تمر علينا في الثاني من مارس من كل عام ذكرى رحيل الشاعر اليمني/ العربي الكبير محمد حسين هيثم رحمه الله ، الذي رحل عنا في العام 2007 ، وفي هذا اليوم الموافق للذكرى الثامنة عشر لرحيله وإحياء لذكراه أحاول مقاربة قصيدته النثرية ( هذه الرأس) والمنشورة في ديوانه ( استدراكات الحفلة ) ، وهو الديوان السادس له في ترتيب النشر ، والأخير من حيث الطباعة في حياته ، إذ تمت طباعة آخر ديوان له ، وهو الديوان السابع ( على بعد ذئب ) ، بعد رحيله.
عُرف الشاعر محمد حسين هيثم بكتابته للقصيدة التفعيلية والنثرية ، وقد أبدع فيهما أيما إبداع ؛ حتى قال د. عبدالعزيز المقالح لو كان في اليمن خمسة شعراء فقط لكان محمد منهم.
القصيدة تفصح عن ثيمة سياسية باقتدار ، وإن كان التلميح هو الجو السائد في القصيدة ، على عكس التصريح الذي تتميز به القصيدة العمودية، وهذا ما يمنح القصيدة جمالا ، فالشاعر يسجل موقفاً صارماً من الأوضاع السياسية التي يحيا في خضمها هو وغيره من اليمنيين ، بل والعرب الذين قدّر لهم أن يحيوا في ظل أنظمة ديكتاتورية قمعية .
يبدأ قصيدته بقوله:
هذه الرأس
ثمرة
أم طائر
أم طبق معدني
أم قصيدة نثر
جليٌ أن الشاعر لايعرف كنه رأسه ، أهي ثمرة تقطف وتؤكل ، أم طائر يحلق في الفضاءات تلاحقه طلقات الصياد، أم أنها طبق معدني ثابت في محله لايتزحزح ، ولايحسن إلا الالتقاط والإرسال، أم أنها قصيدة نثر تكتب وتمحى بعد حين ، تماما كما قال جبران خليل جبران: (( إنما الناس سطورٌ كتبت ، لكن بماء )).
والشاعر لايضع علامة استفهام بعد تساؤلاته ، لأنه في الحقيقة لايسأل، إنه يفكر بصوت عالٍ ، وهو يجهل حقيقة رأسه لأنه لم يدرك أهميتها في بلده ، فهي لاقيمة لها ، وآيلة للسقوط في أي لحظة، غير أنه يسعى سعيا حثيثا للحفاظ عليها كي لاتسقط من تلقاء نفسها ، يقول:
وعلي أن أقطع بها
أطول مسافةٍ ممكنة
أن أمضي بعيدا
قبل أن تسقط من تلقاء نفسها
وهو يحلم بأن يعبر بها سبعين شمسا، أن يمتد به العمر ، والعمر لايمتد إلا بمن راح يمشي بمحاذاة الجدران ولم يشغل نفسه وفكره بما يدور حوله ، يدور مع الساقية كيفما أتفق، ولايتأثر بأهل الفكر والسياسة الذين يسعون لإنارة الطريق أمامه ، ويرسمون له دربا للخلاص والعيش بحرية ، أولئك الذين يقدمون رؤوسهم تضحية لمبادئهم، يقول:
إذا عبرتُ برأسي سبعين شمساً
ربما لا أكون هنا أو هناك
ولكن ياللمجد
أكون قد عبرت
عبرت مع الكثرة
عبرت مع الجموع
ولم أنخدع بالإستثنائيين
أولئك الذين لاتهمهم رؤوسهم
ولايستحقونها
مثلما أستحق رأسي
ولاحظ معي كيف أنه يدين جموع المواطنين من أمثاله الذين يؤثرون العيش على الهامش ، بل ويسخرون ممن يسعى لأن يوقظهم من سباتهم.
إنه يرسم صورة مخزية للذل الذي يغمره ، والذي جعل منه رجلا متشبثا بالحياة ولو كانت ذليلة ، فهو يقول:
هذه الرأس
أطوّر كل يوم
طرقاً للحفاظ عليها
فأنا لا أريد أن أرفعها مطلقاً
ولا أتطلع إلى السقف والجبل
لئلا يكتشفها أحدهم
إنه يحيا ناكس الرأس دوما حفاظا على رأسه ، وهو يجد ويجتهد في إخفائها ، بل :
وأغمدها بقوة بين كتفيَّ
وأرفع ياقتي
حتى
لاتسقط
مني
في الزحام
بسبب صفعة خاطئة
من شرطي
تأخر راتبه الشهري
والشرطي هنا معادل رمزي وموضوعي للسلطة الغاشمة التي لاتحفظ للمواطنين كرامتهم ولا حياتهم.
وهو يعيش بهاجس الحفاظ عليها لأنها معرضة للسقوط لأسباب تافهة لاتخضع للمنطق ولا للعدل ، ويخشى أن يأتي يوم يدفع السلطة غرورُها لأن تنتزع رأسه حتى دون أن يكون معارضا لها ، وتعلقها عاليا ليكون عبرة لغيره، وهاهي ذي رأسه تعلو بعد أن كانت منكسة ذليلة ، غير أنها تعلو معلقة وقد فصلت عن جسده ، يقول:
من يضمن لي
أن أحدهم ( وهنا يومىء إلى السلطة)
لن يفكر بإعجاب
يالهذه الرأس
يجب أن نرفعها
أن نعلقها عاليا
عالية جدا
ليراها الناس
القصيدة طويلة ولم أقتبس إلا بعضا من سطورها التي تشي بما حملت من إدانة للأنظمة القمعية ، ولمن ارتضى أن يعيش ناكس الرأس حرصاً منه على الحياة أنّى كانت.
رحم الله الشاعر الكبير محمد حسين هيثم ، وأسكنه فسيح جناته.