استهلت اليابان ، الدولة الصغيرة الناهضة القرن العشرين بإحراز نصر كبير ،سريع وعنيف ضد القوات الروسية سنة 1905 ،وهذا النصر فاجأ العالم بأكمله ، وصار يُحسب لليابان ألف حساب وبالأخص من طرف الدول الغربية ! وهذا النصر جاء تتويجاً لإصلاحات الميجي التي بدأت في ستينات القرن التاسع عشر ، فاقتبس اليابانيون العلوم والتكنولوجية وصناعة السفن والأسلحة والمدافع من الغرب ،لتكون اليابان القوى الأولى في الشرق الأقصى ، والقوة الوحيدة من القوى العالمية العسكرية والاقتصادية التي لا تنتمي الى الغرب .. غير أنه بعد أربعين سنة من الأحداث الدامية في العالم والشرق الأقصى تفاجأ العالم مرة أخرى ، وبأكمله ، ولكن ليس مندهشاً أو مستغرباً ، وإنما باكياً مرعوباً حين ألقيت قنبلتين نوويتين على ناغازاكي وهيروشيما في صيف 1945 ، وتبين للعالم حجم الدمار الذي تخلفه الأسلحة النووية ، وكذا عنصرية الغرب الذي لم يلقى قنابله على الألمان أو الطليان وإنما ألقاها على اليابانيين الصفر الذي لا ينتمون الى حضارة الغرب! وتيقن العالم بأكمله أن اليابان انتهت ولن تقوم مرة أخرى ، لكن ما هي إلا عشرون سنة إلا واليابان واقفة على سواعد أبنائها ، ناهضة من تحت ركام القنبلتين ومرارة الهزيمة وذل الاحتلال لتكون القوة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة ، وكل ذلك أدهش العالم مرة أخرى ،وتأكد له أن الشعب الياباني يتميز بخصائص لا تحوزها الشعوب الأخرى ، كالإرادة ، التحدي ، الفعالية ، الانتماء الى الوطن ، النظام والانضباط … وكذلك تبين قوة الشعب الاجتماعية والنفسية لتجاوز فترة ما بعد الحرب القاسية .. وبسبب احتلال القوات الأمريكية لأراضيها ووقوعها بالقرب من قوتين شيوعيتين كبيرتين ؛ الصين الشعبية والاتحاد السوفياتي صارت اليابان قوة متقدمة للولايات المتحدة لمراقبة الصين وفيتنام وكوريا الشمالية … وحولت اليابان نزعتها العسكرية المدمرة الى نزعة تكنولوجية إبداعية ،إذ تفوقت في صناعة السيارات والسفن والصناعات الالكترونية والتكنولوجية الدقيقة ذات الجودة العالية … ولا تزال اليابان في السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرون تحاول أن تحافظ على تفوقها الاقتصادي ومكاسبها التكنولوجية وسط صعود قوى اقتصادية إقليمية مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان .. وكذا العديد من التحديات الداخلية مثل نسبة الشيخوخة في المجتمع وتدنى مستوى التعليم وانتشار ظاهرة الانتحار المقلقة …
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية