لطيفة الدليمي… وداعاً لكاتبة جعلت الأدب ضميراً للإنسان بقلم:حسن لمين

     برحيل الكاتبة العراقية لطيفة الدليمي في الثامن من مارس 2026 في عمّان، يطوى فصل مهم من فصول السرد العربي المعاصر. فقد كانت هذه الكاتبة واحدة من الأصوات الهادئة والعميقة التي أسهمت، على امتداد عقود طويلة، في بناء رؤية سردية تتجاوز حدود الحكاية إلى فضاءات الفكر والتأمل الفلسفي. إن خسارة الثقافة العربية لاسم مثل لطيفة الدليمي ليست مجرد فقدان كاتبة مبدعة، بل فقدان تجربة إنسانية وفكرية نادرة جعلت من الأدب وسيلة لفهم العالم ومساءلة مصائر الإنسان في زمن التحولات الكبرى.

     وُلدت لطيفة الدليمي سنة 1939 في العراق، ونشأت في بيئة ثقافية جعلتها مبكراً تميل إلى القراءة والكتابة. وقد درست اللغة العربية في جامعة بغداد، وهو ما أتاح لها التكوين المعرفي الذي سيغذي لاحقاً مشروعها الأدبي. ومنذ بداياتها في ستينيات القرن الماضي، اختارت الدليمي أن تنتمي إلى تيار أدبي ينظر إلى الكتابة بوصفها فعلاً معرفياً، لا مجرد نشاط جمالي. ولذلك جاءت أعمالها الأولى محمّلة بأسئلة الإنسان والوجود، وبحساسية اجتماعية واضحة تجاه التحولات التي عاشها المجتمع العراقي والعربي.

     تميّزت تجربة الدليمي السردية بقدرتها على المزج بين الحكاية والتأمل الفكري. فالرواية عندها ليست مجرد بناء تخييلي، بل فضاء لتقاطع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والحرية والذاكرة. لقد كانت تدرك أن السرد يستطيع أن يكون شكلاً من أشكال التفكير، وأن الرواية يمكن أن تتحول إلى مختبر لاختبار الأفكار والرؤى حول الإنسان والعالم.

     ومن أبرز ما يلفت الانتباه في أعمالها هو انشغالها الدائم بالإنسان في لحظة القلق الوجودي. فشخصياتها غالباً ما تعيش على تخوم التحولات التاريخية، محاصرة بأسئلة المعنى والهوية. ولعل هذا ما جعل نصوصها تبدو أقرب إلى تأملات عميقة في المصير الإنساني، حيث يتجاور الخاص والعام، ويتداخل الفردي مع الجماعي. لقد كتبت عن الحروب، وعن الاغتراب، وعن ذاكرة المدن التي أنهكتها الصراعات، لكنها في الوقت نفسه كتبت عن الأمل الكامن في قدرة الإنسان على إعادة بناء ذاته.

     ومن بين المحاور الأساسية في مشروعها الأدبي حضور المرأة بوصفها ذاتاً فاعلة لا مجرد موضوع سردي. لقد سعت الدليمي إلى إعادة صياغة صورة المرأة في الأدب العربي، فابتعدت عن القوالب التقليدية التي تختزلها في دور اجتماعي ضيق، وفتحت أمامها أفقاً إنسانياً وفكرياً أرحب. فالمرأة في نصوصها كائن مفكر، يتأمل العالم ويقاوم القيود الاجتماعية والثقافية التي تحاول تحديد مصيره.

     ويظهر هذا التوجه بوضوح في عدد من أعمالها الروائية والقصصية، من بينها رواية عالم النساء الوحيدات التي تُعد من أبرز نصوصها، حيث قدمت فيها رؤية سردية عميقة لعالم النساء في سياقات اجتماعية معقدة. كما أصدرت مجموعات قصصية عديدة مثل ممر إلى أحزان الرجال و**موسيقى صوفية**، وهي نصوص كشفت عن حساسية لغوية خاصة وعن قدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية الدقيقة.

     ولم تقتصر مساهمة الدليمي على الإبداع السردي فحسب، بل امتدت إلى مجال الترجمة والعمل الثقافي. فقد نقلت إلى العربية عدداً من الأعمال الفكرية والعلمية، وكتبت مقالات في الثقافة والفكر، الأمر الذي منح تجربتها أفقاً معرفياً واسعاً. لقد كانت تؤمن بأن الكاتب لا ينبغي أن ينعزل داخل حدود النص، بل أن يكون منخرطاً في الحوار الثقافي الأوسع.

     أما على مستوى الأسلوب، فقد عُرفت الدليمي بلغة شفافة تميل إلى التأمل الهادئ أكثر من ميلها إلى الصخب البلاغي. فالسرد عندها يقوم على بناء تدريجي للعالم الروائي، حيث تتشكل الشخصيات عبر التفاصيل الدقيقة، وتنبثق الأفكار من داخل التجربة الحياتية للشخصيات. وقد منحها هذا الأسلوب قدرة على خلق نصوص تتسم بالعمق الإنساني، دون أن تفقد جاذبيتها الجمالية.

     إن قراءة تجربة لطيفة الدليمي تكشف عن مشروع أدبي متكامل، يقوم على الإيمان بأن الأدب قادر على توسيع أفق الوعي الإنساني. فالرواية بالنسبة إليها ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل وسيلة للتفكير في العالم، ولفهم التحولات التي يعيشها الإنسان في العصر الحديث. ولذلك فإن نصوصها لا تنفصل عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرب والمنفى والهوية والذاكرة.

     واليوم، بعد رحيلها، يبدو واضحاً أن إرثها الأدبي سيظل جزءاً من الذاكرة الثقافية العربية. فالكتّاب الحقيقيون لا يغيبون تماماً، لأن نصوصهم تظل قادرة على الحياة في وعي القراء وفي ذاكرة الأدب. ومن خلال أعمالها العديدة، ستبقى لطيفة الدليمي حاضرة كواحدة من الكاتبات اللواتي وسّعن أفق السرد العربي، وفتحْن أمامه مسارات جديدة تجمع بين الجمال والمعرفة.

     لقد رحلت الكاتبة، لكن عالمها السردي ما يزال مفتوحاً، يدعو القرّاء إلى الدخول إليه واكتشاف تلك الأسئلة العميقة التي ظلت ترافق كتابتها: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته وسط الخراب؟ وكيف يستطيع الأدب أن يكون شاهداً على الألم، وفي الوقت نفسه حارساً للأمل؟

     بهذه الأسئلة نفسها سيظل اسم لطيفة الدليمي حيّاً في تاريخ الأدب العربي، بوصفها كاتبة جعلت من السرد طريقاً لفهم الإنسان والدفاع عن كرامته.

 

كاتب مغربي

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!