تُعدّ العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك من أعظم مواسم الطاعة في الإسلام، وقد خصّها الله تعالى بفضائل كثيرة، وجعل فيها ليلةً هي خيرٌ من ألف شهر، وهي ليلة القدر، ولهذا كان رسول الله ﷺ يولي هذه الأيام عنايةً خاصة، ويجتهد فيها اجتهادًا عظيمًا يفوق اجتهاده في غيرها من أيام الشهر، وقد روت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها فقالت:
«كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر» رواه محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج.
ومعنى «أحيا الليل» أي قضاه في العبادة من صلاة وذكر وتلاوة للقرآن، ومعنى «شدَّ المئزر» كناية عن الجد والاجتهاد في الطاعة والانقطاع لها، وتظهر في هذا الحديث عناية النبي ﷺ باغتنام هذه الأيام المباركة، فهو لا يكتفي بالاجتهاد بنفسه، فهو يوقظ أهله أيضًا ليشاركوه هذا الخير العظيم، مما يدل على أهمية التعاون على الطاعة داخل الأسرة المسلمة،
ومن أعظم ما يميز العشر الأواخر أنها تتضمن ليلة القدر التي قال الله تعالى في فضلها:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
ولهذا كان النبي ﷺ يحث المسلمين على تحرّيها والاجتهاد فيها، فقد قال:
«تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» رواه محمد بن إسماعيل البخاري.
ومن الأعمال الجليلة التي يُستحب الإكثار منها في هذه الأيام المباركة: قيام الليل، وتلاوة القرآن، وكثرة الذكر، والصدقة، والتوبة الصادقة، والإلحاح في الدعاء، وقد سألت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها النبي ﷺ فقالت:
«يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟»
فقال: «قولي: اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عني» رواه سنن الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وهذا الدعاء يجمع معاني عظيمة من التضرع والافتقار إلى الله تعالى، إذ يسأل العبد ربَّه العفو والمغفرة، والعفو أبلغ من المغفرة لأنه محو الذنب وطمس أثره…
ومن المعاني المهمة التي ينبغي للمسلم أن يستحضرها في هذه الأيام المباركة أن العبرة في الأعمال بخواتيمها، فقد قال النبي ﷺ:
«إنما الأعمال بالخواتيم» رواه محمد بن إسماعيل البخاري.
وهذا الحديث يذكّر المسلم بأن يجتهد في ختام شهر رمضان كما و يزيد في الطاعة رجاء أن يختم الله له هذا الشهر بالمغفرة والقبول.
إن اغتنام العشر الأواخر من رمضان فرصة عظيمة للمؤمن كي يجدد صلته بالله تعالى، ويكثر من الطاعات والعبادات، ويستدرك ما فاته من تقصير في أيام الشهر الأولى، ففي هذه الليالي تنزل الرحمات، وتفتح أبواب المغفرة، وتضاعف الحسنات، ويقبل الله توبة عباده التائبين.
ولهذا كان السلف الصالح يعظمون هذه الأيام أشد التعظيم، ويجتهدون فيها بالعبادة والذكر والدعاء، طمعًا في إدراك ليلة القدر والفوز برضا الله تعالى.
فحريّ بالمسلم أن يغتنم هذه الأيام المباركة، وأن يكثر فيها من الصلاة والدعاء وقراءة القرآن، وأن يسأل الله القبول والمغفرة، لعلّه يكون من الفائزين برحمة الله ورضوانه.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية