بقلم:تبارك الياسين
ليست القراءة في ديوان «طعم العدم» تجربة عابرة، بل اقتراب بطيء من منطقة داخلية هشّة، حيث تصبح الكلمات أقل من أن تشرح وأكثر من أن تصمت. في هذا الديوان، لا يكتب سمير اليوسف عن الفقد بوصفه حدثاً، بل بوصفه حالة مستمرة، تتسرّب إلى اللغة وتعيد تشكيلها على مهل. هنا، لا يعد الشعر بالخلاص، لكنه يمنح القارئ فرصة نادرة: أن يتأمل العدم لا كفراغ مخيف، بل كطعمٍ يبقى عالقاً في الذاكرة.
في ديوان «طعم العدم»، يفتح الشاعر الفلسطيني سمير اليوسف قصيدته على مساحة هشّة بين الوجود واللاشيء، حيث لا يعود الشعر وسيلة للبوح فحسب، بل تجربة معيشة لتذوّق الكينونة وهي في أكثر حالاتها عرياً. يبدأ النص من اعتراف صريح بالانكسار، لا بحثاً عن عزاء جاهز، بل كنوع من المواجهة الهادئة مع ذلك العدم الذي يتسرّب إلى تفاصيل اليومي وإلى نسيج اللغة نفسها.
العدم هنا لا يُقدَّم بوصفه فكرة فلسفية مجرّدة، بل يتحول إلى حضور محسوس: في بطء الانتظار، في رماد الأشياء، وفي العبور المعلّق الذي لا يعد بالوصول. إنها تجربة امتلاء غريب، حيث يغدو الفراغ مثقلاً بالذاكرة، وحيث تتداخل النهايات مع البدايات دون فواصل واضحة. لا يسعى الشاعر إلى تطمين القارئ، بل يختار الإقامة في منطقة قلقة، يسبق فيها الفهمُ العزاء، ويتحوّل الجسد إلى مساحة صامتة تتقبّل فكرة التلاشي ببرودة شفافة.
ضمن هذا المسار، تبرز رموز بسيطة وعميقة في آن، مثل المرآة المكسورة والملح. فالمرآة، بشظاياها، لا تعكس تشوهاً بقدر ما تقترح طريقة أخرى للرؤية، تعترف بأن الكسر جزء من الحقيقة، وأن الاكتمال وهم لا يُنال إلا عبر الشقوق. أما الملح، فيحضر كمادة تحفظ الألم من النسيان، وتطهّر الجرح عبر إدامة وخزه، كأن الشاعر يكتب ذاكرته ببلورات حادّة لا تذوب.
بهذا المعنى، لا يكون الألم حالة عاطفية عابرة، بل معرفة تتشكّل ببطء، وتغدو الجملة الشعرية، في انقطاعها وبترها، انعكاساً لوجود مأزوم يحاول ترميم ذاته بالصمت وما يخلّفه الغياب من أثر.
«طعم العدم» ديوان لا يُقرأ على عجل، بل يُرافق، يترك في القارئ مذاقاً وجودياً هادئاً وعنيداً، ويؤكد أن الشعر، حين يكون صادقاً، قادر على أن يحفظ خساراتنا… بالملح والكلمات.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية
