من صورته المطمئنة ويتركه معلقًا بين موج وسفينة غريبة، بين معنى لم يكتمل وحصار يعرف طريقه جيدًا

سؤال يوسف:

  • «هل من يسمع صمتي؟»

ليس سؤال طفل هو سؤال وطن حين تُصادر لغته… الصمت هنا ليس عجزًا لكنه فائض معنى لم يجد قناة… النص كله محاولة لإسكان هذا الصمت في كلمات لا تفضحه

في المشي الأخير لا يهرب يوسف ولا يتقدم هو يستمر فقط والاستمرار في هذا السياق هو أقصى أشكال المقاومة

لا يعرف إن كان يحمل الأشياء أم أنها تحمله لأن الإنسان في هذا النص لم يعد مركز العالم بل أحد توابعه الجريحة

«ما لم يمت» نص ينتمي إلى أدب المقاومة لأنه يعرف أن ما يُقاوم ليس العدو فقط بل فكرة الزوال نفسها  إنه نص يقول دون أن يصرح ودون أن يرفع صوته:

  • نحن هنا

وهذا كافٍ كي يفشل الموت

 

 

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!