كتبت عائشة أبو ليل. الصهيونية زرع واقتلاع

لآفاق حرة

الصهيونية: زرع واقتلاع

بقلم: عائشة أبو ليل – كاتبة فلسطينية

لم تكن الصهيونية مجرد نتاج لمعاناة اليهود في أوروبا، ولا وليدة أزمة إنسانية تبحث عن وطن، بل أداة وظيفية ضمن مشروع استعماري توسّعي، غايته زرع كيان غريب في قلب المشرق العربي، وتحويل المسألة اليهودية إلى أزمة وجود لشعب آخر. إنها ليست حلاً، بل زرع لقنبلة.

النشأة: من قومية أوروبية إلى استعمار ممنهج

تعود جذور الصهيونية إلى أطماع استعمارية سبقت تنظيمها السياسي. استفادت من صعود القومية البرجوازية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، وادعت لنفسها دور حركة تحرر قومي لليهود، رغم رفض غالبية اليهود لها حينها. لم تكتسب الزخم إلا بعد أن طرح ثيودور هرتزل مشروع “الدولة اليهودية” عام 1896، وعقد أول مؤتمر صهيوني في بازل عام 1897، حيث تم تأسيس “المنظمة الصهيونية العالمية” بهدف إقامة وطن لليهود في فلسطين.

التحالف مع الاستعمار

منذ نشأتها، سعت الصهيونية إلى رعاية استعمارية تنفذ مشروعها، فطرحت مشاريع في العريش وأوغندا، لكنها كانت ترى فلسطين الهدف الأساسي رغم وجود سكانها الأصليين. بعد فشل المفاوضات مع ألمانيا والدولة العثمانية، اتجهت الحركة إلى بريطانيا. وتحديدًا عبر حاييم وايزمن، الذي أقنع القادة البريطانيين، بأن إقامة كيان صهيوني في فلسطين يخدم مصالحهم في المشرق العربي.

وعد بلفور: ذروة التواطؤ

في 2 نوفمبر 1917، منحت بريطانيا وعد بلفور الذي تعهد بقيام “وطن قومي لليهود” في فلسطين، متجاهلة الوجود العربي الكثيف. لاحقًا، أُدمج هذا الوعد في صك الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922، ليصبح التزامًا دوليًا.

فتحت بريطانيا أبواب فلسطين للهجرة اليهودية، وسهّلت تمليك الأراضي، وبنت مؤسسات صهيونية بديلة، مع إقصاء السكان الأصليين. تأسست ميليشيات عسكرية صهيونية مثل “الهاغانا” و”الأرغون”، التي مارست العنف ضد الفلسطينيين، وساعدت بريطانيا في قمع ثورتهم الكبرى عام 1936.

التقسيم والنكبة

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت بريطانيا الانسحاب، فرفعت القضية للأمم المتحدة، التي أصدرت قرار التقسيم عام 1947. رغم أن العرب كانوا ثلثي السكان، لم يُمنحوا سوى 42% من الأرض، مقابل 56% لليهود.

استعدت الحركة الصهيونية للمرحلة الحاسمة، ومع بداية 1948، بدأت تنفيذ عمليات تطهير عرقي شاملة. في نيسان وقعت مجزرة دير ياسين، إحدى أبشع الجرائم التي بثت الرعب بين السكان. وفي 14 أيار، أعلن بن غوريون قيام “دولة إسرائيل”، فيما كانت مئات القرى قد دُمرت، وأكثر من 400 ألف فلسطيني قد طُردوا.

المقاومة و قد واجه الشعب الفلسطيني النكبة بمقاومة باسلة، لكن تدخل الجيوش العربية محدود الفاعلية، أضعف النتائج. لاحقًا، وُلدت “منظمة التحرير الفلسطينية” عام 1964، في محاولة لإعادة توحيد النضال الفلسطيني، لكنها لم تنطلق من إدراك جذري لحقيقة المشروع الصهيوني ككيان استيطاني إحلالي.

مع الزمن، تحوّل النضال من التحرير إلى التسوية، وجرى الاعتراف بـ”إسرائيل” دون مقابل حقيقي، تحت وهم الدولة الفلسطينية، التي بقيت بلا سيادة.

من الكفاح المسلح إلى التآكل السياسي

طرحت “فتح” الكفاح المسلح كخيار نضالي منذ بدايتها، لكن المشروع الوطني الفلسطيني تعرض لتحوير تدريجي، حتى أصبح خاضعًا لمنطق التفاوض وفق شروط العدو، ما أفرغ النضال من مضمونه التحرري، وأحال الصراع إلى قضية “تحسين شروط حياة تحت الاحتلال”.

الحقيقة لا تموت

الصهيونية ليست مأساة يهودية، بل مأساة إنسانية فلسطينية. إنها مشروع عنف واقتلاع لا يمكن التعايش معه. لم تُزرع لتُفكّك، بل لتتمدّد، لكن الشعب الفلسطيني ظل يواجه، متحديًا محاولات الإنكار والمساومة.

الحقيقة لا تموت، والحق لا يسقط بالتقادم، وما زُرع بالقوة، سيُقتلع بالإرادة.

عن @d_1p20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!