الأعمال الكاملة لشعراء العرب المعاصرين(الحلقة الثالثة عشرة)

كتب: الشاعر أمين المَيْسَري

الشعر الحقيقي سجّلٌ إبداعيٌّ وتاريخيٌّ لمسيرة الشاعر،ورزنامة أوراق لكل الأحداث الّتي مرّت في حياة كل شاعر.
والشاعر المقاوم هو أشرف وأنبل في معارك الدّفاع عن الأرض والعرض الشرف. وقد عُرف في شعرنا المعاصر شعر المقاومة، وخاصة شعراء الأرض المحتلّة في فلسطين. فقد أنجبت هذه الأرض أعظم الشعراء وأشجعهم، ويأتي في مقدّمتهم شعراء كثرٌ منهم: سميح القاسم ومحمود درويش وهارون هاشم رشيد وعبدالكريم الكرمي وعبدالرحيم محمود ومريد البرغوثي وعزّالدين المناصرة وعبدالله القيسي وتوفيق زيّاد وخالد أبو خالد …. وغيرهم.
دعوني أقف قليلا – في هذه الليلة – مع شاعر كبير،له باع طويل في شعر المقاومة. لم يخرج من الأرض المحتلّة قط.. قاوم العدو الصهيوني بشعره وكتاباته.. عُذّب وسجن في أكثر من مرة.
كان شعره مرآة ووقوداً للمقاومة الفلسطينية… إنه الشاعر الكبير سميح القاسم (1939م – 2014م).
سميح القاسم ألهب في شعره حماس الفلسطينيين، فقد كان له في كل منعطف قصيدة،وكان مشاركاً فعّالاً في كل النضال الفلسطيني فقد ناضل بالبندقية والقلم. كلّ أشعاره وكتاباته خصّصها للقضية الفلسطينية.
مَنْ منّا ينسى قصيدته(تقدّموا) الّتي ألهب فيها شباب ثورة الحجارة عام(1987م).

نص(تقدّموا)

تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم
تقدموا
يموت منا الطفل والشيخ ولا يستسلم
وتسقط الأم على أبنائها القتلى
ولا تستسلم
تقدموا
تقدموا
بناقلات جندكم
وراجمات حقدكم
وهددوا
وشردوا
ويتموا
وهدموا
لن تكسروا أعماقنا
لن تهزموا أشواقنا
نحن القضاء المبرم
تقدموا
تقدموا
طريقكم ورائكم
وغدكم ورائكم
وبحركم ورائكم
وبركم ورائكم
ولم يزل أمامنا
طريقنا
وغدنا
وبرنا
وبحرنا
وخيرنا
وشرنا
فما الذى يدفعكم
من جثة لجثة
وكيف يستدرجكم
من لوثة للوثة
سفر الجنون المبهم
تقدموا
وراء كل حجر
كف
وخلف كل عشبة
حتف
وبعد كل جثة
فخ جميل محكم
وان نجت ساق
يظل ساعدو معصم
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم
تقدوا
تقدموا
والعجز
والأرامل
تقدمت أبواب جنين ونابلس
أتت نوافذ القدس
صلاة الشمس
والبخور والتوابل
تقدمت تقاتل
تقدمت تقاتل
لا تسمعوا
لا تفهموا
تقدموا
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم

وواضح النص جاء على تفعيلة الرجز(مستفعلن).
إن هذا الإنفجار الشعري لدى سميح القاسم يؤكّد حقيقة واحدة هي المقاومة التي تستطيع تحرير الشعب الفلسطيني من هذا العدو الصهيوني الجاثم على الأرض العربية.

نص(مادامت لي من أرضي أشبار)
ما دامت لي من أرضي أشبار
ما دامت لي زيتونة ..
ليمونة ..
بئرٌ ..
وشجيرةُ صبّار ..
ما دامت لي ذكرى ..
مكتبةٌ صغرى
صورةُ جدٍّ مرحومٍ ..
وجدار
ما دامت في بلدي كلماتٌ عربية
وأغانٍ شعبية
ما دامت لي عيناي
ما دامت لي شفتاي
ويداي
ما دامت لي .. نفسي
أعلنها في وجه الأعداء
أعلنها .. حرباً شعواء
باسم الأحرار الشرفاء
عمّالاً .. طلّاباً .. شعراء ..
أعلنها
ما زالت لي نفسي ..
وستبقى لي نفسي ..
وستبقى كلماتي ..
خبزًا وسلاحًا ..
في أيدي الثوّار

