المرأة والنص: من يملك المعنى؟(ج١)/بقلم:الشاعرة المصرية فابيولا بدوي

الحلقة الاولى
السعداوي وفك الاشتباك بين الإيمان والمعنى

عندما نقترب من تجربة د. نوال السعداوي لا ندخل إلى مساحة جدل ديني تقليدي بقدر ما ندخل إلى ساحة صراع على المعنى: من يملك حق تفسير المقدّس، ومن يدفع ثمن هذا التفسير حين يتحول إلى سلطة. لم تكن السعداوي منشغلة بهدم الإيمان، بل بكشف اللحظة التي يتحول فيها الإيمان من تجربة روحية فردية إلى أداة ضبط اجتماعي، خاصة حين تُشهر في وجه النساء.

في جوهر طرحها كانت هناك محاولة دؤوبة للفصل بين النص بوصفه مرجعية دينية، وبين القراءة البشرية لهذا النص عبر التاريخ. كانت ترى أن النص، ما إن يغادر لحظة نزوله، يدخل في شبكة معقدة من المصالح والقوى والسياقات الثقافية. المفسّر ليس عقلًا معلقًا في الفراغ، بل كائن اجتماعي تحكمه بيئته وطبقته وموقعه من السلطة، والأهم نوعه الاجتماعي. وحين ظل التفسير حكرًا على الرجال داخل بنية اجتماعية أبوية، تسربت رؤية هذه البنية إلى الفهم الديني نفسه، ثم اكتسب هذا الفهم مع الزمن هالة قداسة جعلته يبدو وكأنه هو الدين ذاته، لا مجرد قراءة تاريخية له.

من هنا كانت السعداوي تصر على أن كثيرا مما يُقدم باعتباره أحكاما إلهية ثابتة هو في حقيقته نتاج تفاعل طويل بين النص والسلطة والثقافة الذكورية. الاعتراض لم يكن على الإيمان، بل على تحويل الفهم البشري إلى مطلق إلهي مغلق لا يجوز مساءلته. في هذا التحويل تحديدا رأت أخطر أشكال الهيمنة، لأن السلطة حين تتكلم باسم السماء تصبح معصومة من النقد، ويصبح الاعتراض عليها تمردا لا على بشر، بل على المقدّس نفسه.

في كتابها المرأة والجنس تربط بين جذور اضطهاد المرأة وتحولات اجتماعية واقتصادية سبقت الأديان بصيغها التاريخية المعروفة. مع نشوء الملكية الخاصة وانتقال الثروة عبر خط النسب الأبوي، صار جسد المرأة موضع رقابة مشددة، لا بوصفه كيانًا إنسانيًا مستقلا، بل بوصفه وعاء لضمان نقاء النسب واستقرار الملكية داخل العائلة الذكورية. هكذا نشأت منظومة أخلاقية تتمحور حول ضبط المرأة، ثم وجدت هذه المنظومة لاحقًا في الخطاب الديني لغة تمنحها شرعية أعمق وأقوى. الدين، في هذا التصور، لم يخترع القهر، بل ورث بنية أبوية قائمة وأعاد إنتاجها في صيغة مقدسة.

هذا التداخل بين السلطة والدين يظهر بوضوح في أعمالها السردية، حيث لا يظهر رجل الدين معزولا عن الحاكم، بل متداخلا معه في شبكة مصالح واحدة. في مثل عندما نقترب من تجربة نوال السعداوي لا ندخل إلى مساحة جدل ديني تقليدي بقدر ما ندخل إلى ساحة صراع على المعنى: من يملك حق تفسير المقدس، ومن يدفع ثمن هذا التفسير حين يتحول إلى سلطة. لم تكن السعداوي منشغلة بهدم الإيمان، بل بكشف اللحظة التي يتحول فيها الإيمان من تجربة روحية فردية إلى أداة ضبط اجتماعي، خاصة حين تُشهر في وجه النساء.

في جوهر طرحها كانت هناك محاولة دؤوبة للفصل بين النص بوصفه مرجعية دينية، وبين القراءة البشرية لهذا النص عبر التاريخ. كانت ترى أن النص، ما إن يغادر لحظة نزوله، يدخل في شبكة معقدة من المصالح والقوى والسياقات الثقافية. المفسّر ليس عقلًا معلقًا في الفراغ، بل كائن اجتماعي تحكمه بيئته وطبقته وموقعه من السلطة، والأهم نوعه الاجتماعي. وحين ظل التفسير حكرًا على الرجال داخل بنية اجتماعية أبوية، تسربت رؤية هذه البنية إلى الفهم الديني نفسه، ثم اكتسب هذا الفهم مع الزمن هالة قداسة جعلته يبدو وكأنه هو الدين ذاته، لا مجرد قراءة تاريخية له.

من هنا كانت السعداوي تصر على أن كثيرا مما يُقم باعتباره أحكامًا إلهية ثابتة هو في حقيقته نتاج تفاعل طويل بين النص والسلطة والثقافة الذكورية. الاعتراض لم يكن على الإيمان، بل على تحويل الفهم البشري إلى مطلق إلهي مغلق لا يجوز مساءلته. في هذا التحويل تحديدا رأت أخطر أشكال الهيمنة، لأن السلطة حين تتكلم باسم السماء تصبح معصومة من النقد، ويصبح الاعتراض عليها تمردًا لا على بشر، بل على المقدّس نفسه.

في كتابها المرأة والجنس تربط بين جذور اضطهاد المرأة وتحولات اجتماعية واقتصادية سبقت الأديان بصيغها التاريخية المعروفة. مع نشوء الملكية الخاصة وانتقال الثروة عبر خط النسب الأبوي، صار جسد المرأة موضع رقابة مشددة، لا بوصفه كيانًا إنسانيًا مستقلًا، بل بوصفه وعاءً لضمان نقاء النسب واستقرار الملكية داخل العائلة الذكورية. هكذا نشأت منظومة أخلاقية تتمحور حول ضبط المرأة، ثم وجدت هذه المنظومة لاحقًا في الخطاب الديني لغة تمنحها شرعية أعمق وأقوى. الدين، في هذا التصور، لم يخترع القهر، بل ورث بنية أبوية قائمة وأعاد إنتاجها في صيغة مقدسة.

هذا التداخل بين السلطة والدين يظهر بوضوح في أعمالها السردية، حيث لا يظهر رجل الدين معزولًا عن الحاكم، بل متداخلًا معه في شبكة مصالح واحدة. في مثل هذا السياق يصبح التحكم في المرأة معيارًا لمدى خضوع المجتمع كله. تضييق لباسها، تقييد حركتها، مراقبة صوتها، كلها تتحول إلى مؤشرات على “الأخلاق” و”الالتزام”، بينما هي في نظر السعداوي مؤشرات على نجاح السلطة في فرض الطاعة. الجسد الأنثوي هنا لا يكون قضية أخلاقية بقدر ما يكون ساحة سياسية، تُختبر عليها حدود السيطرة.

وفي رواية امرأة عند نقطة الصفر تتكثف هذه الرؤية في صورة مجتمع يصنع الشروط التي تدفع المرأة إلى الهامش، ثم يدينها أخلاقيًا باسم الدين حين تسقط. الرجل داخل المنظومة ذاتها يُمنح مساحات واسعة من التبرير، بينما تُختزل المرأة في مفهوم الشرف المحمول على جسدها وحده. هذه الازدواجية الأخلاقية كانت عند السعداوي دليلًا على أن الخطاب الديني السائد لا يُطبق بوصفه منظومة عدل شاملة، بل يُستخدم انتقائا لضبط النساء أكثر مما يُستخدم لمحاسبة السلطة أو مقاومة الظلم الاجتماعي.

ورغم حدة نقدها، لم تكن دعوتها إلغاء الإيمان من حياة الناس، بل تحريره من الاحتكار. كانت ترى أن العلاقة الروحية بين الإنسان وربه يمكن أن تكون مصدر قوة وكرامة، لكن هذه العلاقة تُشه حين تتدخل مؤسسة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتفرض تأويلا واحدا يخدم بنية اجتماعية بعينها. الصراع، إذن، لم يكن بين المرأة والدين، بل بين المرأة ومن يحتكرون الحديث باسم الدين ويوظفونه لتثبيت مواقعهم في هرم السلطة.

بهذا المعنى، يمكن فهم مشروع نوال السعداوي بوصفه محاولة لفك الاشتباك بين المقدس والهيمنة؛ أن يُعاد الدين إلى مجاله الروحي والأخلاقي، وأن يُسحب من أيدي السلطة التي تستخدمه لتأبيد نظام أبوي قديم. لم تكن معركتها مع السماء، بل مع الأرض حين تتخفّى في ثوب السماء السياق يصبح التحكم في المرأة معيارا لمدى خضوع المجتمع كله. تضييق لباسها، تقييد حركتها، مراقبة صوتها، كلها تتحول إلى مؤشرات على “الأخلاق” و”الالتزام”، بينما هي في نظر السعداوي مؤشرات على نجاح السلطة في فرض الطاعة. الجسد الأنثوي هنا لا يكون قضية أخلاقية بقدر ما يكون ساحة سياسية، تُختبر عليها حدود السيطرة.

وفي رواية امرأة عند نقطة الصفر تتكثف هذه الرؤية في صورة مجتمع يصنع الشروط التي تدفع المرأة إلى الهامش، ثم يدينها أخلاقيا باسم الدين حين تسقط. الرجل داخل المنظومة ذاتها يُمنح مساحات واسعة من التبرير، بينما تُختزل المرأة في مفهوم الشرف المحمول على جسدها وحده. هذه الازدواجية الأخلاقية كانت عند السعداوي دليلا على أن الخطاب الديني السائد لا يُطبق بوصفه منظومة عدل شاملة، بل يُستخدم انتقائيا لضبط النساء أكثر مما يُستخدم لمحاسبة السلطة أو مقاومة الظلم الاجتماعي.

ورغم حدة نقدها، لم تكن دعوتها إلغاء الإيمان من حياة الناس، بل تحريره من الاحتكار. كانت ترى أن العلاقة الروحية بين الإنسان وربه يمكن أن تكون مصدر قوة وكرامة، لكن هذه العلاقة تُشوه حين تتدخل مؤسسة تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتفرض تأويلا واحدا يخدم بنية اجتماعية بعينها. الصراع، إذن، لم يكن بين المرأة والدين، بل بين المرأة ومن يحتكرون الحديث باسم الدين ويوظفونه لتثبيت مواقعهم في هرم السلطة.

بهذا المعنى، يمكن فهم مشروع نوال السعداوي بوصفه محاولة لفك الاشتباك بين المقدّس والهيمنة؛ أن يُعاد الدين إلى مجاله الروحي والأخلاقي، وأن يُسحب من أيدي السلطة التي تستخدمه لتأبيد نظام أبوي قديم. لم تكن معركتها مع السماء، بل مع الأرض حين تتخفى في ثوب السماء

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!