كلما حاول أحد أن يفتح ملف الاستغلال الجنسي في مجتمعاتنا، يظهر صوت غاضب لا ليسأل عن الضحايا، بل ليسأل: “ولماذا لا تتحدثون عن إبستين؟” وكأن الألم له جواز سفر، وكأن الجريمة تحتاج إلى جنسية كي تستحق مناقشتها. فجأة لا يعود الطفل المعتدى عليه طفلًا، ولا المرأة المستغَلة إنسانة، بل يتحولان إلى تفصيل مزعج في معركة أيديولوجية أكبر.
استدعاء اسم جيفري إبستين في هذا السياق لا يكون عادة بدافع العدالة، بل بدافع الهروب. هو أشبه بشخص يُضبط متلبسًا بحريق في بيته، فيصرخ: “لكن بيوتًا أخرى تحترق أيضًا!” نعم، تحترق، لكن هذا لا يطفئ النار المشتعلة في غرفتك، ولا ينقذ الأطفال العالقين في الداخل. المقارنة هنا ليست أخلاقية، بل دفاعية، غايتها نقل مركز الاتهام من “ماذا يحدث عندنا؟” إلى “ماذا يحدث عندهم؟”.
المشكلة ليست في الحديث عن إبستين؛ فجرائمه نموذج بشع لاستغلال السلطة والمال والجسد، ويجب أن تُدان بلا تردد. المشكلة في استخدامه كدرع، كستار دخاني، كطريقة أنيقة لقول: “اصمتوا عن فضائحنا.” يصبح الغرب فجأة معيارًا أخلاقيًا حين نحتاج إلى شماعة، بينما يُرفض كليًا حين يُستخدم كمثال على المحاسبة أو حماية الضحايا. إنها انتقائية لا علاقة لها بالقيم، بل بالخوف من المواجهة.
هذا الأسلوب يكشف عقلية أخطر من الجريمة نفسها: عقلية تعتبر سمعة الجماعة التيار إلخ أهم من سلامة الفرد. حين يُقال لنا “لا تسيئوا لصورة المجتمع”، فالمعنى الحقيقي غالبًا هو: “دعوا الضحية تدفع الثمن بصمت.” وحين يُقال “لا تعطوا أعداءنا مادة للهجوم”، فالمقصود: “تحمّلوا الأذى كي لا نهتز نحن.” هكذا تتحول الأجساد المنتهكة إلى جدران دفاع رمزية عن هوية جماعية قلقة.
الاستغلال الجنسي لا وطن له، ولا دين، ولا حضارة تحتكره. هو يظهر حيث توجد سلطة بلا رقابة، وصمت مفروض، وخوف من الفضيحة أكبر من الخوف على الإنسان. هذه الشروط موجودة في كل مكان، لكن الفرق بين مجتمع وآخر ليس في وجود الجريمة، بل في طريقة التعامل معها: هل نواجهها أم ندفنها؟ هل نحمي الضحية أم نحقق معها؟ هل نحاسب المعتدي أم نبحث له عن مبررات ثقافية ودينية واجتماعية؟
حين يُستخدم اسم إبستين لإغلاق أفواه من يطالبون بالعدالة محليًا، فنحن هنا لا ندافع عن الأخلاق، بل نستخدم الأخلاق كسلاح. لا ننتصر للضحايا هناك ولا هنا، بل نحول معاناتهم إلى ذخيرة خطابية. وهذا في حد ذاته شكل من أشكال الاستغلال: استغلال الألم لأجل تسجيل نقاط في مباراة هوية لا تنتهي.
الصدق الأخلاقي بسيط ومكلف في الوقت نفسه: نعم، هناك مجرمون كبار في الغرب، ونعم، هناك مجرمون محميون بالصمت في مجتمعاتنا. نعم، ازدواجية المعايير مرفوضة عالميًا، ونعم، التواطؤ المحلي جريمة لا تقل بشاعة. العدالة لا تعمل بنظام “إما… أو”، بل بنظام “هنا… وهناك… وفي كل مكان”.
السؤال الحقيقي ليس: “لماذا لا تتحدثون عن إبستين؟”
السؤال الذي يخيف هو: “لماذا تخافون إلى هذا الحد من أن نتحدث عمّا يحدث بيننا؟”
فالمجتمعات لا يدمّرها كشف الجريمة، بل يدمّرها الإصرار على حمايتها بالصمت وبالترهيب والمحاولات الدائمة لتحريك المرمى بدلا من المواجهة
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية