غاب محمد فتحي مقداد…
فانكسر في اللغة ميزانها الخفي، وارتبكت الحروف كأنها فقدت مرجعها الأخير…
لم يكن كاتبًا يعبر، بل كان إقامةً كاملةً في المعنى،
وكانت كلماته تُولد من رحم التجربة، مضمّخةً بصدقٍ لا يُصطنع
كيف يمضي الذين يشبهون المعنى؟
كيف يغيب من كان يُقيم في اللغة… كأنها وطنه الأخير؟
كأنّ الحروف اليوم يتيمة،
تبحث عنه بين دفاترها… فلا تجد سوى الغياب..
أيّها الراحلُ على مهلٍ….
كقصيدةٍ تُختم بصمتٍ مهيب،
كيف استطعت أن تُثقِل الغياب بكل هذا الحضور؟
وكيف تركتَ فينا هذا الفراغ الذي لا تملؤه الكلمات،
وهي التي كانت بك تكتمل؟
لقد كنتَ من سلالة الحبر النبيل،
تُروّض الألم ليصير جمالًا،
وتُهذّب الوجع حتى يُصبح معنى،
فإذا قرأنا لك… قرأنا أنفسنا، وبكينا دون أن نعرف لماذا…..
ها هي المنابر صامتة،
والسطور واجفة،
والأدب يطأطئ رأسه كمن فقد أحد أعمدته الخفية.
ليس رثاءً ما يُكتب الآن… بل محاولة يائسة لترميم صدى رحيلك.
سلامٌ عليك في عليائك،
حيث لا وجع ولا انطفاء،
وسلامٌ على روحك التي علّمت الحرف أن يكون إنسانًا.
ستبقى…
ما بقي في اللغة متّسعٌ لحنين،
وما بقي في القلب متّسعٌ للألم النبيل.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية