كتب د. شعبان عبد الجيِّد- قراءةٌ تحليليةٌ في رواية (عصا مقديشو)

لآفاق حرة

 

 

 

الحُلْمُ الإفريقيُّ بين الواقعِ والمثال:

قراءةٌ تحليليةٌ في رواية (عصا مقديشو)

للأديب الإرتري هاشم محمود

بقلم: د. شعبان عبد الجيِّد

شاعرٌ وناقدٌ وأكاديميٌّ من مصر

 

 

في أكثر ما قرأتُه من روايات الأستاذ هاشم محمود، وقد تناولتُ بعضَها بالدراسة والبحث، يوشك البطلُ أن يكون هو الكاتب نفسُه؛ وكأن الرواية عنده (شبه ترجمة ذاتية) لصاحبها؛ فهي إن لم تكن تصويرًا مباشرًا لحوادث حياته الخارجية، فإنها صورةٌ فنية لأصداء أفكاره ومشاعره. وإن كانت كلُّها تحمل هَمَّه الإفريقيَّ وحُلمَه الإنسانيَّ على حدٍّ سواء. وحين انتهيت من قراءة رواية (عصا مقديشو)، عاودتني مسألة العلاقة بين المؤلف والبطل، أو العلاقة بين الكاتب والسارد، هل هما شخصٌ واحدٌ كالشيءِ وظلِّه؟ أم أنهما شخصان مختلفان ولا علاقة لأحدهما بصاحبه؟!

  • بين الكاتب والسارد:

يفرِّق النقادُ تفريقًا واضحًا بين الكاتب والسارد، أو المؤلف والراوي، فالكاتب هو الشخص الحقيقي الذي يعيش بيننا لحمًا ودمًا، ونعرفه ونخالطه، له حياته الخاصة المستقلة، وآراؤه في العالم والحياة، وهو الذي يكتب الرواية أو القصة.

أمَّا الساردُ، أو الراوي، فهو شخصية متخيَّلة داخل النص فحسب، إنه الصوت أو القناع الذي يستخدمه الكاتبُ ليحكي لنا الأحداث وينظِّمَها. السارد ليس هو الكاتب على كل حال، بل هو مجرد أداة فنية تساعدُ على سردِ القصة، فالكاتب هو الذي يؤلف الرواية، ولكن السارد هو من يحكيها لنا ، ومن هنا قد تأتي آراء السارد مختلفةً كثيرًا عن آراء الكاتب.

وإذا كان الكاتب هو العقل المبدع خلف الستار، فإن الساردَ هو الصوت الذي نسمعه داخل القصة، وهذا ما يجعلنا لا نستطيع محاسبة الكاتب على ما يقوله السارد أو ما تفعله الشخصيات؛ لأن ذلك كله، فنيًّا، من عالم الخيال.

ورغم هذا كله، فإن هناك ما يوحي بأن سارد رواية (عصا مقديشو) ليس منفصلًا تمامًا عن كاتبها، وإن لم يكن هو بطبيعة الحال. ولعل البطل نفسه يمثل في تجربته وآرائه وأمنياته، صورةً تكاد تكون معادلًا فنيًّا لتجربة المؤلف وما يتمناه من خير وتقدمٍ، لأهل وطنه وأبناء قارته.

وأزعم أن قوة هذه الرواية تكمنُ في: مزجها بين السرد الواقعي والرمز. قدرتها على تحويل تجربة شخصية إلى خطاب إنساني عام. انتقالها من الحكي إلى بناء رؤية حضارية. إن (عصا مقديشو) ليست مجرد رواية عن الحرب أو الغربة، بل هي: رحلة من الانكسار إلى الوعي، ومن الحلم إلى الفعل. إنها نصٌّ يؤسس لفكرة أن: المعاناة يمكن أن تتحول إلى مشروع، وأن الإنسان، مهما تهشّم، قادرٌ على أن يكون له «عصاه» التي يعبر بها نحو مستقبلٍ أرحب.

 

  • ملخص أحداث الرواية:

ولا أريد أن أصادر رأي القارئ، أو أتعجل في الحكم على الرواية، قبل أن أعرض في وجازةٍ، أرجو أن تكون وافيةً، لمجمل أحداثها وأبرز مضامينها، وإن كان هذا لا يغني بداهةً عن قراءتها كُلًّا؛ لمتابعة تفاصيلها والمتعة بأسلوبها:

  • الفصل الأول:

يبدأ الفصل الأولُ بمشهدٍ حزينٍ ينفتحُ على صرخةٍ مكتومةٍ تتفجّر في بيتٍ يختنق كما تختنق ساكنته؛ عجوزٌ أنهكها دخان الحرب وغبار المعارك، وتعلّق بها شاب وفتاة كمن يتشبث بآخر خيطٍ من حياةٍ تتلاشى. تُنقل إلى مشفى يغصّ بالأنين، حيث المرضى يتكدسون كأجسادٍ مؤجلة الرحيل، ولا جهاز يسعفُ جسدًا يذوي، أو يُنقذ نفسًا توشك أن تنطفئ.

وسط هذا العجز، تبرز طبيبةٌ شابة، مدينةٌ في علمها للحاج صالح، ابن العجوز التي تصارع الموت، والذي تكفل بنفقة دراستها حين علم بتفوقها رغم فقرها؛  كان قد آمن يومًا أن إنقاذ إنسانة هو إنقاذ لوطن. تهبّ لردّ الجميل، فتجوب تحت وابل الرصاص بحثًا عن جهاز تنفس، حتى تعثر عليه كغنيمةٍ من موتٍ سابق. تعود مسرعة، وتنجح لحظةً في انتزاع العجوز من حافة الغياب، لكن الحرب تمدّ يدها الخفية؛ ينقطع التيار، وينطفئ الأمل، وتُسلب الحياة مرةً أخرى.

يتحوّل موت العجوز إلى ما هو أبعد من فاجعةٍ عائلية؛ يصبح رمزًا لانهيار وطنٍ بأسره. في البهو الضيق، تتكاثف الدموع والوجوه المرتجفة، وكأن الجميع يشيّع زمنًا كاملًا لا جسدًا فقط. تقف الطبيبة مثقلةً بعجزها، مدركة أن الخلل ليس في يدها بل في بلدٍ تتداعى أركانه، بينما يقف صالح صامتًا، يشهد كيف ابتلع الظلام شمعةً غاليةً أشعلها بسنواتٍ من الإيمان.

هكذا ينتهي المشهد المأساوي على صورة وطنٍ يحتضر: عجوزٌ سقطت كعمود خيمة، ومشفى يئنّ كقلبٍ مكسور، وناسٌ يواجهون العراء بلا سند، كأن الحياة نفسها صارت معركةً خاسرة أمام قسوة الحرب.

بعد ذلك، وفي منتصف الفصل الأول تقريبًا، نجد أنفسنا في مكانٍ آخر، بل في عالمٍ آخر؛ وننتقل من مقديشو إلى نيويورك، حيث تواجهنا سيرةٌ داخليةٌ لروحٍ عالقة بين عالمين؛ عالمٍ أمريكيٍّ باردٍ سريعٍ لا يلتفت، وآخر صومالي جريحٍ يئنّ بالجسد لكنه حيّ بالروح. في سنوات المنفى الأمريكي، يكتشف الراوي أن الغربة ليست مكانًا بل شعورًا خانقًا، حيث يتحول الإنسان إلى رقم، وتُقاس قيمته بما يُنتج لا بما يشعر، فتذبل داخله أشياء كثيرة وهو يمشي في شوارع لامعة بلا روح، بين وجوهٍ تبتسم ببرود ولا تُنصت لشكوى البشر.

وفي المقابل، يظل الوطن، برغم الحرب والموت، حيًّا في الذاكرة، صادق الألم، واضح المعنى، يمنح الإنسان إحساس الانتماء حتى لو كان انتماءً إلى جرح. تتجلى المفارقة بين عالمٍ يتحدث بلغة السوق والأموال، وآخر يتكلم بلغة الفقد والإنسان.

وسط هذا التمزق، تتشكل ملامح الطفولة المهاجرة: صمتٌ في المدارس، وذكريات حربٍ لا يفهمها الآخرون، وأبٌ يذبل تحت وطأة الغربة، وأمٌّ تحاول أن تنسج دفئًا من بقايا الوطن. في هذا المناخ، ينمو شعورٌ بأن المنفى ليس خارجيًا فقط، بل إنه يسكن الداخل أيضًا.

غير أن الرواية، أو الراوي إذا شئت، لا تستسلم لليأس؛ إذ ينبثق من قلب الألم حلمٌ رمزيّ، “عصا” خفية يحملها طفل اسمه موسى، تمثل الإيمان والقدرة على التغيير. بهذه العصا المتخيلة، يرى مستقبلًا مختلفًا للصومال وإفريقيا قارةً تنهض بالعلم والتكنولوجيا، تستثمر خيراتها، وتصنع مجدها بيد أبنائها.

هكذا يتحول الحلم من خيال طفل إلى مشروع حياة، ومن عزلةٍ صامتة إلى إرادةٍ تقاوم، لنتأكد  أن الإيمان العميق، لا الواقع القاسي، هو ما يصنع الطريق، وأن من قلب الغربة قد تولد بداية العودة.

  • الفصلُ الثاني:

وفيه ينتقل بنا السرد إلى حياة الغربة في نيويورك، حيث تعيش أسرة (صالح) بين الأمل والاغتراب.تظهر معاناة المهاجرين الأفارقة في حي بروكلين، حيث تتجاور القصص: فقدٌ، فقر، وأحلام مؤجلة. يدور حوار عميق حول الهوية، الخوف، ومستقبل الأبناء بين ثقافتين، في محاولة للتوازن بين البقاء في الغربة والحفاظ على الجذور. “في الحي  الذي يتواجد فيه منزلُنا الصغير كثير من القصص غير المرئية، فلم يكن مجرد مبانٍ متلاصقة وشوارع ضيقة، بل كان وجوه باكية بائسة، كل وجه يحمل تاريخًا، وكل تاريخ يحمل جرحًا، كنت أحيانًا أشعر أن الحي كله يبكي بصمت، لكن أحدًا من الأميركيين المارين لم يكن يسمع ذلك البكاء …. في هذا الحي أعيش في عالمين، عالم المهاجرين، الذي يحمل الدفء رغم الألم، والذي يعرف معنى أن مشاركة الفرح والدموع وكل ما تملك، وعالم الأمريكيين الذي يمضي سريعًا بلا التفات، حيث لا وقت للعواطف ولا مكان للقصص الفردية”. الغربة هنا ليست مكانًا، بل شعورًا دائمًا بالاقتلاع. وإن كان صوت أبيه (صالح) يأتي مليئًا بالعزم لينفي هذا الشهور، ويؤكد أن الصومال في قلوبنا، لكن المستقبل هنا، الآن، يجب أن نزرع جذورنا في هذه الأرض، ليس لننساها، بل لنقوي أنفسنا، حتى إذا جاء اليوم الذي يمكننا فيه أن نقدم شيئًا لوطننا الأم، نكون أقوى وأقدر”.

  • الفصل الثالث:

وفيه يُسلَّط الضوء على شخصية «إدوارد»، العجوز الأمريكي المخيف في نظر الطفل موسى الذي يقول عنه إن “ملامحه تسكنها قسوةٌ باردة، عيناه تقدحان بنظرةٍ مرعبة، يصوبها ناحيتي فترتعد أوصالي، وأشعر برغبةٍ في الركض…. لم يعطني أدوارد سوى الخوف، أتململ في فراشي ليلا منكمشًا ومذعورًا، إذ إنه سيأتيني كل ليلة مثل شبح مخيف بأنياب طويلة وعينين تسيل منهما دمعات من الدم، وحين أصرخ بصوت عالٍ، لا يسمعني أحد في المنزل”. ويعيش موسى صراع الخوف منه، قبل أن يكشف الأب صالح أن قسوته نتاج ماضٍ حربي ثقيل. يتحوّل الخوف تدريجيًا إلى فهمٍ إنساني: فإدوارد ليس وحشًا، بل هو إنسانٌ محطَّمٌ من الحرب. ” يقولون إن إدوارد عندما كان شابًّا يافعًا، شارك في حرب فيتنام، وقبيل ذهابه إلى هناك، لم يكن بهذا السوء الخلقي ولا الصلابة التي يعرفها عنه الناس، عرفتُ ذلك فيما بعد السنة الأولى بعد الهجرة إلى أمريكا، كان ودودًا إلى حد ما، يبتسم لتحية الجيران، ولا يقطب جبينه في وجه الأطفال ويرعبهم بعبوسه وغِلظته”، ولكنها الحرب، وأصعب الحروب هي تلك التي لا يراها أحد. إن هذا الفصلَ يرسم انتقالًا من الرهبة إلى التعاطف، ومن الحكم إلى الفهم.

  • الفصل الرابع:

وفيه تتعمق تجربة موسى في المجتمع الأمريكي: العزلة، الشعور بعدم الانتماء، والاختلاف الثقافي. يحاول فهم عالم لا يصغي لقصته، بينما يحمل داخله ذاكرة الحرب. تظهر شخصية «إيميلي» كجسر إنساني بين عالمين، رغم اختلاف التجربة. تقرأ عينيه، وتصغي إليه، وتعاطف معه، فيصارحها بأنه “مكبَّلٌ بين عالمين ؛ عالم الحرب الذي لا يبرحني رغم رحيله عني، وعالم الغرب البارد الذي لم يمنحني دفئًا ولا معنى. لستُ أمريكيًّا يا إيميلي، ولم أكن كذلك يومًا، ولا صوماليًّا كما كنت في السابق؛ انا مزيجٌ مضطربٌ منهما، أو ربما لستُ أيًّا منهما، ما زلت أعيش غربةً داخلية؛ غربة الروح والوطن. أشعر بنُدبةٍ غائرةٍ في أعماقي، رُسِمَت كوشمٍ أبدي”. في هذا الفصل أيضًا يتبين لموسى الوجه الآخر لإيميلي؛ فهي ليست الفتاة الأمريكية الطائشة التي تقضي ايامها في اللهو والعربدة؛ ” –        البعض يتصور أنني أقضي حياتي بين مساحيق التجميل والتريض والإيقاع بالمعجبين فقط، لا يا سيد موسى، أنا أقرأ الكتب جيدًا، وأقتني موسوعات في علوم الطبيعة والطب والاجتماع والتاريخ، وأقرأ كذلك الروايات من مختلف أنحاء العالم، لقد علمني أدوارد في سن مبكرة أن الأمريكيين لا بد أن يقرأوا العالم ليتمكنوا من السيطرة عليه”.

  • الفصل الخامس:

وفيه تتطور العلاقة مع إيميلي، ويظهر بُعدُها الإنساني المضطرب نتيجة أسرة مفككة وعنف داخلي. تتلاقى معاناة المهاجر مع معاناة الإنسان الغربي من نوع آخر، فيكشف السرد أن الألم ليس حكرًا على ثقافة. كما يظهر “ديفيد” مثالًا للشاب الأمريكي الغني المتغطرس الذي يرى أنه يستطيع بماله وجاهه ووسامته أن يستولي على أي فتاة، حتى لو كانت إيميلي التي لا تحبه ولا تهتم به؛ لقد “كان لديفيد أعينٌ كثيرة تجمع له أخبار شباب الطبقة الراقية في نيويورك كلها، ينقلون إليه نبضات القلوب وما يجول في الخواطر، وكان لديه أيضا عناصر ماهرة في التسلل إلى عواطف الفتيات، واستقطاب الفتيات الجميلات إلى شلته ليتباهى بأنه الامبراطور الوحيد في نيويورك”. ويبرز أيضًا نموذج «عثمان» كشخصية قوية تدافع عن الكرامة والعدالة، خاصة في مواجهة العنصرية. ويلخصها هذا المشهد القصير الذي تظهر فيه عنجهية ديفيد وازدراؤه للأفارقة حين حاول عثمان بشهامته وشجاعته وبنيته القوية أن يدافع عن إيميلي: ” ضحك ديفيد ضحكة عالية، مجوفة: “ومن أنت أيها الإفريقي التافه لتقف في طريقي؟” قال ديفيد، واقترب خطوة، وتابع بتهكم: “عد إلى غابتك، هذا ليس مكانك، لا تتدخل في شؤون الكبار، أيها الأفريقي بلا وزن.” كانت كلماته كسهام مسمومة، تهدف إلى النيل من كرامة عثمان.

لم يرمش عثمان، ولم تهتز فيه شعرةٌ واحدة. ظل واقفًا كالصخر، عيناه مثبتتان على ديفيد، ثم تحرك، لم يكن تحركًا عنيفًا، بل كان أشبه بانفجار صامت للطاقة المكبوتة. قبضته طارت، ضربت ديفيد في الفك بقوة لم يتوقعها، سقط ديفيد على الأرض، أنفه ينزف، وعيناه مدهوشتان”.

  • الفصل السادس:

ويأتي الفصل السادس الذي يتبلور فيه الوعي لدى موسى: الإيمان بالكرامة الإنسانية، ورفض الظلم، والإيمان بأن التغيير ممكن. تتحول التجارب المؤلمة إلى دافع داخلي، وتبدأ ملامح الحلم الكبير بالتشكل. وفي هذا الفصل أيضًا سوف يعترف موسى لإيميلي بتفاصيل حبه الأوللا لعائشة بنت الجيران التي تصغره بعامين، وهو حبٌّ طاهرٌ بريء، لم تلوثه شهوةٌ جامحة ولا نظرة مريبة، “عرفت الحب مبكرًا، لكنني لم يستطع شيطانه غوايتي، سأفوز بمن أحب في إطار الزواج الشرعي، وجريا على عادات وطني… كنتُ أرقبها بين الفتيات الصغيرات، وأطير بأحلامي بعيدًا حيث نكبر ونتزوج.”. وحين قاطعته إيميلي:

  • وهل أغلقت قلبك طوال هذه السنوات على حب طفلة صغيرة؟

قال لها:

– هي التي أغلقت على قلبي حبها

– وهل لا تزال الفاتنة الصغيرة تنتظرك حتى الآن؟

– لم تعد تنتظر شيئًا

– ماذا حدث؟

– كان فيما يبدو أن أصوات القذائف قد هدأت، لم نذهب للزيارة، ذهبنا للعزاء، أصابت رصاصة قلبي، سكت حديث عائشة أمام جبروت الحرب، لم أعد أرقُبُها ولا أنظر إليها.

  • الفصل السابع:

ويمكننا أن نسميه (حُلم العصا)، يعود السرد إلى عهد الطفولة في مقديشيو، حيث يحلم (موسى) بعصا سحرية تشبه عصا موسى. إنها كما وصفتها الرواية: “عصا من خشب السنط الإفريقي، تتوهج بلون الزمرد؛ لم تكن عصا للقتال، بل للبناء”، ولم تكن كما جاء في الفصل الأول “مجرد عصا في يد طفلٍ حالم، بل كانت رمزًا متوهجًا للإرادة المتفوقة على اليأس، والصوت الداخلي الأعلى من البارود”. وهي بهذا ترمز العصا إلى الإرادة والإيمان، لا إلى المعجزة الخارقة. في الحلم، يرى مستقبلًا تكنولوجيًا مزدهرًا لإفريقيا، قائمًا على استثمار الموارد وبناء المعرفة. هذا الحلم يصبح بذرة مشروع حياته.

وفي هذا الفصل تبدلت نظرة موسى نحو إدوارد، “لم أعد أرى الجندي الصارم الذي يطاردني في كوابيسي.. رأيت رجلًا عجوزًا، منهكًا، لكن في عينيه ومضة من الإنسانية لم أكتشفها إلا في هذه اللحظة الأخيرة.. اختفى الخوف.. حلّ مكانه شعور غريب، شعور بالاتصال”.

ولم يفت (موسى) قبل أن يعود إلى وطنه، أن يذكر لنا الدرس الكبير الذي تعلمه وهو في نيويورك: ” الغربة علمتني أن الحياة ليست في ناطحات السحاب ولا في الشوارع المنظمة، الحياة في أن تجد من يسمعك، من يراك، من يشعر بك وأمريكا بكل عظمتها، لم ترني يومًا كما أنا، بل رأت فيّ مجرد غريب”.

  • الفصل الثامن:

ويمكننا أن نعتبره مرحلة (العودة والوعي) يعود البطل إلى الوطن بعد الغربة، فيجد المكان نفسه لكن الأرواح تغيّرت. “لم يكن الوطن كما تركناه، الأزقة نفسها، لكن الأرواح تغيّرت، الوجوه مألوفة، لكن الزمن رسم عليها تجاعيد الغياب، أقف في منتصف الطريق، وفي قلبي ذاكرة مزدوجة بين رصاص الحرب القديمة، وبرودة الغربة التي لا تنطفئ، لم أعد أعرف: هل عدت حقًا إلى بيتي، أم سأواصل الاغتراب ولكن بوجهٍ آخر؟

لكني لا أنكر أن في العودة شيء يشبه الشفاء، هنا الهواء والأرض التي عرفت وقع خطواتنا، كأنها كانت تنتظرنا حتى وإن كانت الجراح ما زالت تنزف، لكن الوطن منحنا دفئًا لم نَجدْه هناك”.

إن العودة ليست نهاية الغربة، بل بداية مواجهة الذات والواقع. رغم الجراح، يشعر بدفء الانتماء، وكأن الوطن ينادي أبناءه للبدء من جديد.

لم تكن عودة عائلة صالح مجرد عودة أفراد، بل كانت عودةً لروحٍ وطنية، لثقةٍ بأن مقديشو ستنهض من رمادها، أجمل وأقوى، وأن أبناءها سيعوضون سنوات الاغتراب بحياةٍ كريمة ومستقبلٍ مشرق.

وهذا ما أكَّده موسى حين قال: “حين عدتُ مع أسرتي إلى هنا، ظننتُ أنني سأشعر بالغربة من جديد، لكن المفارقة أني شعرتُ بالعكس، نعم الحرب تلتهم الشوارع، والدم يلطّخ الأرصفة، والفقر ينهش كل بيت، لكن كل هذا كان يشبهني، هنا على الأقل، الألم ليس غريبًا عني، بل يسكنني كما يسكن الآخرين.

مشهد العجوز المسجّى أمامي لم يكن غريبًا؛ كان صدى لشيءٍ قديم في داخلي، شعرتُ أن موتها لم يكن موتها وحدها، بل موت شيء فيّ أنا أيضًا، لكن في الوقت ذاته، كان بعثًا من جديد، كان تذكيرًا بأن الوطن وإن كان ينهار، فلا يزال يستحق أن نصرخ لأجله، أن نقاتل كي لا يسقط العمود الأخير.

  • الفصل التاسع:

أمَّا في الفصل التاسع، فتبدأ مرحلة العمل الفعلي: لقاء مجموعة من الشباب الأفارقة الذين يجمعهم حلم مشترك. فتتشكل بجهودهم وطموحهم «العصبة المتحدة» كمشروع نهضوي يسعى لبناء مستقبل تكنولوجي للقارة السمراء.

وقبل أن يكمل موسى ورفاقه تعليمهم الجامعي في كلية علوم الحاسوب، يفكرون في أن يؤسسوا عصبة إفريقية متحدة، تكون نقطة انطلاقها الصومال، قلب القرن الإفريقي، “ومن هناك سنُطلق شركتنا العالمية، شركة تترجم أحلامنا إلى واقع، تُصنع التكنولوجيا، وتُصدرها إلى العالم…. “سنُشجع العقول الإفريقية على العودة،” قال حسن بثقة: “سنَخلق بيئة عمل جاذبة، تُوفر لهم فرصًا للابتكار والتطور، سنُثبت لهم أن أرضهم هي المكان الأنسب لتحقيق أحلامهم، بل وسنُعقد شراكات مع جامعاتنا، ونُدرب الأجيال القادمة”.

  • الفصل العاشر:

وفيه ينتقل المؤلفُ بالأحداث من طور الحلم إلى طور التحقق؛ حيث ينهض موسى من رماد الغربة ليؤسس مشروعه في قلب مقديشو، مستندًا إلى إيمانٍ عميقٍ بأن النهضة لا تُستورَد، بل تُصنَع من الداخل.

إن البطل هنا يعود بعد سنوات الدراسة والتشرد بين المنافي، لا بوصفه لاجئًا، بل حاملًا رؤية؛ فيؤسس شركة “العصبة المتحدة لتكنولوجيا الاتصالات”، التي لا تبدو في ظاهرها إلا مشروعًا صغيرًا، لكنها في جوهرها بذرة مشروع حضاري كبير، يتجاوز حدود الربح إلى إعادة بناء الوطن. ومعه نبيل وحسن وشامي، من الخرطوم وأسمرا وجيبوتي، لكن وجهتهم واحدة، وقلوبهم تحدها غاية مشتركة. لم يكن سهلًا أن يجدوا قطعة الأرض التي سيقيمون عليها الشركة، ولا أن يدبروا التمويل المالي اللازم لها، لكنهم فكروا وخططوا، وتواصلوا مع إخوان لهم في أمريكا، لم يكونوا أقلَّ منهم حماسة للمشروع أو حبًّا للوطن؛ فمدُّوا لهم يد العون: المادي والتقني، ولم يبخلوا عليهم بشيءٍ من خبرتهم وإمكاناتهم. فتحوا باب التوظيف أمام الشباب الإفريقي،”وتدفقت طلبات التقديم من أنحاء القارة، شباب وشابات مُفعمون بالحماس، يُحلمون بفرصة للمساهمة في نهضة قارتهم”.

ثم كانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحدٌ وسط هذا الزخم حين وصل (طلب توظيف) من إيميلي، ابنة إدوارد، وصديقة موسى في نيويورك، في رسالة تحدثت فيها عن “إيمانها بقدرة إفريقيا على الابتكار، وعن رغبتها في أن تكون جزءًا من هذا التحول”. ولم تكن رسالة إيميلي مجرد طلب للعمل؛ بل كانت دعوة لاستعادة جزء من ذاته، تركه وراءه في زحام نيويورك، والآن يعود ليطرق باب مقديشو.

وحين وصلت بعد الموافقة على طلبها قالت لموسى ورفاقه: “أنا أؤمن أن لديكم الكثير لنتعلمه من بعضنا البعض.. أتطلع للعمل معكم جميعًا”. وكانت إيميلي جادة وصادقة فيما تقول، وسوف نعرف فيما بعد أنها استخدمت دبلوماسيتها في بناء علاقة قوية تُركز على تبادل الأفكار، وتأسيس تحالف استراتيجي يُجسد رؤية العصبة المتحدة لنهضة إفريقيا وفتح آفاق لم تكن في الحسبان.

لعل في هذا رمزًا إلى انتصار إفريقيا الأصيلة الطيبة، على أمريكا الإمبريالية الرأسمالية، وإشارة إلى ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بينهما؛ حيث لا غطرسة ولا استبداد، ولكن محبة وتآخٍ وتعاون مشترك؛ فإذا كان لدي أمريكا ما يمكن أن تساهم به من علم وخبرة؛ فإن لدى إفريقيا ما تقدمه من ثروات طبيعية، وإمكانات تقنية، وطاقات بشرية

تتجلى في هذا الفصل روح التحدي والإصرار، فمقديشو – رغم جراحها – لم تعد مجرد مدينة مهدّمة، بل فضاءً للأمل الممكن. البطل لا ينخدع بالمظاهر، ولا يسعى إلى الأبراج الزجاجية، بل يؤمن بأن العمل الصادق هو الذي يمنح الوجود معناه. كما يظهر البعد الجماعي للحلم؛ إذ تتشكل “العصبة المتحدة” من طاقات شابة مؤمنة بالتغيير، أنهت دراستها وتحررت من قيود التعليم النظري لتبدأ مسيرة الفعل. إنه انتقال من زمن التلقي إلى زمن المبادرة، ومن الحلم الفردي إلى المشروع الجماعي.

  • الفصل الحادي عشر:

يأتي هذا الفصل ليوسّع أفق الحلم، ويُدخله في شبكة الواقع وتعقيداته، حيث يدرك موسى أن المشروع الفردي لا يكفي، وأن النهضة تحتاج إلى شراكات كبرى. يتجه نظره إلى شركة هرمود للاتصالات، لا بوصفها منافسًا، بل ككيان وطني متجذر في المجتمع، يمتلك خبرة وتأثيرًا واسعًا. هنا تتبدل الرؤية من عقلية الصراع إلى عقلية التكامل. يكتشف البطل أن التنمية ليست مجرد فكرة تقنية، بل نسيج اجتماعي متكامل، وأن المؤسسات الناجحة هي التي تنخرط في حياة الناس، لا تلك التي تعيش بمعزل عنهم. فـ”هرمود” ليست مجرد شركة، بل شريان حي في جسد المجتمع الصومالي. وهذا ما جعل عثمان يقول وعيناه تلمعان وهو يحتضن موسى: لقد فعلناها يا رفاق! هذا هو الإرث الحقيقي، ليس المال أو الشهرة، بل القدرة على إحداث الفارق في حياة الناس.

بقيت بعد ذلك أسئلةٌ حائرة، سوف تتكفل الأيام بالإجابة عنها: هل يجمع الحب بين موسى وإيميلي؟ هل تتزوج الرأسمالية من الطبقة الفقيرة؟ وهل يجتمع الأبيض مع الأسمر تحت سقف منزل واحد؟ هل تتزوج الفتاة منه، وهي تكبره بهذه السنوات؟ وهل يحتمل ماضيَها، الذي يعلمه جيدًا؟هل يغفر لها الماضي ويتناساه، ويعتبره مجرد طيش فتاة لم تجد من يحتويها، ومن يأخذ بيدها كي تحيا حياة هادئة ومستقرة؟

إن موسى هو سندها ورفيقها الأصغر منها سنًّا، ومع مرور الوقت، أصبحت علاقتهما أشبه بعلاقة أخ وأخت، فيها المساندة والود والضحك البسيط الذي يخفف قسوة الغربة. لكن حضور نبيل، صديق موسى، ألقى بظلال جديدة على حياتها، فكان أكثر وضوحًا وجرأة، وهذا ما لاحظه صديقهم الثالث شامي، فلم يتردد نبيل في التعبير عن مشاعره تجاهها، لم يكتفِ بالاقتراب منها فقط، بل أسرع يطلب يدها للزواج، واضعًا أمامها وعدًا بالاستقرار والحياة المشتركة. ووجدت إيميلي نفسها منجذبةً إلى صدقه ودفء قلبه، فاختارت أن تمنحه فرصة، لتبدأ فصلًا جديدًا في حياتها.

فرح موسى لسعادتها، ولم يستطع أن يمنع نفسه من لحظة تساؤل داخلي: لماذا لم يفكر فيها من قبل كزوجة محتملة؟ سؤال قصير لكنه أثقل قلبه بالدهشة، ومع ذلك ابتسم بهدوء وقال لنفسه إن ما يجمعه بإيميلي أعمق من مجرد رغبة عابرة، إنها رابطة الأخوة التي تبقى صافية ودائمة، لا تتأثر بالزمن ولا بالاختيارات.

وهكذا نجد موسى في آخر الرواية، يتحول من طفلٍ يحمل عصاه الوهمية، إلى شابٍ يحمل رؤية أمة، تتداخل أصوات الحرب القديمة، بأصوات الأمل الجديدة، تتجلى مفاهيم البركة والتدخل الإلهي كقوة خفية تدفع الأرواح وتُعلي الهمم. حلم العصا السحرية لم يكن مجرد خيال طفولي عابر، بل كان قنديلاً من البركة، يضيء ظلمة اليأس.

وكما جاء في آخر سطور الرواية: كانت “هذه الرؤية المتوهجة بالخير، التي تغذيها الروحانية الصميمة، هي التي منحت العصا قوتها الغامضة، ليست سحرًا يُقلب الحجر ذهبًا، بل سحر الإصرار على رؤية النور في أشد الظلمات، سحر الإيمان بأن الصومال وأفريقيا محكوم عليهما بالازدهار، حتى لو كانت الطرق وعرة. هذه القوة الروحية هي التي دفعت صاحب العصا، ليواصل الرحلة، ليحمل الحلم في الحل والترحال،  وإن كان قد همس لعصاه منذ توكأ عليها في خطواته الأولى: أنه لن يرحل.. لن يرحل أبدًا”.

***

  • تعليقٌ عام:

يخلص من يقرأ رواية «عصا مقديشو» إلى أنها تنتمي إلى السرد الذي يمزج بين التجربة الذاتية والهمّ الجمعي، وهو ما نكاد نجده في كل روايات هاشم محمود، وتتحرك في فضاء تتقاطع فيه (الذاكرة/والمنفى/والحلم النهضوي). ويمكن مقاربتها أدبيًا عبر عدة مستويات:

  • أولًا: البنية السردية:

تقوم الرواية على بنية دائرية متصاعدة: تبدأ بـ”الموت والانهيار”؛ (موت العجوز/رمز الوطن). وتنتقل إلى الغربة والتشظي النفسي. ثم تعود إلى الحلم والتأسيس. هذه الحركة تمنح النص طابعًا تحويليًا: من السقوط إلى الإمكان، ومن العجز إلى الفعل. كما تعتمد الرواية على تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) Flash Back، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، فتغدو الذاكرة عنصرًا بنيويًا لا مجرد خلفية فنية.

ولعل هذا يضيء لنا الطريق للكشف عن (الخطة السردية) التي تتأسس في الرواية على مسار تحولي واضح يمكن تمثيله وفق منطق السرد الكلاسيكي (حالة توازن ← اختلال ← سعي ← تحقق جزئي). وضعية البداية (التوازن الهش)، حياة تقليدية في وطن مضطرب، تحمل بذور القلق والانهيار. لحظة الاختلال؛ تتجسد في مشاهد الموت والحرب، وما تخلقه من فقدٍ وانكسار، يدفع الشخصيات إلى الهجرة.

ثم تأتي مرحلة السعي والتحول، في فضاء الغربة، حيث يتشكل الوعي، وتُطرح الأسئلة الكبرى حول الهوية والكرامة والمعنى. ثم لحظة الوعي والانبثاق: عودة البطل إلى الوطن، واكتشاف أن التغيير لا يكون بالهروب بل بالفعل. وضعية النهاية، وهي تمثل (توازنًا جديدًا مفتوحًا)، يتجسد في مشروع «العصبة المتحدة» بوصفه أفقًا نهضويًا، لا نهاية مغلقة.

وهذه الخطة لا تسير في خط مستقيم، بل تتخللها انكسارات زمنية وتأملات داخلية، مما يمنح السرد بعدًا نفسيًا وفلسفيًا.

  • ثانيًا: المتن الحكائي:

ويجرُّنا الكلامُ عن البنية السردية إلى حديثٍ عن شيءٍ قريب منه ومتصل به، إن لم يكن الوجه الآخر له؛ وهو (المتن الحكائي)، وهو يقوم في هذه الرواية على جدلية التجربة الفردية والهمّ الجماعي، حيث يتخذ السرد من سيرة «موسى» مدخلًا لقراءة واقعٍ أوسع يتمثل في الوطن الإفريقي الجريح. فالأحداث لا تُروى بوصفها وقائع متتابعة فحسب، بل بوصفها تجليات لمعنى أعمق: من موت العجوز الذي يرمز لانهيار البنية، إلى الغربة بوصفها اغترابًا وجوديًا، ثم إلى الحلم الذي يتشكل تدريجيًا كمشروع نهضوي.

يتسم المتن الحكائي هنا بكونه:  تشظيًا زمانيًا، يعتمد على الاسترجاع والتداعي. متناميًا دلاليًا، حيث تتحول الأحداث من مستوى الواقعي إلى الرمزي. مشحونًا بالوعي، إذ يواكب تطور البطل من حالة التلقي إلى الفعل. وبذلك يغدو الحكي في الرواية أداة لبناء رؤية، لا مجرد وسيلة لسرد قصة.

  • ثالثًا: الرمز والدلالة:

لست أبالغ إذا قلت إن هذه الرواية في مجملها غنية بالبُعد الرمزي، وقد ألمحت إلى بعضه فيما سبق، وأبرز رموزها:

  1. العصا: وهي ليست أداة مادية، بل استعارة للإرادة والقدرة على التغيير. تحيل ضمنيًا إلى «عصا موسى» بوصفها معجزة، لكن الرواية تعيد تأويلها: المعجزة هنا ليست خارقة، بل إنسانية/علمية/تنموية.
  2. العجوز: التي تمثل الوطن المنهك الذي يختنق بالحروب. موتها ليس حدثًا فرديًا، بل سقوط عمود الخيمة، أي انهيار البنية الاجتماعية.
  3. شجرة المانجو: رمز للجذور والعودة والاستمرار. تمنح إحساسًا بأن الحياة قادرة على الإزهار رغم الخراب.
  4. الغربة: وهي هنا ليست مكانًا فقط، بل حالةً نفسية مستمرة. حتى عند العودة، تظل الغربة كامنة في الداخل، أو بتعبير المؤلف في أحد سياقاته: (نُدبَة لا تُمحَى).

* رابعًا: رمزية المكان:

ولا يقتصر أمرُ الرمز في رواية (عصا مقديشو) على الشخصيات وحدها، بل يتجاوزه إلى لمكانأيضًا؛ حيث يشكل المكان في الرواية عنصرًا دلاليًا فاعلًا، يتجاوز كونه إطارًا للأحداث ليصبح حاملًا للمعنى:

  1. مقديشيو (الوطن): فضاء الألم والأمل، والذاكرة والجذور. يتجلى بوصفه مكانًا جريحًا، لكنه أيضًا مصدر الهوية والانبعاث.
  2. نيويورك (الغربة):فضاء البرود والاغتراب الإنساني. يعكس حضارة مادية متقدمة، لكنها تعاني من فقرٍ عاطفي وروحي.
  3. الأمكنة الوسيطة (المقهى، المسجد، البيت): تمثل ملاذات مؤقتة تعيد تشكيل الانتماء. تُبرز تداخل الثقافات وتجاور الهويات.

هكذا يتحول المكان إلى ثنائية دلالية: وطن/غربة، دفء/برودة، جذور/اقتلاع. ووسيلة لإبراز التحول النفسي للشخصيات، إذ يتغير إدراك المكان بتغير الوعي.

* خامسًا: الشخصيات:

أكثر الشخصيات في الرواية، وبخاصة الرئيسيةُ منها، ليست مجرد أفراد، بل نماذج دلالية:

موسى (البطل): يمثل الذات الباحثة عن المعنى بين عالمَين. ويتطور من متلقٍ للأحداث إلى فاعلٍ في مشروع التغيير. وأكاد أجزم أن الكاتب اختار اسمه قاصدًا ليربط القارئ بين عصاه وعصا سيدنا موسى، وإن كانت هذه غير تلك بطبيعة الحال.

صالح (الأب): رمز الحكمة الواقعية التي تحاول التوازن بين البقاء والرحيل.

(عثمان): نموذج البطل الأخلاقي الذي يجسد الكرامة والعدالة.حضوره يعيد تعريف القوة، ويثبت أنها ليست سلطةً، بل موقفًا.

(إيميلي): شخصية مركبة تمثل: الغرب المأزوم نفسيًا. وإمكانية التلاقي الإنساني بين الثقافات.

تكسر الصورة النمطية: فالمعاناة ليست حكرًا على الشرق وحده.

(إدوارد): تجسيد لصدمة الحرب في الطرف الآخر. يحوّل السرد نظرته من “عدو” إلى “إنسان مكسور”. وإن كان هذا من وجهة نظري لا يحل مشكلة (الغرب) المتغطرس تجاه (الشرق) المسالم.

(ديفيد): صورة للأمريكي المتغطرس المستهتر، الذي يظن أنه يمكنه أن يمتلك كل شيء.

* سادسًا: الثيمات Themes (القضايا الكبرى، أو الأفكار المركزية):

  1. 1. جدلية الوطن والغربة: الرواية لا تقدم الوطن بوصفه فردوسًا، بل: مكانًا جريحًا، لكنه يظل المصدر الوحيد للمعنى والانتماء.
  2. الهوية: الهوية هنا مركبة ومتحركة، تتشكل بين ثقافتين. لا تُختزل في الجغرافيا، بل في التجربة والوعي.
  3. الصراع بين القوة والإنسانية: حيث تطرح الرواية سؤالًا أخلاقيًا: هل القوة وسيلة للبناء أم أداة للهيمنة؟ وتُدين منطق “التغول” باسم الحضارة.
  4. 4. الحلم النهضوي: تنتقل الرواية من الألم إلى مشروع عملي (العصبة المتحدة)، تطرح رؤية لإفريقيا بوصفها: ليست ماضيًا فقط، بل مستقبلًا تكنولوجيًا ممكنًا.

* سابعًا: اللغة والأسلوب:

توشك اللغة في هذه الرواية، وفي كثيرٍ من المواضع ذات طابع: شاعري تأملي: يميل إلى الصور والاستعارات. وجداني داخلي: يكشف الصراع النفسي للشخصيات. حِواري فلسفي: خاصة في النقاشات بين موسى وإيميلي. كما توظف: الصور الحسية (الهواء، الضوء، الروائح) لإبراز الواقع، واللغة الرمزية لتكثيف الدلالة.

  • ثامنًا: الرؤية الفكرية

تحمل الرواية رؤية واضحة، تقوم على الإيمان بأن التغيير يبدأ من الداخل (الفرد)، وأن النهضة ليست معجزة، بل: علم + إرادة + تعاون. كما تدعو إلى: كسر المركزية الغربية، وإعادة الاعتبار للإنسان الإفريقي كشريكٍ فاعل، لا كأجيرٍ تابع.

***

  • خلاصة نقدية:

الذين يطالعون رواية (عصا مقديشو)، سوف يدركون مع الفراغ من كل صفحةٍ، أنها تنسابُ هذه كأنها أنينُ وطنٍ يتردّد في صدور أبنائه، حيث تتشابكُ الحكايةُ بين ذاكرةٍ مثقلةٍ بالحرب، وواقعٍ جديدٍ يفيضُ بالغربة. تبدأ الصورةُ من موتٍ لا يخصُّ فردًا بقدر ما يُجسِّد سقوطَ معنى، إذ تتهاوى الحياةُ في لحظةٍ عابرة، فينكشف خلفها وطنٌ يختنق، يبحث عن هواءٍ فلا يجده.

ومن بين الركام، تتشكل ملامحُ إنسانٍ يحمل في داخله جرحين: جرحَ البقاء في أرضٍ تتآكل، وجرحَ الرحيل إلى أرضٍ لا تعترف به. تتوزع روحه بين مقديشيو التي تسكنه بكل دفئها وألمها، ونيويورك التي تمنحه الفرصة وتسلبه الطمأنينة، فيعيش على تخوم عالمين، لا ينتمي تمامًا لأيٍّ منهما.

تمضي السردية كتيارٍ داخليٍّ هادئٍ ومضطربٍ في آن، حيث الغربة ليست مكانًا بل شعورٌ دائم بالاقتلاع، وحيث البشر في المدن الباردة يتحولون إلى ظلالٍ عابرة، بينما تظل الذكريات أكثر حياةً من الواقع. وفي قلب هذا التمزق، ينهض الحلم كقوةٍ خفية، تتجسد في “العصا” التي ليست أداةً سحرية بقدر ما هي رمزٌ للإرادة، والإيمان بقدرة الإنسان على إعادة تشكيل مصيره.

تتنامى الرؤية عبر وعي طفلٍ يكبر محاطًا بالخوف والحنين، يرى العالم بعينين تحملان الماضي والمستقبل معًا، فيحوّل الألم إلى طاقةٍ للحلم، ويصوغ من الخيال مشروعًا يتجاوز حدود الفرد إلى أفق القارة بأكملها.

وهكذا، تتشكل الرواية كرحلةٍ بين الانكسار والأمل، بين الفقد والتشبث، حيث لا يكون الحلم هروبًا من الواقع، بل محاولةً عنيدةً لإعادة بنائه.

***

  • كلمةٌ أخيرة:

لا أدري إذا كنت قد أطلتُ القول في قراءة هذه الرواية وتحليل عناصرها، ولا أدري إن كنت قد نجحت في أن أقربها إلى القارئ أم لا؛ ولكنني على ثقةٍ بأنني لم أوفِّها ما تستأهله من عنايةٍ ودرس، وعزائي أن أية دراسة نقدية لا يمكنها أن تقول كل شيء، وأن ثمة قراءاتٍ أخرى، لنقادٍ آخرين، يمكنها أن تضيء الطريق لتذوق هذه الرواية وفهمها، وإن كنت أرى أن أية دراسة، مهما بلغت في عمقها وشمولها، لا تغني أبدًا عن قراءة النص نفسِه، ولا يمكن لناقدٍ، مهما علا شأنُه، أن يحول بين القارئ وبين أن يقول في العمل الأدبي الذي يطالعه رأيه الخاص به.

ولقد كانت تلك كلمتي، كتبتُها إعجابًا بنصٍّ جميل، وتقديرًا لكاتبٍ مثابر؛ قدمتُ فيها بعض آرائي، وهي نتاج ذوقي الشخصي على كل حال، وأنا هنا أعرضها ولا أفرضها، ولا أرجو بها إلا أن تكون دليلًا لقراءة الرواية، ومفتاحًا لتذوقها، ومعينًا على فهمها والمتعة بها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن محمد أبو هاشم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!