(هكذا كان شعراء المقاومة، ينسجون فنهم الخاص. وكان سميح لايني يقرأ التجربة كلّها ويعيد. ويحاول من قصيدة إلى قصيدة، أن يضمن الأبعاد كلّها،وأن يتجاوز معطيات العمل الفني في شعرنا المعاصر، ليأتي بمعطيات جديدة لشعر جماهيري، يمكن قراءته بدون جماهير، ويمكن للجماهير كلّها كذلك، أن تردده كنشيد واحد متحد الإيقاع والظل والصدى)(1)

نص(إلهي أنا متأسف)

إلى الله أرفعُ عينيّ
أرفعُ قلبي وكفّيّ
يا ربّ
حزناً حزنتُ
وأرهقني اليُتمُ
أهلكتِ النارُ زرعي وضَرعي
بكاءً بكيتُ
ويمّمتُ وجهي
إلى نورِ عرشك
يا ربّ ..
جارت عليّ الشعوب
وسُدَّت أمامي الدروب
تضرّعتُ، صلّيتُ بُحَّ دعائي
وشَحتّ ينابيعُ مائي
تمادى ندائي
أضاءت شموعي
فسامحْ بكائي
وكفكفْ دموعي
ظلامي شديدٌ
وليلي ثقيلٌ طويلٌ
فأنعمْ عليّ بنور السماء
وجدّدْ ضيائي
وسدّدْ خطاي
لأعبرَ منفاي
يا ربُّ واغفر خطاياي
واقبل رجائي
شقاءً شقيتُ
وثوبي تهرّأ
بردُ الكآبةِ قاسٍ
وحرُّ التخلّي شديدٌ مقيتُ
شقاءً شقيتُ
ويطردني الجُند عن باب بيتي
وأرجو حياتي بموتي
وناري تشبُّ بزَيتي
وصمتي يزلزلُ صمتي
ويهدم سمتي
ولم يبقَ سمتٌ سواك
ولم يبقَ صوتٌ سواك
فيا ربّ باركْ براكين روحي
وأسعِف جروحي
ومجِّدْ بوقتك
ما ظلّ من بعض وقتي
إلهي وما من إلهٍ سواك
مراعيَّ ضاقت بعشبِ السموم اللئيمة
ماتت خِرافي على ساعديّ
وبئري أهالوا عليها الصخور
ولي تينةٌ أتلفوها
وزيتونةٌ جرّفوها
ولي نخلةٌ وبّخوها
وداليةٌ عنّفوها
وليمونةٌ قصّفوها
ونعناعةٌ جفّفوها
عقاباً
فكيف تفوح بحزني وضعفي
وكيف تبوح بخوفي عليها وخوفي
إلهي وما من إلهٍ سواك
أراكَ بقلبي وروحي أراك
وأنتَ تراني أسيراً حبيسَ الشِّراك
بلادُ أبي أصبحت مقبرة
منازلُ من آمنوا مُقفرة
بساتينُ من آمنوا مُصحرة
مدارسهم مُنكَرة
وأحزانهم عتمةٌ ممطرة
إلهي
إلهي وما من إلهٍ سواك
سألتُ رضاك
طلبتُ رضاك
تضرّعتُ صليتُ
هَبني رضاك
وسلّط على القاذفات
وسلّط على الراجمات
جناحَ الهلاك
ونزّل علينا جناح الملاك
إلهي، إلهي أمِن مغفرة؟
ألا مغفرة؟
ولا مغفرة؟
إلهي، عذابي طويلٌ وقاسٍ ومؤسف
وأنتَ غفورٌ، رحيمٌ ومنصِف
إلهي إلهي أنا متأسِّف
أنا متأسِّف إلهي،
إلهي أنا متأسِّف
أنا متأسِّف
أنا متأسِّف..

صدر للشاعر سميح القاسم دواوين شعرية كثيرة ربّما في ثمانية أجزاء. لكن أول الأعمال الكاملة صدرت له عن دار العودة في بيروت سنة1973م ف (768 صفحة) وضمّت الدواوين التالية:
ديوان أغاني الدروب
ديوان دخان البراكين
ديوان طلب انتساب للحزب
ديوان ارم
ديوان في انتظار طائر الرعد
ديوان دمي على كفّي
ديوان سقوط الأقنعة
ديوان اسكندرون في رحلة الداخل والخارج.

أمين الميسري

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!